ads
ads

«الإفتاء» تحسم الجدل حول تحريم تصفيق الرجال

دار الإفتا ء
دار الإفتا ء


يعتبر التصفيق مظهرًا شائعًا من مظاهر التأييد، في العالم كله، إلا أن البعض يراه محرما على الرجال، مستدلين بحديث رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «التَّسْبِيحٌ للرِّجَالِ، والتَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ»، وذلك رغم أن هذا الحديث مرتبط بأوضاع معينة تتعلق بالصلاة، فما رأي المذاهب الأربعة في هذه المسألة؟

من جانبها أجابت دار الإفتاء المصرية على سؤال يرتبط بهذا الأمر قائلة:  "هذا الحديث الشريف، ورد في حال كون المسلم في الصلاة، وحَمْلُه على غيرها فيه تكلُّف، كما أن الفقهاء عندما تكلموا عن حكم التصفيق خارج الصلاة، تكلموا عنه باعتبار غَرَضِه، وما قد يصاحبه من المظاهر التي تُخرِجُ المسلمَ عن حدود اللياقة العامة والآداب؛ كمن يفعله تشويشًا على الناس في المساجد، أو من يجعلونه من مظاهر العبادة خارجين بذلك عن الخشوع والتدبر". 

وأضافت: "دار كلام العلماء في هذه الاعتبارات، بين الحرمة والكراهة والحل؛ تبعًا لِمدى ما يحدثه ذلك من تشويش أو خروج عن المقصود، لكنهم نصوا أيضًا على أنه إن كان لحاجة أو منفعة صحيحة فإنه حلال".

وأوضحت أن العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي، نقل استدلال بعض العلماء بهذا الحديث على التحريم، ثم رد عليه بأن هذا خاصٌّ بالصلاة، وأن التصفيق لا يختص به النساء، فلا تَشَبُّهَ فيه أصلًا، فقال في "كف الرعاع" المطبوع بهامش "الزواجر" (2/ 296، ط. الحلبي): "وقد حرمه بعض العلماء لخبر: «إنما التصفيق للنساء»، وأنت خبير بأنه لا دلالة في الخبر، إذ (أل) فيه للتصفيق الذي يُؤمَرون به في الصلاة، وليس هذا منه، وبأن التشبه بهن، إنما يَحرُم فيما يختص النساء به، وهذا ليس كذلك" أهـ.

وأما عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] فغير صحيح، لأنها نزلت فيمن كانوا يصدون عن الإسلام بفعلهم هذا، فالإنكار إنما هو للصد عن سبيل الله، ولكونه عند البيت الحرام، لا لمجرد التصفيق أو الصفير، بحسب دار الإفتاء.

وأشارات "الإفتاء" إلى أنه جاء في تعليق لجنة "الموسوعة الفقهية الكويتية"، على هذه الاستدلالات في المسألة ما نصه: "لا يخفى ما في هذه الاستدلالات من المآخذ؛ لأن كونه من اللهو الباطل معناه: أنه لا ثواب له، وليس كل ما خلا من الثواب حرامًا، ولأن التشبه بعبادة أهل الجاهلية لم يبقَ له وجود، وذم التصفيق في الآية إنما هو لكونه عند البيت (في المسجد الحرام)، ولكونهم جعلوه صلاتهم، ولأن التشبه بالنساء في التصفيق إنما يحصل إذا صفق الرجل في الصلاة، لسهو الإمام أو نحوه، بدلًا من التسبيح المشروع في حقه" اهـ. تعليق اللجنة.

والمعتمد عند الشافعية أن التصفيق إن لم يكن فيه خروجٌ عن اللياقة والآداب العامة، فهو حلال وليس حرامًا، حتى ولو كان على جهة اللَّعِب، وأنه حلالٌ إذا كان تعبيرًا عن الإعجاب، قال العلَّامة ابن حجر الهيتمي في "شرح الإرشاد"، كما نقله في "كف الرعاع" (2/ 296) عن نفسه أيضًا: "ومنه يُؤخَذ حِلُّ ضربِ إحدى الراحَتَينِ على الأخرى، ولو بقَصْدِ اللَّعِب, وإن كان فيه نوعُ طَرَبٍ, ثم رأيتُ الماوردي والشاشي وصاحبَي "الاستقصاء" و"الكافي" ألحقوه بما قبله، وهو صريح فيما ذكرْتُه وأنه يجري فيه خلافُ القضيب، والأصحُّ منه الحِلُّ، فيكون هذا كذلك" أهـ.

وأكدت الإفتاء، أنه إذا كانت الأعراف السائدة تجعل التصفيق دلالةً على الإعجاب والاستحسان، فلا ينطبق على التصفيق حينئذٍ ما ذكره الفقهاء مِن كونه علامةً على المجون، أو ذهاب المروءة أو غير ذلك من العلل، التي من أجلها صرح بعضهم بكراهته أو تحريمه، ولا يصح إيقاعُ حكمهم بمنع التصفيق  ـ كراهةً أو تحريمًا ـ على فعله إعجابًا واستحسانًا، كما هو السائد بين الناس في هذا العصر مسلمين وغير مسلمين. 

وأضافت: "حينئذٍ فلا يصح أن يُنسَب تحريمُ ذلك (الذي تغيرت دلالته واختلف واقعُه) إلى المذاهب الفقهية المتبوعة؛ لأن العلماء قد أجمعوا على أنه إذا تغيَّرت العوائدُ تغيَّرت الأحكامُ المتعلقة إليها، وأن خلاف ذلك جهالةٌ في الدين، كما نص على ذلك الإمام القرافي المالكي في كتابه "الإحكام في تمييز الفتاوى".