ads
ads

خبراء يكشفون لـ«النبأ».. الأسباب الحقيقية للانتحار فى ظل أزمة فيروس كورونا

النبأ
أحمد عمران

انتحار شخص مصاب بكورونا قفز من الدور الثالث بحميات قنا وفى أوسيم شنق نفسه

استشارى الطب النفسى: الوسواس القهري يؤثر على درجة اللجوء للانتحار

«فرويز»: الضغوط الحياتية والاقتصادية مع تداعيات الفيروس والتغيرات المناخية أسباب هذه الظاهرة الخطيرة

«فايد»: يجب الأخذ بالأسباب واتباع الإجراءات الاحترازية والوقائية لمكافحة ومواجهة الفيروس


ازدادت وقائع الانتحار بين مصابي فيروس كورونا، خلال الفترة الأخيرة، أثناء عزلهم داخل المستشفيات أو بالمنزل، كان آخرها انتحار شاب مريض بكورونا في حميات قنا.

وتفتح «النبأ» هذا الملف خاصة في ظل عدم التوصل لعلاج كورونا حتى الآن، ومع طول مدة الفيروس هل يمكن أن ترتفع نسب الانتحار في مصر خلال الفترة القادمة خاصة أن خبراء حذروا من ارتفاع حالات الانتحار بسبب تداعيات كورونا؟

ونستعرض أبرز وقائع انتحار مصابي كورونا خلال الفترة الأخيرة، حيث أقدم عامل مصاب بفيروس كورونا المستجد، على الانتحار قفزًا من غرفة العزل الصحي في مستشفى الحميات بمحافظة قنا، لمروره بحالة نفسية سيئة عقب إصابته بـ(كوفيد 19).

وتبين أن المجني عليه «م. م. ح»، عامل، 58 سنة، كان محجوزًا بمستشفى الحميات بمدينة قنا للاشتباه في إصابته بفيروس كورونا، وأثناء قيام العاملين بالمستشفى بمحاولة الحصول على مسحة للتأكد من إصابته بالفيروس من عدمه، قام بالقفز من الدور الثالث هربًا من عار الإصابة بالمرض ما أدى لمصرعه.

مريض بكورونا انتحر شنقًا

وقبل واقعة حميات قنا، انتحر مصاب آخر بفيروس كورونا بنفس الطريقة بإلقاء نفسه من غرفته أثناء عزله بمستشفى الصدر بالعباسية شرقي القاهرة، وفوجئ المترددون على المستشفى، بأحد المرضى يلقي نفسه من شرفة غرفة العزل بالطابق الرابع، ليسقط أمامهم على الأرض جثة هامدة.

وفي مدينة أوسيم بمحافظة الجيزة، أنهى مريض بكورونا حياته شنقا لعدم تحمله آلام المرض وعدم تمكنه من الذهاب لمستشفى خاص لارتفاع تكاليفه.

انتحار ربة منزل

وفي دار السلام جنوبي القاهرة تخلصت ربة منزل من حياتها، عن طريق إلقاء نفسها من الطابق الثالث بمنزلها في شارع فرج يوسف، لرفض زوجها ذهابها إلى والدتها بسبب انتشار فيروس كورونا.

وتبين من خلال التحريات وجمع المعلومات أن مشاجرة نشبت بين ربة المنزل 32 سنة، وزوجها انتحرت على إثرها لرفض الزوج ذهابها إلى والدتها خشية إصابتها بالفيروس المميت.

الانتحار خلال فصل الربيع

بدوره، يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن حالات الانتحار لم ترتفع في مصر متابعًا: «لو هتزيد كانت زادت الفترة الماضية»، مؤكدًا أن التمسك بالحياة شيء عادي إلى جانب أنه توجد فئات معينة تُقدم على الانتحار، إذن فالمنتحر يكون شخصًا مريضًا فضلا عن أن الضغوط الحياتية والاقتصادية مع تداعيات مرض كورونا والتغيرات المناخية (فترة الربيع) التي مضت منذ أيام هم أسباب حالات الانتحار.

ويضيف استشاري الطب النفسي لـ«النبأ» أن مع نهاية فصل الربيع تختفي الاضطرابات المزاجية وبالتالي بالنسبة لكورونا بدأت الناس التعايش مع المرض وتفهمت الموقف فالأمور لم تكون سيئة مثل الأول ومهما زادت فلم تزيد عن ما نحن عليه الآن، لكن مسألة زيادة الانتحار فهذا الأمر قد يكون عالميًا أو في دول معينة بعينها تكون نسب الانتحار لديها عالية من الأساس، ولكن ليس في مصر، فإن الانتحار مرتبط بتوقيتات معينة وظروف مناخية معينة انتهى دورها مع نهاية فصل الربيع ودخول فصل الصيف.

ويوضح «فرويز» أن الانتحار يزيد مع الاكتئاب الدوري، وأن الاكتئاب الدوري يزيد في فترة تغيير الفصول الذي يبدأ في الفترة من 21 أبريل حتى 21 يونيو، وعندما تكون درجة الحرارة في الصباح مثلها في المساء تأكد حينها أن درجة الاضطراب الوجداني التي يزيد فيها الانتحار بدأت تستقر.

سمات المنتحر

من ناحيته، يقول الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن الانتحار من المشكلات الصحية الكبرى على مستوى العالم، وأحد أسباب الموت الأولى في الفئة العمرية ما بين 15 إلى 44 سنة، ويمثل عند اليابان رمزًا معينًا وله أدوات كالموت بالسلاح الناري، الشنق، ويتسم المنتحر بصفات بائسة واكتئاب تتخطى قدرته على الاحتمال، مؤكدًا أن صفاته الشخصية كالعنف، والاندفاع تؤثر على قوة تحمله، فيتأثر بأنماط الشخصية، والثقافات والبيئة الاجتماعية، ويعتقد المنتحر أنه صاحب موقف، ويريد توصيل فكرة معينة كما حدث مع سارة حجازي، والأصل في الحياة هو البقاء، فالانتحار يكون نتيجة مركبات وضغوط نفسية، وهناك من ينتحر بسيطرة نفسه عليه، دون خلل أو أمراض عقلية، والهوس الاكتئابي، والانفصام، فضلًا عن أن الوساوس القهري يؤثر على درجة اللجوء للانتحار، ولا يجوز تحريم شيء دون الرجوع لأسبابه.

ويضيف استشاري الصحة النفسية لـ«النبأ»، أنه يجب دراسة شخصية المنتحر، وهل انتحاره يرجع لأسباب عقائدية، مثل سارة حجازي، أو لأعراض انفصامية، غير طبيعية، تكون نتيجة الملل، أو ضعف وازع ديني، واضطرابات شخصية، إدمان، ضعف الإرادة، المحاكاة، والتقليد والتمرد على وضع معين، إثبات الذات، نتيجة ألعاب الفيسبوك، كلعبة مريم، وموضحًا أن كل هذا إناس مسلوبة الإرادة لا تجرم ولا تحاسب عنها ولا ينطبق عليهم قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.

ويكمل: «كل ما سبق ذكره أسباب عامة عن الانتحار، فالتركيبة النفسية لشخصية المنتحر، أحيانا تكون هناك ظروف ضاغطة أشد قسوة تجعل الإنسان يقبل على الانتحار في ظروف وملابسات خاصة، كالمنتحر أثناء عزله فى البيت بعد إصابته بفيروس كورونا المستجد، أو السيدة التي انتحرت لمنع زوجها لها بزيارة والدتها تخوفا من كورونا، فيلجأون للانتحار بسبب حالة الاكتئاب الحاد والشديد الذي تعرض لها الشخص نتيجة المناخ الضاغط، والظروف الاجتماعية، وعدم وجود متنفس والتفكير والانشغال بالمود في فترة الكورونا، والإحساس بأنه أقل اهمية ممن حوله، خاصة في فترة الحظر، ورؤية الآخرين بأماكن ساحلية وهم معزولون، وقسوة الوالدين والزوج، والمتعاملين فى الرعاية الصحية، وهناك نتيجة اضطرابات فى الجسم، وتشوه به، هذا قد يصيب الإنسان بأعراض اكتئابية حادة، أو نتيجة قتامة بالمستقبل، وانعدام الرغبة في الحياة، كلها ملابسات تؤدي للانتحار فى زمن الكورونا بالإضافة لعوامل أخرى».

المرض المزمن يؤدي للانتحار

ويشير «هندي» إلى أن الأزمات والضغوط النفسية التي يتعرض لها الإنسان فى فترة الكورونا يمكن أن تؤدي للانتحار، لا سيما عند ارتباطها بالدخل المادي، وتراكم الديون، ومواجهة العثرات لدى البعض، اختلال جودة الحياة واضطرابها عنده بعدما كان حر في خروجه وأصبح اليوم في عزلة، ما يضغط على نفسية مريض الكورونا ويدفعه للانتحار لشعوره بالاغتراب الداخلي عند إصابته وبُعد الأهالي عنه، فالمرض المزمن يؤدي للانتحار لدى عديمي الصلابة النفسية، مثل الإيدز، الصرع، والسرطان، مؤكدًا أن كورونا أصبح أحد الأمراض التي تسبب ضغوطا نفسية، لا سيما أنه لا يوجد دواء له، للخلاص مما هو فيه، فمن ينتحر بمرض الكورونا يكون لديه ضغوط أسرية وعائلية، بطالة، ارتفاع نسبة العنوسة، اختلافات زوجية شديدة، عدم القدرة ع الإنجاب، عنف اتجاه الأبناء لوالديهم، نسب الطلاق، عند تجمعها مع مريض الكورونا تكون عاملا إضافيا مفجرا للتنفيس عن الغضب من الأزمات التي يعيشها الإنسان، وبالتالي يبحث عن الخلاص والبُعد عن آلامه فيلجأ للانتحار.

ونصح استشاري الصحة النفسية المواطنين أن يكون لديهم تعزيز للمرونة العقلية في فترة الكورونا من خلال التفاؤل، وتجديد الحياة وعمل أنشطة منزلية، والأم تنوع فى المأكل والملبس، وعدم الاضطرابات الأسرية، والهدوء، لعب رياضة، وإقامة الصلاة معا، اللعب مع الأولاد، ومشاهدة ما هو ترفيهي متنوع، الحد من استخدام العنف وإساءة المعاملة للأولاد والأزواج، عدم القدوم عالمواد المخدرة، غرز القيم الروحية للأولاد، والحرص على التواصل الاجتماعي مع الأهل باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ودعم بعضنا البعض، لمحاولة التخفيف من العبء النفسي خاصة لدى المرأة لأنها الأكثر إقداما على عملية الانتحار.

التوعية

بينما تقول الدكتورة سوسن فايد أستاذ علم النفس السياسي والاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الجنائية والإجتماعية، إن هناك ارتباطا شخصيا ما بين المرض النفسي وحالات الانتحار، فهناك ما يسمى بالاكتئاب العقلي والشك القهري، فتحدث اضطرابات نفسية مبالغ فيها نتيجة الإصابة لكننا لا نستطيع تحديد الأمراض ونوعها، مؤكدة أن مع الأزمات دائمًا يحدث تفاعل للمرض النفسي بشكل مبالغ فيه ويكون الانتحار هو النتيجة لكن كورونا ليست السبب الرئيسي وإنما هي تهيئ المجال وتضاعف من أعراض المرض النفسي.

وتكمل: «الحل في هذه المرحلة هي التوعية لأن الكثير يعتبر المريض النفسي ينتابه وصمة عار ويطلق عليه لقب (مجنون) ويتنمر عليه بعض الناس ويخافون منه عند رؤيته فيجب أن تكون هناك ثقافة وتوعية للمحيطين بالمريض وعليهم مساعدته للخروج من الضغط النفسي حتى لا يصل إلى مرحلة الانتحار، فالتجاهل وعدم الفهم وقلة الوعي بالمرض النفسي يحدث بسببه مضاعفات ويصل لدرجة من الذروة تضر بالمريض على العكس فوعي المحيطين ومساعدتهم إليه بعرضه على الطبيب النفسي وتقديم العلاج له قبل أن يتصاعد المرض هذا فارق كبير جدا في علاج المرضي بصفة عامة».

مساعدة المريض

وتضيف أستاذ علم النفس السياسي والاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، في حديثها لـ«النبأ» أننا نواجه بمجتمعنا تأخر كبير في ثقافة أهمية العلاج النفسي فعلينا إدراك الأهمية القصوى لاقتراب المريض وعرضه على طبيب نفسي ليساعده في تحقيق خطة علاج مناسبة له، موضحة أن التأثير النفسي لكورونا يقع علي الجميع بصفة عامة سواء المرضى أو الأصحاء فالمواطن العادي يصل لدرجة من الخوف أحيانًا يكون طبيعيا وفي أحيان أخرى يكون مريضا ويتعرض لحالة من الشك القهري وعدم الثقة في جميع الأشياء وجميع من حوله وهنا يحدث نوع من التوتر، يمكننا التغلب على ذلك الخوف والتوتر عن طريق التوعية ووضع خطة مدروسة تتبعها وسائل الإعلام ووسائل التواصل المختلفة بالإضافة إلى أن المؤسسات الدينية عليها بالخروج لطمأنة المواطنين وإتباع قول الله تعالى (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) للمساعدة على التهدئة النفسية.

رسائل مهمة

وحثت «فايد» الجميع بضرورة الأخذ بالأسباب وإتباع الإجراءات الاحترازية والوقائية لمكافحة ومواجهة فيروس كورونا ويجب عدم التقصير في اتباع التعليمات وأن يكون هناك اهتمام من المثقفين والإعلاميين للمساعدة على تهدئة المواطنين ولكن ما يحدث الآن هو العكس «نرى من الإعلاميين استخدام أساليب الترهيب والتخويف والتهديد المستمر بخطورة الموقف»، مشيرة إلى أنه لابد من توفير بُعد إيجابي نحن الآن نمر بفترة صعبة جدًا على مستوى العالم ولكننا في مصر نقدر على اجتيازها ونحن نمتلك الاحتياطات والإمكانيات الصحية فيجب الإشارة دائمًا إلى ذلك ونطمأن المواطنين بأنه لدينا قدرات تسمح بالتصدي لأي مشكلة أو أي أزمة.

وقدمت أستاذ علم النفس السياسي والاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، برسالة هامة في نهاية حديثها لتخطي هذه المرحلة الخطيرة وهو أنه يجب على الجميع العمل في منطقة واحدة وهدف مشترك وتنسيق فيما بينهم لخلق التهدئة والمناخ الذي يدفع للوعي والاستقرار النفسي.