ads
ads

أتون القدر «5»

أحمد عز العرب
أحمد عز العرب
أحمد عز العرب

 

نجح جدي محمد في عمله الجديد كمحامي شرعي وبدأ دخله من مكتب المحاماة يزيد عن مرتبه كمدرس ثم بتضاعف بمرور الأيام، وبعد سنوات قليلة من العمل محاميًا شرعيًا رزق خلالها بولده الثالث محمود ثم بإثنتي من عماتي زكية وسنية.


وكان القدر يعد له مفاجأة مذهلة سنة 1904 رفعته إلى مصاف كبار المحامين وهو الشاب الذي لم يتجاوز وقتها سن الرابعة والثلاثين، وكان ذلك من خلال قضية هزت المجتمع المصري وقتها اهتزازًا عنيفًا وقسمته قسمين مؤيد ومعارض يتعاركان علنًا ويتشابكان أحيانًا باليد في المقاهي والأماكن العامة.


وكانت هذه هي القضية الشهيرة بزواج الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد التي كانت تصدر عددين أسبوعيًا من السيدة صفية السادات كريمة نقيب الأشراف المنتمي للدوحة النبوية وهو السيد عبد الخالق السادات.


لتلك القضية قصة يتعين عرضها تفصيلًا فبداخلها الكثير من عادات وتقاليد وقيم مصر في ذلك الزمان عند مطلع القرن العشرين.


زواج السيدة صفية السادات والشيخ علي يوسف:


كان حاكم مصر سنة 1904 هو الخديوي عباس حلمي الثاني التابع اسما للخليفة العثماني في اسطنبول، أما السلطة الفعلية في مصر فكانت بيد جيش الاحتلال البريطاني الذي يمثله المعتمد البريطاني في مصر اللورد كرومر أحد أكبر عتاة الاستعمار البريطاني والحاكم الفعلي لمصر، وكان الخديوي عباس شديد الضيف بهذه التبعية فتمرد عليها كلما وجد لذلك فرص لا تهدد عرشه.


وكانت تصدر في مصر وقتها جريدتان لكل منهما عددين أسبوعيًا، كانت الأولى هي جريدة اللواء التي يصدرها مصطفى كامل باشا أحد أشهر زعماء التاريخ المصري الحديث، وكان مصطفى باشا شديد الولاء للسلطان العثماني، وكانت مطالبته بإنهاء الاحتلال البريطاني لمصر تعني لعودة مصر إلى تلك الخلافة العثمانية، أما الجريدة الثانية فكانت جريدة المؤيد لصاحبها الشيخ علي يوسف الذي كان من أقرب خلصاء الخديوي عباس وناطق غير رسمي بلسانه، وبينما كانت جريدة اللواء لسان حال الخلافة العثمانية عمليًا، كانت جريدة المؤيد لسان حال الخديوي عباس.


وكان نقيب أشراف مصر وقتها هو السيد عبد الخالق السادات، وكانت النقابة تضم كل المنتسبين للسلالة النبوية الشريفة وتصدر لهم شهادات نسب بذلك، وكانت هناك أوقاف خيرية كثيرة وقفها ملاكها وخصصوا ريعها لأعضاء نقابة الأشراف تقربًا لله كما يعتقدون.


وكانت العادة أن نقيب الأشراف يشرف على إدارة هذه الأوقاف ويوزع ريعها على أعضاء النقابة والأعمال الخيرة ولا يتلقى أجرًا على ذلك رسميًا، ولكن منصبه كان من الناحية الأدبية منصبًا رفيعًا جدًا يضعه في قمة السلم الاجتماعي.


وكان للسيد عبد الخالق السادات ابنة هي السيدة صفية، وكانت ذات تعليم عالي نادر بمعايير ذلك الزمن إذ كانت تحمل شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، وكان الوصف المعاصر لها أنها كانت بيضاء البشرة وبدينة جدًا وهو طراز الجمال المعبود عندئذ.


كانت صفية تقرأ الصحيفتين اللواء والمؤيد بانتظام، وبهرتها شخصية الشيخ علي يوسف من كتاباته وقررت أن تقابله، فغطت بوجهها غطاء سيدات ذلك الزمان (اليشمك) وذهب إليه بمكتبه وبهت الرجل من الزيارة التي أسكرته سعادة وقرر فورًا أن يتقدم لزواجها.


ولكن علي يوسف كان يدرك العقبات الهائلة في طريق هذا الزواج قانونيًا واجتماعيًا، من الناحية الاجتماعية لم يتصور أن يرضى السيد السادات بمصاهرته وهو مجرد صحفي (جرنالجي هو الاسم المستعمل وقتها) ولا يحمل نسبًا شريفًا ولا يملك ثروة طائلة.


ومن الناحية القانونية يحق للفتاة البالغة – كانت صفية كذلك – أن تتزوج دون موافقة والدها حسب أرجح الآراء في المذهب الحنفي المطبق في مصر، ولكن بشرط أن يكون الزوج الذي تختاره كفأ لأسرتها من كافة النواحي حتى لا تسبب للأسرة معرّة اجتماعية.



فإن اختارت زوج دون المستوى يحق لأبيها أو ولي أمرها من الذكور رفع دعوى تفريق بينهما لعدم الكفاءة.


لجأ علي يوسف إلى سيدة وحامية الخديوي عباس وتوسل إليه أن يطلب صفية نيابة عنه من والدها، وفوجئ السيد عبد الخالق بطلب الخديوي ولكن لم يجرؤ على إحراج الخديوي بالرفض المباشر فتعلل بأن صفية مازالت صغيرة السن ولم يحن الوقت لزواجها بعد.


وتحت إصرار الخديوي قبل السادات على مضض أن تقرأ الفاتحة وتعقد الخطبة بينهما على أن يتأجل الزفاف حتى تصل صفية لسن مناسب في نظر والدها.


وجن جنون صفية وعلي يوسف من الفرحة ولكنهما لم يكن مسموحًا لهما باللقاء حسب تقاليد ذلك الزمن، وبعد مرور أكثر من عامين والسادات يماطل في عقد القران بحجة أن صفية مازالت صغيرة فرغ صبر الخطيبة وهربت صفية من بيت والدها وتزوجت علي يوسف وجن جنون الأب ورفع فورًا دعوى شرعية للتفريق بين الزوجين على أساس عدم الكفاءة.


وطلب من المحكمة أن تحكم بصفة مستعجلة للتفريق الجسدي بينهما لحين الفصل في الدعوى، واستجابت المحكمة لطلب الأول ووضعت صفية في كنف أحد علماء الأزهر المعروفين وزوجته.


وانقسم المجتمع المصري وقتها إلى معسكرين شديدي العداء أحدهما يرى في هرب فتاة من أسرتها وزواجها دون موافقة ولي أمرها جريمة لا تغتفر وأن الفتاة تستحق القتل، والآخر معسكر متحرر متأثر بآراء أباء  التنوير مثل قاسم أمين ومحمد عبده وغيرهم ويرى أن من حق الفتاة الزواج بمن تحبه خاصة وأن خطبتها تمت بمعرفة أبيها، وأن الشرع يبيح لها ذلك أما عدم الكفاءة فمرفوض لأن الزوج صحفي مرموق.


والدين الحنيف يقول أن الناس سواسية أمام المولى وأنه لا فضل ربي على الأعجمي إلا بالتقوى، وكانت المشادات بل والمعارك اليدوية تدور بين الفريقين على المقاهي وفي الأماكن العامة.


وجاء وقت المحاكمة وكان محامي السادات أكبر محامي شرعي وقتها، ومحامي علي يوسف ثاني أشهر محامي شرعي، أما صفية فكان لابد أن يمثلها قانونًا محامي مستقل عن محامي زوجها، ولما كانت هاربة من منزل والدها وليس لديها موارد تمكنها من توكيل محامي شهير، فقد لجأت إلى محامي شاب في الرابعة والثلاثين من عمره مكتبه بدائرة محكمة السيدة وكانت سمعته المهنية في منطقته طيبة وقيل أنه كسب كثيرًا من القضايا وكان هذا المحامي الشاب هو جدي الشيخ محمد عز العرب.