رئيس التحرير
خالد مهران

الهيدروجين الأخضر مستقبل الطاقة المتجددة

الهيدروجين الأخضر
الهيدروجين الأخضر


مع منتصف العام الماضي، بدأت الحكومة في طرح إستراتيجية وطنية لما يسمى بصناعة "الهيدروجين الأخضر"، والذي بدا أنه الموضوع الأبرز على ساحة الاقتصاد الأخضر العالمي.

وبحسب تقارير حكومية، فإن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه بإعداد إستراتيجية وطنية متكاملة لإنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر، حيث تتطلع الحكومة إلى إطلاق مرحلة أولية من المشروعات التي قد تصل قيمتها لـ3 إلى 4 مليارات دولار.

ويُنتج الهيدروجين الأخضر عند القيام بفصل المياه عن طريق التحليل الكهربائي، والذي يستلزم تمرير تيار كهربائي خلالها.

وبذلك تنفصل المياه إلى هيدروجين وأكسجين، وبهذه الطريقة، يمكن استخراج الهيدروجين من المياه، كما ينطلق الأكسجين في الهواء، بحسب تصريحات وزير الكهرباء محمد شاكر.

وأوضح أيمن حمزة، المتحدث الرسمي باسم وزارة الكهرباء، أن مصر أصبحت من الدول الجاذبة للاستثمار في الطاقة المتجددة، مشيرًا إلى أن الحكومة المصرية والقيادة السياسية ترغب في التوسع في الطاقة المتجددة.

وأضاف، أن الحكومة تقوم بتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في مجال الطاقة، لافتًا إلى أن العالم الآن يُرحب بتنظيم مصر لمؤتمر قمة المناخ، وهناك خطوات تنفيذية تتم على أرض الواقع قبل هذا المؤتمر.

مشروعات واتفاقيات
في أغسطس الماضي، وقعت شركة طاقة للكهرباء، التابعة لمجموعة طاقة عربية، مذكرة تفاهم مع شركة مان إنيرجي سوليوشنزس بغرض إعداد دراسة جدوى على مدار الأشهر الستة المقبلة فيما يخص استخدام حلول التحليل الكهربائي في محطات توليد وقود الهيدروجين.

وبحسب البيان الصادر عن شركة طاقة عربية، فإن هذه الخطوة تهدف إلى توليد وزيادة استخدام الهيدروجين الأخضر في مصر. كما وافقت رسميًا عدد من شركات القطاع الخاص مثل سيمنز ومجموعة ديمي البلجيكية وشركة هيونداي روتيم الكورية الجنوبية في أغسطس الماضي على العمل مع الحكومة لإعداد دراسات الجدوى حول المشروع.

وفي أكتوبر الماضي، وقع صندوق مصر السيادي اتفاقًا مع شركة "فيرتيجلوب وسكاتك النرويجية" المملوكة لناصف ساويرس الملياردير المعروف، لإنشاء مشروع لإنتاج الهيدروجين الأخضر في العين السخنة، بقدرة 50 إلى 100 ميجاوات.

وبحسب مجلس الوزراء، فإن مشروع الهيدروجين الأخضر سيستخدم كمادة وسيطة لإنتاج الأمونيا الخضراء، وستتولى الشركة إقامة وتشغيل المصنع وستمتلك أيضا حصة الأغلبية فيه، بهدف الدخول في اتفاقية شراء طويلة الأجل مع الشركة المصرية للصناعات الأساسية التابعة لشركة فيرتيجلوب، ومن المتوقع البدء في إنشاء المصنع العام المقبل، على أن يبدأ التشغيل عام 2024.

إمكانيات كبيرة لمصر
كما قال كريم العمدة، الخبير الاقتصادي، فإن الهيدروجين الأخضر هو مستقبل الطاقة بسبب الاهتمام العالمي به، مضيفًا أن العالم أنتج من الهيدروجين الأخضر حوالي 120 مليون طن حتى الآن. وتابع، أن مصر تنتج الهيدروجين الأزرق والأخضر، لكن الأخير به صفر انبعاثات.

وأضاف الخبير الاقتصادي، أن مصر اعتمدت في خطتها للعام 2035 العمل للاستفادة من مصادر الطاقة الصديقة للبيئة، خاصة وأن مصر من أوائل الدول إنتاجا للطاقة المتجددة والجديدة، مشيرًا إلى أنه كلما توطنت صناعة الهيدروجين الأخضر كلما قلت التكلفة.

وأوضح العمدة، أن الهيدروجين يولد طاقة 3 أضعاف المواد الأحفورية، إضافة لتميزه بكونه مستمرا ودائمًا، مؤكدًا أن دول الخليج اتجهت للأمر نفسه، لأن البترول والغاز طاقات غير متجددة، وسيأتي يوم وينتهي.

إلى ذلك، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن هناك اتجاها عالميا للاهتمام بالبيئة بسبب التخوف من التغيرات المناخية، مشيرًا إلى أن ذلك السبب الرئيسي وراء ظهور ما يسمى بالاقتصاد الأخضر أو السندات الخضراء، والتي تُستخدم لتمويل مشروعات استثمارية تكون هدفها الأول البيئة.

وأضاف، أن مصر دخلت إلى هذه الأسواق من خلال إطلاق عدد من السندات الخضراء التي تُستخدم في خلق مشروعات تنموية هدفها عدم الإضرار بالبيئة خاصة في ظل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، لافتًا إلى أن مصر تتميز بإمكانيات كبيرة تمكنها من إنتاج الهيدروجين الأخضر.

وأشار عبد الهادي إلى أن مصر تستطيع أن تدخل إلى أكبر الأسواق العالمية في تصدير الطاقة باستخدام مبادرة الهيدروجين الأخضر، والتي سوف تسهم في خفض عجز الموازنة وإدخال عملة أجنبية للبلاد، فضلًا عن توفير فرص عمل.

مزايا كبيرة واستثمارات بالمليارات
وعلق الدكتور ماهر عزيز، عضو مجلس الطاقة العالمي، بأن الهيدروجين الأخضر سيكون عاملا رئيسيا في تنويع محفظة الطاقة في مصر، خاصة أن اكتشافات الوقود الأحفوري لن تزيد عن 30 أو 50 عامًا.

وأضاف، أن الهيدروجين الأخضر يتم إنتاجه من خلال تحليل المياه إلى أكسجين يتم إطلاقه في الهواء، وهيدروجين يتم تخزينه، ليتم استخدامه في كل الصناعات والتطبيقات التي تستخدم الغاز الطبيعي، مشيرًا إلى أنه من المتوقع أن يحل الوقود السائل في قطاع النقل كله، عبر خلايا الوقود، وبالتالي يجب تعظيم القدرة على إنتاج الهيدروجين الأخضر.

ودلل ماهر عزيز على الاستفادة الكبيرة من إنتاج الهيدروجين الأخضر قائلًا:" إن إنتاج 3.5 مليون طن من الهيدروجين الأخضر يدر على خزينة الدولة ما يقدر بـ7 مليار دولار سنويا". مضيفًا أن الزيادة في إنتاج الهيدروجين الأخضر ستؤدى إلى التوسع الشديد في الطاقات الجديدة والمتجددة، وبالتالي سيتم توفير الكهرباء التي يتم استخدامها في تحليل المياه لإنتاج الهيدروجين الأخضر من خلال التوليد عبر مصادر الطاقة المتجددة مثل طاقة الشمس أو الرياح.

ولفت عضو مجلس الطاقة العالمي إلى أنه من عيوب الطاقات الجديدة والمتجددة هي تكاليف تخزينها الباهظة، لا يمكن لدولة تتحملها، لكن الهيدروجين الأخضر سيجعل تخزينها سهلا وغير مكلف، وهذه نقطة هامة وضرورية في المزايا الاقتصادية للهيدروجين الأخضر، وأيضا يمكن التصدير إلى أوربا في أنابيب، وهو أقل 10 مرات من تصدير الكهرباء عبر الكابلات البحرية المكلفة جدًا.

إلى ذلك قالت الدكتورة وفاء علي، خبير أسواق الطاقة، إن قطاع الطاقة شهد اهتمامًا من القيادة السياسية، الأمر الذي جعل مصر في مكانة تسمح لها باستخدام إمكانياتها لتنويع مصادر الطاقة، خاصة وأن مصر دولة مستهلكة للطاقة بسبب المشروعات القومية الكبيرة.

وأضافت، أن الحكومة أعلنت في استراتيجيتها الوطنية برنامجًا كاملًا للاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، مشيرًا إلى أن دخول الهيدروجين الأخضر، في محفظة الطاقة المُتجددة، خطوة مهمة، حيث من المتوقع أن يسهم الهيدروجين الأخضر في 42% من إجمالي الطاقة المتجددة بحلول العام 2035.

وأشارت علي إلى أن الحصول على الهيدروجين الأخضر عملية سهلة يتم الاعتماد فيها على التحليل الكهربائي للمياه عن طريق فصل عنصري الأكسجين والهيدروجين، وهي عملية كيمائية لاينتج عنها أي ملوثات للبيئة، بعكس الوقود الأحفوري.

ولفتت خبير أسواق الطاقة إلى أن إنتاج مصر للهيدروجين الأخضر، يأتي في إطار حرص الدولة على حق المواطن، في الحصول على هواء نظيف، والتوجه العالمي والتنمية المُستدامة، والأهداف الأممية الـ17، وذلك بالمساهمة في تقليل الانبعاثات الكربونية، وتلوث الهواء، والحد من الاحتباس الحرارى التي يُعانى منها العالم.

وتابعت، أن الهيدروجين الأخضر يعد أحد أهم عناصر الطاقة المستدامة في المستقبل، بما يُمثله من عائد اقتصادي كبير بفضل استخدامه في الصناعات الثقيلة والتحويلية، وعلى رأسها صناعة "البتروكيماويات" التي لا يمكن خفض عنصر الكربون الملوث للبيئة؛ إلا بالهيدروجين الأخضر، إضافة لصناعة القطارات فائقة السرعة، والتي تحقق قيمة مضافة كبيرة.

وأشارت علي إلى أن مصر تُمثل نموذج أمثل لصناعة وتوطين لصناعة الهيدروجين الأخضر ثم تصديره، في إطار تحولها لمركز إقليمي لتداول الطاقة، لافتةً إلى أن الهيدروجين الأخضر سوق واعد اقتصاديا، والطلب العالمي عليه يقدر بنحو 60 مليون طن، ومن المتوقع أن يرتفع بحلول عام 2035 إلى 350 مليون طن، والذي سيجلب عائدات اقتصادية بحوالي 300 مليار دولار، والذي قد يوفر حوالي 400 ألف فرصة عمل على المستوى العالمي، وستكون مصر من الدول الرائدة في صناعة وتوطين الهيدروجين الأخضر، وتصديره في إطار رؤية الدولة إلى التحول مركز إقليمي للطاقة.