ads
ads

أتون القدر «4»

أحمد عز العرب
أحمد عز العرب
أحمد عز العرب


الفصل الأول: السلالة التي أخرجتني للحياة وخلفيتها


طبقًا للروايات التي تناقلها تواصل الأجيال في أسرتي كان جدنا الأكبر محمد الجراح تاجرًا للإبل في منطقة الحجاز بالجزيرة العربية منذ نحو خمسمائة عام.


وتقول هذه الروايات أنه منحدر من قبيلة الجراح العربية التي كان ألمع أسمائها صحابي رسول الله الجليل أبو عبيدة أبن الجراح.


ويروي تاريخ الأسرة المتوارث أن جدنا الأكبر محمد الجراح كان يحضر مصر كل عام ببضاعته من الإبل حيث يبيعها في أسواق الإبل والماشية المصرية.


وكانت قرية الجعفرية الواقعة بمحافظة الغربية جنوب طنطا عاصمة الإقليم أحد أسواق الإبل والماشية الشهيرة بالدلتا، وفي إحدى رحلات محمد الجراح لتسويق بضاعته بسوق الإبل بقرية الجعفرية وقعت عيناه على فتاة من أهل القرية سلبت عقله تمامًا وتعلق بها قلبه، فسأل عن أسرتها وكانت أسرة ريفية مستورة متواضعة الحال فتقدم لخطبتها ورحبت به أسرتها إلا أنهم أفهموه أن ابنتهم يستحيل عليها تمامًا أن يتركوها تغادر معه إلى الجزيرة العربية وأن عليه لو تزوجها أن تبقي وسط أهلها ويعود هو إليها كل عام في رحلته التسويقية ولم يتردد محمد في اتخاذ القرار الذي أملاه عليه قلبه فعرض عليهم أن يصفي تجارته ويتحول إلى مهنة الزراعة ويشتري بما معه من رأسمال بضعة أفدنة يزرعها ويعيش من ريعها مع عروسته، وفرح أهل العروس جدًا بمحكمد لما اشتهر عنه من إيمان وعزة نفس ورحبوا به مواطنًا جديدًا بقرية الجعفرية.


وإمعانًا في الحفاوة به قرروا أن يطلقوا عليه اسم «عزب العرب» بدلًا من الجراح، وهكذا ولد لقب الأسرة الذي نعيش به.


اندمج محمد عز العرب في حياة الجعفرية وأصبح أحد مزارعيها وبنى أسرته بها ولم يرد في حياة الأسرة منذ حضور محمد في أواخر القرن السادس عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر شيء غير عادي يستحق التسجيل.


عاش الأبناء والأحفاد وسلالتهم عيشة مزارعي أهل الجعفرية بل أهل دلتا النيل عمومًا، وفي الثلث الأخير من القرن التاسع عشر كان والد جدي الشيخ سيد أحمد عز العرب مازال مزارعًا مستور الحال يعيش مع أسرته على ريع قطعة الأرض الزراعية المحدودة التي يملكها، ورزق سيد أحمد بسبعة أبناء من الذكور كان أكبرهم جدي محمد عز العرب الذي ولد سنة 1870 وكان القدر يعد له دورًا مرموقًا في الحياة لم يكن يخطر على بال أهله أو أهل الجعفرية.


لم تكن موارد والده سيد أحمد تسمح له بتعليم أبنائه الذكور إلى جانب إعالة أسرته الكبيرة العدد، فاكتفى بإرسال ولده الأكبر جدي محمد إلى الأزهر وظل باقي أخوته يعيشون في القرية ويعاونون والدهم في زراعته.


دخل جدي محمد الأزهر وتعلم حتى نال شهادة العالمية الأزهرية في أواخر سنوات القرن التاسع عشر وكانت شهادته تؤهله للعمل إما محاميًا شرعيًا أو قاضيًا بإحدى المحاكم الشرعية، وكان النظام القضائي في مصر وقتها من فرعين: فرع المحاكم المدنية والجنائية العادية التي كان يترافع أمامها أو يعمل في محاكمها قاضيًا أو وكيلًا بها خريجو كلية الحقوق الوحيدة في مصر عندئذ.


وكانت تسمى مدرسة الحقوق الخديوية وكان مقرها مبنى محافظة القاهرة الآن في ميدان عابدين، ثم نقلت إلى الجامعة سنة 1913 على أثر غضب الخديوي عباس حلمي الثاني على طلبتها وأصبح اسمها منذ ذلك الوقت وحتى الآن كلية الحقوق ونقلًا من ميدان عابدين إلى الجامعة بالجيزة.


أما فرع المحاكم الشرعية الذي تخرج فيه جدي فكان قاصرًا على قضايا الأسرة والزواج والطلاق وإثبات النسب، وقضايا المواريث والأوقاف الخيرية والأهلية وكل ما يتعلق بأحكام الشريعة الإسلامية.


وكان التدريس في الأزهر عندئذ قاصرًا على اللغة العربية وحدها في حين كان خريجو مدرسة الحقوق الخديوية يدرسون باللغة الفرنسية بجانب العربية لأن القوانين المدنية والجنائية في مصر كانت مرجعيتها القوانين الفرنسية التي وضع أساسها الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت والتي كانت مرجعيتها بدورها القانون الروماني الذي ولد في إمبراطورية روما القديمة وكان في حينه أعظم ما أنتجه العقل البشري من تشريعات لذلك كان ضروريًا لطلبة مدرسة الحقوق الخديوية إجادة اللغة الفرنسية لإمكان دراسة مراجع قوانين نابليون أساس القوانين المدنية والجنائية بمصر.


أعود إلى جدي محمد الذي فضل عند تخرجه من الأزهر العمل مدرسًا للغة العربية بالمدرسة السنية الابتدائية للبنات، والتي كانت مدرسة البنات الوحيدة بالقاهرة عندئذ، وكانت نهاية الدراسة بها حصول الفتاة على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية وكانت أعلى شهادة تحصل عليها الفتيات عندئذ حيث كان تعليم البنات وقتها شيء غير ضروري في حد ذاته.


فضل جدي محمد العمل بالتدريس على الاشتغال بالمحاماة الشرعية، فقد كانت وظيفة التدريس تتضمن له مرتبًا محترمًا بمعايير ذلك الزمان يمكن من إعالة أسرته المكونة عندئذ من جدتي فاطمة التي تنتمي لأسرة من تجار مدينة مليح بمحافظة المنوفية الحالية، والتي تزوجها سنة 1892 وهو مازال طالبًا يدرس في الأزهر، ورزق منها سنة 1893 أكبر أبناءه والدي أمين ثم ولده الثاني عبد العزيز سنة 1895.



ولذلك فضل جدي وظيفة التدريس التي تضمن له الاستقرار المادي لأسرته وكان مرتبه الشهري وقتها أربعة جنيهات، وكانت تكاليف المعيشة وقتها مذهلة في رخصها.


فقد كان يسكن في شقة فسيحة من ثلاث غرف بحي البغالة الواقع خلف مسجد السيدة زينب، والقريب من عمله بالمدرسة السنية، وكان إيجار هذه الشقة الفسيحة ستين قرشًا في الشهر أي 15% من دخله.


ظل جدي يعمل في التدريس قرابة عامين أو أكثر قليلًا عندما وجه إليه رئيسه إهانة لم يتحملها كبرياءه لأنه رفض رجاء رئيسه بزيادة درجات تلميذة بالمدرسة في ورقة امتحانها وكان والدها من أعيان ذلك الزمان ويحمل رتبة البكوية من الدرجة الأولى.


رفض جدي دون تردد أمر رئيسه بزيادة درجات الفتاة، ورد على توبيخ رئيسه له بتقديم استقالته فورًا من المدرسة وافتتاح مكتب محامي شرعي بغرفة صغيرة قرب المدرسة في منطقة السيدة زينب، ولم يكن وقتها يعتمد على أي دخل ثابت إلا إيمانه المطلق بأن الرزق بيد المولى ومحدد قبل ميلاد الإنسان.