ads
ads

أتون القدر «21»

أحمد عز العرب
أحمد عز العرب
أحمد عز العرب



وهكذا ولدت فكرة الدولة اليهودية لأول مرة في ذهن هذه العقلية الاستعمارية، وباقي القصة معروفة، فقد فشلت الحملة الفرنسية على مصر وانسحبت فرنسا، وقام حكم محمد علي 1805 الذي حاول إنشاء دولة حديثة إقليمية عظمى تمامًا كما يحاول حكم الملا لي في إيران حاليًا، فجزعت دول الغرب أعداء الأمس من قيام محمد علي بإنشاء دولة حديثة تعيد تدفق الدماء في شرايين الخلافة العثمانية التي كانت تحتضر وتحرم دول الاستعمار من نهب المنطقة، فتحالف الاثنان ومعهما روسيا القيصرية ودمروا الأسطول المصري الذي كان يحارب اليونانيين – دمروه في معركة نوارين البحرية ثم تربصوا بالجيش المصري في سوريا 1839 وسحقوه، وهكذا انتهى حلم محمد علي في إقامة دولة عظمى إقليمية وعاد واليًا على مصر تحت السيادة العثمانية.


وعندما جاء مشروع قناة السويس وفتحت للملاحة رأت بريطانيا حتمية احتلال مصر لتأمين القناة التي أصبحت شريان مواصلات الإمبراطورية مع الهند، وسرعان ما أخرجت دوائر الاستعمار في لندن السيناريوهات المختلفة ووجدت أن أفضل ضمان يكون بإحياء فكرة نابليون القديمة بإنشاء دويلة يهودية في فلسطين، وبدأت المخابرات البريطانية تنشط وسط التجمعات اليهودية لدعوتها للهجرة لفلسطين، وقام البارون روتشيلد والبارون هيرش أغنى يهوديين في بريطانيا بالتبرع بأموال طائلة لإنشاء مستعمرات يهودية في فلسطين، وكانت أول مستعمرة تنشأ خارج أسوار مدينة يافا 1881 باسم «بتاح عكفا» أي الأمل قبل عام واحد من احتلال بريطانيا لمصر 1882 واستمر نشاط المخابرات البريطانية وسط التجمعات اليهودية لحثهم على احتضان فكرة الهجرة لفلسطين وإنشاء دولة يهودية بها.


وخلال الدراسة في استوكهلم وقع في يدي تقرير غاية في الخطورة والأهمية موجود بالمكتبة اليهودية، التقرير وضعته لجنة ملكية بريطانية سنة 1895 بناء على تكليف من الملكة فكتوريا سنة 1890 طلبت فيه الملكة من اللجنة دراسة أسباب انهيار الإمبراطوريات القديمة وكيفية تلافي ذلك المصير في الإمبراطورية البريطانية التي بدأت عوامل الشيخوخة تدب فيها، وقدمت اللجنة تقريرها المذهل للملكة سنة 1895 كما ذكرت، وجاء به أن انهيار الإمبراطوريات القديمة يأتي أساسًا من عاملين:


الأول: قيام دول جديدة شابة بجوارها تنازعها في البحث عن مجالات حيوية لها، وضربت مثالين في أوروبا هما الوحدة الإيطالية تحت زعامة الأسرة المالكة سافوي في تورينو والتي وحدت دويلات وإقطاعيات إيطاليا في دولة واحدة فتية يحسب لها ألف حساب، والمثال الثاني كان توحيد عشرات الإمارات والممالك والإقطاعيات الألمانية سنة 1870 في دولة واحدة بزعامة فلهلم الأول ملك بروسيا الذي انتخب إمبراطورًا على ألمانيا.


أما العامل الثاني لهدم الإمبراطوريات القائمة فهو التجمعات القبلية الكبرى التي تصل إلى المرحلة العليا للبربرية وتكون على وشك إنشاء دولة ففي هذه المرحلة تكون القوة العسكرية والاستعداد المعنوي للحرب لدى هذه القبائل في قمتها وتمثل خطرًا جسيمًا على الإمبراطوريات القائمة، وضرب التقرير مثلا باتحاد قبائل الهون جنوب أوروبا الذي أسقط الإمبراطورية الرومانية الغربية 476 ميلادية ودمر روما.


والمثال الثاني كان اتحاد القبائل العربية حول محمد (ص) الذي استطاع في غضون ثمانين عامًا بعد أن أصبح دولة على يد الأمويين وقبلهم الخلفاء الراشدين، استطاع إنشاء إمبراطورية عظمى امتدت من الأندلس غربًا إلى حدود الصين شرقًا، أما المثال الثالث في التقرير فهو اتحاد القبائل التتارية والمغولية تحت قيادة جنكيز خان في القرن الثالث عشر والذي استطاع هو وأحفاده في خلال نصف قرن من اجتياح مكل أسيا من شرقها من قرة قورم عاصمة المغول في أقصى الشرق والوصول إلى وسط أوروبا ودق أسوار الإمبراطورية النمساوية، والذي كاد حفيده أن يجتاح إفريقيا لولا أن سحقه سلطان مصر العظيم سيف الدين قطز في معركة عين جالوت جنوب فلسطين سنة 1260.


وانتهى التقرير إلى أن أخطر تجمع قبلي في مرحلته البربرية العليا الموجود وسط منطقة المصالح البريطانية الحيوية هو الأربعين مليون عربي (كان هذا هو عددهم وقتها) المنتشرين بين المحيط الأطلسي والخليج الفارسي، فلديهم عمق استراتيجي هائل موارد ضخمة ووحدة لغة رغم تعدد اللهجات المحلية، إلا أن اللغة الفصحى هي لغة الجميع لأنها لغة القرآن الذي يدين به 90% منهم.


لذلك يقترح التقرير الخطوتين التاليتين:


1- قسمة هذا العالم العربي ثقافيًا بحيث ينتمي سكان الأقاليم المختلفة إلى ثقافات مختلفة ومتعادية إن أمكن بحيث يكون الاندماج في دولة واحدة غاية في الصعوبة.


2- زرع جسم غريب وسطها يمتص نموها وتمتص نموه فلا يكون هناك خطر على الإمبراطورية من أيهما.


وفعلا تصالح ألد الأعداء إنجلترا وفرنسا واتفقا على إطلاق يد فرنسا في المغرب العربي وبريطانيا في مشرقه، وكاد الضغط الثقافي الفرنسي في المنطقة التي خصصت لها وهي تونس والجزائر والمغرب أن يحولها لأراضي فرنسية – أما بالنسبة للاقتراح الثاني بشأن زرع جسم غريب وسط العرب، فقد كان مشروع نابليون بدولة يهودية في فلسطين أفضل اقتراح.


ونشطت المخابرات البريطانية نشاطًا محمومًا وسط التجمعات اليهودية للترويج للمشروع – ولم يمضي عامان حتى كان تيودور هرتزل المحامي النمساوي والأب الروحي للدولة اليهودية قد عقد أول مؤتمر صهيوني في بازل بسويسرا سنة 1897 وانتهى المؤتمر إلى إقرار قيام دولة يهودية بفلسطين وسافر هرتز لاسطنبول محاولًا إقناع الخليفة العثماني بالموافقة على إقامة اليهود بفلسطين كرعايا طيبين للسلطان – مع استعدادهم لدفع مبلغ ضخم لإصلاح الاقتصاد العثماني، وكان رفض السلطان مهذبًا ولكن كان حاسمًا تمامًا – إذ قال لهرتزل: إن الإمبراطورية العثمانية يا ولدي على وشك التحلل – وعندما يحدث ذلك سينهش كل ذئب ما يستطيعه أما الحصول على موافقتي بالتنازل طواعية عن مسجد عمر بالقدس بمستحيل تمامًا ما أن ألحق هذا العار بأسرتي.