ads
ads

محمد مازن يكتب من بكين: كورونا وجدل «المنشأ»

النبأ


عندما يذكر فيروس كورونا، ستقفز على الفور إلى ذهنك مدينة ووهان الصينية باعتبارها "منشأ للفيروس"، لكن الواقع قد يكون غير ذلك تماما في ضوء الإبلاغ عن حالات أصيبت بالمرض في دول أخرى غير الصين دون أن يكون لها سجلات سفر إلى المناطق المصابة أو حتى اتصال بحالات مؤكدة.


وذلك يستدعي إعادة النظر في "منشأ" الفيروس على اساس العلم وليس نظريات المؤامرة،
فقد فتح غياب الحقائق العالمية المجال لانتشار الشائعات ونظريات المؤامرة حول الفيروس منذ اندلاعه. ليس معنى أن منظمة الصحة العالمية أعلنت تفشي الفيروس لأول مرة في مدينة ووهان تبقي ووهان هي "منشأ" الفيروس. 


صحيح أن ووهان سجلت أول وأكبر عدد من الإصابات والوفيات بسبب المرض في العالم، لكن هناك حالات أخرى كثيرة سجلت خارج ووهان في دول كثيرة، حتى في الصين نفسها، لم تكن لها سجلات سفر الى مناطق مصابة أو احتكاك مع مرضى به، الأمر الذي يزيد التعقيدات حول منشأ الفيروس.


في الولايات المتحدة على سبيل المثال، أعلن أحد المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ليلة الأربعاء أن مريضا في كاليفورنيا تم تشخيص إصابته بكورونا دون أن يسافر إلى أي مكان مصاب بالفيروس. كما لم يحتك المريض بأي شخص مصاب. 


كان ذلك المريض أول حالة من أصل غير معروف تسجل في الولايات المتحدة، وفقا للسلطات الصحية هناك.


 وقد قام المركز الأمريكي بمراجعة تقييم الحالة مرة أخرى ووصل الى نفس النتيجة: لم يتم تحديد مصدر العدوى. وأعلن عن حالة مماثلة أخرى امس الجمعة.


وقد ترددت تصريحات مشابهة كثيرة على لسان مهنيين طبيين في بكين، العاصمة الصينية، وأيضا في اليابان وسنعافورة وربما دول أخرى. ويقول علماء في مجال الصحة إن الطبيعة الغامضة لهذه الحالات مهمة.


تشونغ نانشان، العالم الصيني وأخصائي أمراض الجهاز التنفسي البارز، قال في مؤتمر صحفي يوم الخميس إنه "على الرغم من أن تفشي المرض حدث لأول مرة في الصين، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه نشأ هنا".


تسنغ قوانغ، كبير علماء الأوبئة في المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، قال أيضا في تصريحات صحفية لصحفية غلوبال تايمز الصينية يوم الجمعة إنه" لا يوجد دليل مباشر على ربط أصل الفيروس بووهان حتى الآن، خاصة وأن بعض المرضى الذين تم الإبلاغ عنهم خارج الصين لم يسبق لهم الوصول إلى المناطق المنكوبة بالوباء أو الاتصال بأشخاص مصابين به".


وتثير تلك الملاحظات تساؤلات كثيرة بينما يحاول العلماء في العديد من الأنحاء فك لغز هذا الفيروس الجديد الذي تسبب بإصابة أكثر من 82 ألف شخص ووفاة أكثر من 2700، معظمهم في الصين. وفي وقت سابق، أثارت محطة " أساهي" اليابانية نقطة مهمة وهي أن بعض المرضى الذين لقوا حتفهم في الولايات المتحدة بسبب الأنفلونزا العادية ربما قُتلوا بسبب فيروس كورونا، ويضيف هذا الكشف، إن صح، مزيدا من المخاوف بشأن أصل الفيروس، الذي قال البعض إنه نشأ بالفعل في الولايات المتحدة وليس الصين. 


وعلى الرغم من أن المراكز الأمريكية للوقاية من الأمراض والسيطرة عليها قد دحضت تقرير القناة اليابانية بأنه" لا يستند إلى أدلة"، إلا أن ما ذكرته القناة على الأقل يستحق الاهتمام، خاصة مع ما أثارته بعض المنشورات على الإنترنت من أسئلة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد أضاعت فرصة اختبار الحالات الشبيهة بالأنفلونزا عن طريق الحمض النووي.


فاختبارات الحمض النووي كانت ستؤدي الى تحديد المزيد من الحالات، وبالتالي الوقوف على الوضع الفعلي للفيروس التاجي الجديد في الولايات المتحدة، وما إذا كانت مصدره من عدمه.
العالم الصيني تسنغ قال في تصريحاته الصحفية "يمكن للسلطات الصحية الأمريكية أن تقوم بإجراء اختبارات للأجسام المضادة [تُعرف أيضا باسم الاختبارات المصلية] لمرضى الإنفلونزا المتعافين. 



وإذا جاءت نتائج الاختبارات إيجابية، فستكون ذلك بمثابة دليل مباشر على أصل الفيروس"، داعيا الولايات المتحدة إلى أن تكون أكثر شفافية في المعلومات المتعلقة بالوباء وأكثر تعاونا مع المجتمع الدولي. وربما تأتي معلومات جديدة في الساعات المقبلة من سنغافورة تضيف المزيد من الغموض أو تفتح افاقا جديدة بشأن تحديد مصدر الفيروس. 



وقالت سنغافورة يوم الجمعة أنها توصلت بنجاح إلى أول استخدام لاختبار الأجسام المضادة لتتبع إصابات فيروس كورونا، والتي يمكنها اكتشاف مصدر مجموعات العدوى في بعض الحالات.


ويعتبر الفهم المحدود للفيروس أحد التحديات الرئيسية التي يواجهها المجتمع العالمي في معالجة أزمة الصحة العامة، وبدلا من تبني نظريات المؤامرة، فإن العمل معا يمثل حاجة ملحة لمنع انتشار المرض وتحديد اصل العدوى.


وفي تعليقها على تصريحات تشونغ نانشان بعد انتشارها كالنار في الهشيم، قالت بعض وسائل الإعلام الغربية إنه يحاول حماية الصين من المسؤولية. لكن معظم الذين استمعوا إليه بعناية قالوا إن التصريحات علمية وصارمة، لأن ما يعنيه حقا هو أنه لا يمكن التوصل إلى نتيجة إلا بعد البحث العلمي. وعندما طرح سياسيون أمريكيون مثل توم كوتون "المؤامرة الصينية بشأن الفيروس"، ما يشير إلى أن الفيروس جاء من مختبر لأبحاث الأمراض المعدية في ووهان، قامت مجموعة من 27 عالما بارزا في مجال الصحة العامة بالرد. وقال العلماء من تسع دول في بيان نشره موقع مجلة لانسيت الطبية المرموقة على الإنترنت "إن المشاركة السريعة والمفتوحة والشفافة للبيانات حول هذه الفاشية تتعرض الآن للتهديد من الشائعات والمعلومات المضللة حول مصدرها". ويقول خبراء الصحة أن الأعراض غير النمطية للفيروس المسبب لمرض كوفيد-19 تجعل من الصعب تتبع أصل فيروس كورونا الجديد وأول شخص مصاب بالعدوى، فحوالي 80 في المئة من المرضى لديهم أعراض طفيفة، وأول شخص أصيب به أظهر أعراضا طفيفة أو معدومة، وتعافى تدريجيا من تلقاء نفسه، مما يجعل من الصعب للغاية تتبع مصدر الفيروس.


ويشير الخبراء إلى أن تحديد أصل الفيروس يمكن أن يساعد في السيطرة على المرض إلى حد ما، مشيرين إلى أن المرض قد يكون له أصول متعددة موجودة في جميع أنحاء العالم. وبالنظر إلى تعقيد المرض ومحدودية المعرفة حتى الآن، يجب عدم القفز إلى الاستنتاجات واحترام النتائج العلمية. فتسييس قضية الوباء أمر غير مسؤول لأن الفيروس ليس له حدود. ويجب على جميع الدول أن تكون متيقظة و تتحمل مسؤولياتها.