ads
ads

بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ

طارق رضوان
طارق رضوان
طارق رضوان
ads



يقول سبحانه وتعالى معلم البشرية "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)} وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ الذين طغوا في البلاد".

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ.

أعلاه قصصٌ إلهيّ لأربع حضارات متفرقة تتعاقب واحدة تلو الأخرى، يشيد ويمدح الله فيها بهذا الإعجاز العلمي الحضاري والمعرفي الإنساني بكل أريحية؛ تصور معي أن الله يصف بهذه الكلمات الرائعة في القرآن الكريم ما فعله أصحاب الحضارات تلك، وذلك دون أن يبخس حقهم. وهذا له دلالة عظيمة.

هذه الدلالة مُجملها، أن الله سبحانه ليس ضد أي تقدم إنساني في المعمار أو في التطور العلمي والتكنولوجي، ولكن يجب أن يكون ذلك طبقا لرغبة الله. ورغبة الله التي أعنيها هنا، هو أن يتم ذلك التقدم على قاعدة إيمانية - أخلاقية.

نجد أيضًا أن الله أشاد بهذه الحضارات بوصفة دون تقليل أو امتهان أو سخرية لهذا الفعل البشري وما قام به قوم عاد، وثمود، وفرعون، وسبأ. ولكن كيف كانت النهاية؟ "فصب عليهم ربك سوط عذاب"؛ وذلك في الثلاث الحالات الأولى.

ومن ثم فإن الله ليس ضد أي تقدم إنساني في المعمار أو التكنولوجيا، ولكن يجب أن يكون ذلك كما ذكرنا سابقًا على قاعدة إيمانية - أخلاقية.

الإشكالية هنا، أنهم كفروا بأنعم الله، أنهم اسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؛ وعلى ذلك كانت النهاية "فصب عليهم ربك سوط عذاب".

ولنتذكر من ناحية أخرى مدح الله لبلدة طيبة ورب غفور ومساكنهم التي كانت آية وجنتان عن يمين وشمال، وكل ذلك يعد مدح وتعظيم إلهي واضح دون تشكيك في قدرة الإنسان وفي الفعل الإنساني على الأرض، إذ إنه وللمرة الثانية لم يبخس الله حق البشرية وقدرة الإنسان على البناء، فلم يستهن بذلك ولم يسخر، بل شعر بالفخر له.

إذن فإن الفرق عند الله من بلدان وحضارات الأرض منذ القدم وحتى الآن، هو تلك الأوصاف: "بلدة طيبة... كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا له"، ونفس الشيء يقاس على الإنسان.
-مكة والمدينة!

إن المتلقي الأول هنا لهذه الآيات الربانية الكريمة فيما يتعلق بتلك الحضارات العارفة والعليمة بأدوات المعرفة والفانية بانتقام إلهي لحظي، هو رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم.

وأحاول هنا أن أستشعر كيف قارن صلى الله عليه وسلم بين حياته في مكة والمدينة بصورتها البدائية الصحراوية البسيطة، التي لم نسمع فيها عن أي تقدم معرفي أصاب هذه المنطقة، وبين تلك الأقوام التي ذكرناها آنفا برقي حضارتهم في العلوم والمعرفة وتطاولهم في البنيان، فالفارق في واقع الأمر كبير والفجوة الحضارية والعلمية أكثر هوة واتساعًا.

لاحظ الرسول الكريم ذلك، وأراد الله سبحانه وتعالى اختباره وهو يعلم إلى أين سيكون خياره في التعامل مع أهل مكة وقريش.

أولاً يجب أن ندرك أن النضوج الإنساني وعلاقته بالرسالة الإلهية قد اختلف؛ فاستقبال قوم عاد وثمود وفرعون وجنوده للرسالة الإلهية، قد اختلف مع استقبال المشركين من أهل قريش. وذلك لمرور آلاف السنين وارتقاء ما قد أصاب الإنسان على الأرض بعيداً عن استعراض تفوقه العلمي والجسماني.

فعندما أراد الله سبحانه وتعالى استخدام نفس الأسلوب مع قوم محمد وهو يعلم مسبقاً رفض الرسول الكريم هذا العرض الذي أتى به جبريل ليطبقن عليهم الاخشبين، رفض محمد ذلك، آملاً في أن تغير ما قد سيحدث وأن من اصلابهم من سيأتي بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

إذن فكرة العقاب والإبادة اللحظية للكافرين بالله تغير نهجه وطريقة تفعيله، وهو ما اتفق مع ما أراده الله الذي منح رسوله الكريم بديموقراطية غير معهودة من قبل في اختيار آلية العقاب. حيث إن النبي العدنان مال إلى نهج الصبر والمجاهدة في إصلاح طريق البشرية، وأن الفناء والإبادة اللحظية لم تروق لنفسه ولن تكون هي الحل، وعليه أقر الله نهج جديد لم يستخدمه مع نبي من الأنبياء من قبل حيث كان الجميع ينتظر التدخل الإلهي الحاسم لينهي القضايا.

هذه المرة تبدأ أقدار الله في ترك مساحة ما للفعل الإنساني بالتدخل على الأرض للقضاء والتعامل مع كل من تسول له نفسه في المساس بعلاقة الإنسان بالله، ومن هنا أقر سبحانه وتعالى أن: أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.

اختلف الأسلوب الإلهي هنا تماماً، ومنح الله لعباده لأول مرة التدخل والمحاولة حتى أنه وفي بعض الأحيان قد يعطي عدوهم فرحة الانتصار كما حدث يوم أُحد. صحيح كل ذلك برعاية إلهية: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى".

وقوله "كتب عليكم القتال وهو كره لكم"، وقد وضع الله مقاييس ومنهج لهذا التدخل الإنساني بشروط وأحكام، حتى لا يشرد الإنسان على الأرض.

إذن نحن بين تفوق بشري حضاري يعقبه انتقام إلهي لحظي لا هوادة فيه، وبين ضعف ما إنساني على المستوى الحضاري، لكن بنضوج آخر يمكن أن يستقبل الرسالة الإلهية من خلال كتاب يقرأ إلى يوم الدين يخاطب العقل ليرقى به ويضع له منهاجا تكتمل فيه رسالة الله ورب القرآن على الأرض.

نجح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الاختيار وعدل الله سبحانه وتعالى في الآلية وتركها للإنسان، ليقوم لأول مرة بما كان يقوم به الله من قبل.

هي مساحةٌ جديدةٌ أعطاها الله للفعل الإنساني لتقوم بدورها بعد اكتمال النضوج الإنساني والمعرفي والعلمي. فهل نحن قادرون على إنجاح هذه التجربة لإرضاء الله بتوازن وحكمة؟!