ads
ads

أتون القدر «2»

أحمد عز العرب
أحمد عز العرب
أحمد عز العرب




استمر صدقي في مفاوضات مع الإنجليز سنة 1946 وجزءًا كبيرًا من سنة 1947 حتى انتهى إلى مشروع معاهدة «صدقي – بيفن» الذي قامت ضده موجة جديدة عارمة من ثورة الطلبة والعمال والنقابات.


ولم يجرؤ برلمان أحزاب الأقلية على إقرار مشروع المعاهدة فقدم صدقي استقالته وعاد النقراشي لرئاسة الحكومة، واستمرت المقاومة الشعبية ضد الاحتلال البريطاني وتوالت موجات الإضرابات، وفي الشهور الأولى من سنة 1948 أغلق النقراشي الجامعات والمدارس لإخماد ثورة الطلبة الذين كانوا طليعة هذه الثورة الشعبية.


كنت عندئذ في السنة الرابعة الثانوية التي كانت تنتهي عندئذ بشهادة تسمى شهادة الثقافة العامة، وأغلقت الحكومة مدرستي أسبوعان عادت بعدهما الدراسة على أربع مراحل.


قسمت الوزارة الطلبة إلى هذه المجموعات الأربعة، تعود الأولى للدراسة فورًا، وتعد المجموعة الثانية بعد أسبوعين، والثالثة بعد أسبوعين آخرين، أما المجموعة الرابعة التي تضم أكثر الطلبة تطرفًا واشتراكًا في إشعال المظاهرات، وكنت ضمن هذه المجموعة الأخيرة، فقد صدر قرار الوزارة بفصل طلبة هذه المجموعة من جميع المدارس الحكومية، وكانت تسمى المدارس الأميرية، وبعد شهر في البحث عن مدارس خاصة تقبل التحاقي بها نجح والدي رحمه الله بنفوذه الحكومي – فقد كان سكرتيرًا عامًا لمجلس الشيوخ عندئذ – وبصداقة شخصية مع وزير المعارف العمومية (وزير التربية والتعليم الآن) المرحوم محمد حسن العشماوي باشا في إلحاقي بمدرسة الحلمية الثانوية التي كانت تبعد عن منزلنا في شارع المبتديان – شارع محمد عز العرب الآن الذي يقع فيه دار الهلال – بمسافة نصف ساعة سيرًا على الأقدام.


واصطحبني أبي معه لمكتب الوزير – يومها- ووجه الوزير لي أشد عبارات التأنيب وأفهمني أنني لو اشتركت في مظاهرة بالمدرسة الجديدة سيفصلني من جميع المدارس الحكومية بل وسيصدر أمرًا إلى المدارس الخاصة التي كانت تحت إشراف وزارته بعدم قبولي – وأخذ الوزير وعدًا من والدي أمامي ألا أذهب أو أعود من المدرسة في سيارة الأسرة بل عليّ أن أمشي نصف ساعة ذهابًا ومثلها عودة تأديبًا لي.


وكان من أكبر أسباب التوتر السياسي والغليان في الشارع المصري والعربي عمومًا صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1947 بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود في دولتين واشتعل الشارع العربي وكان ضمنه مصر وسارت الأمور من سيء لأسوأ حتى قررت دول المواجهة العربية دخول العرب حرب فلسطين التي بدأت يوم 15 مايو سنة 1948 فور إعلان قيام دولة إسرائيل، وكان لقيام إسرائيل وقع الصاعقة عليّ شخصيًا فقد أدركت بصفة فكرية أن هذا الصراع مع إسرائيل سيكون صراع وجود وليس مجرد صراع حدود، وأن مصير العرب سيكون مثل مصير الهنود الحمر، أي الفناء وإن لم يكن فناءًا ماديًا نتيجة عددنا الكبير فسيكون فناءًا حضاريًا، وقد غير هذا الصراع مجرى حياتي ودراستي المستقبلية كما سأوضحه، ولذلك رأيت أن أفرد بابًا كاملًا في هذا الكتاب للصراع العربي الإسرائيلي.


ومنذ سنة 1960 عندما التحقت بجامعة استوكهلم لدراسة ماجستير في الصراع العربي الإسرائيلي كما سيأتي أصبحت هذه القضية محور حياتي السياسية وحتى الآن، وتدور معظم مقالاتي الأسبوعية التي بدأتها منذ إثنى عشر عامًا بعد أن اعتزلت العمل الوظيفي والتجاري كما سيأتي وتفرغت تمامًا للعمل السياسي من خلال حزب الوفد، تدور معظم هذه المقالات إما عن الصراع العربي الإسرائيلي وإما ما يتفرع عنه من قضايا الصراع السياسي مع الغرب عمومًا وأمريكا خصوصًا.


أعود إلى حياتي سنة 1948 فبعد حصولي على شهادة الثقافة العامة من مدرسة الحلمية الثانوية حصلت في العام التالي على الثانوية العامة وكانت تسمى وقتها شهادة التوجيهية، والتحقت بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول لأتخرج محاميًا كما تخرج أبي ومن نفس الكلية، وكما تخرج جدي من الأزهر ليمارس مهنة المحاماة الشرعية كما سيأتي.


كان اندلاع حرب فلسطين سببًا في موجة من العنف استغلته جماعة الإخوان المسلمين لتتصدر التطوع للحرب في فلسطين، وأخذت من الظروف غطاء لتكوين جهاز سري يمكنها من الاستيلاء على الحكم في مصر بعد ولما اكتشف أمر الجهاز السري قامت الجماعة بعدة اغتيالات سياسية مثل اغتيال المرحوم المستشار أحمد الخازندار، رئيس محكمة الجنايات، لأنه أصدر حكمًا ضد أحد أعضاء الجهاز السري اعتبرته قاسيًا.


ورد النقراشي رئيس الحكومة على ذلك بإصدار أمر عسكري بصفته حاكمًا عسكريًا بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة مقراتها وأموالها فقد كانت الأحكام العرفية معلنة بسبب حرب فلسطين، وردت الجماعة على الحل باغتيال المرحوم النقراشي باشا يوم 28 ديسمبر سنة 1948 وانتقم الحزب السعدي الحاكم الذي كان يرأسه النقراشي لذلك بتدبير اغتيال المرحوم الشيخ حسن البنا مرشد الإخوان المسلمين.


وفي أواخر سنة 1949 التي شهدت العديد من الاضطرابات والتوترات السياسية نتيجة حرب فلسطين رأى الملك فاروق وممثلو الاحتلال البريطاني تهدئة الشارع السياسي بدعوة الزعيم الخالد مصطفى النحاس باشا، رئيس الوفد وصاحب الأغلبية الشعبية الكاسحة إلى تشكيل وزارة وفدية على أمل أن تدخل في مفاوضات مع الإنجليز لتعديل معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا تعديلًا شكليًا مقارنة بمشروع معاهدة «صدقي – بيفن» على أمل إرضاء الشعب بهذا التعديل الشكلي بما يضمن لبريطانيا استقرار مصر داخل منطقة نفوذها.


وأجريت في نهاية سنة 1949 انتخابات عامة لبرلمان جديد اكتسحها الوفد، وقام النحاس باشا بتشكيل وزارة وفدية شاءت الأقدار أن تكون آخر وزارات الوفد حتى وقوع الانقلاب العسكري يوم 23 يوليو سنة 1952.


قام النحاس بمفاوضة الإنجليز للجلاء عن مصر واسترداد السيادة المصرية الكاملة طوال سنتي 1950 و1951 وتعثرت المفاوضات عدة مرات، وأخيرًا عندما أدرك النحاس أنه لا أمل في انتزاعه السيادة المصرية من بريطانيا وديًا، قام في 8 أكتوبر سنة 1951 بإلغاء المعاهدة بين مصر وبريطانيا ودعوة الشعب للكفاح المسلح ضد القوات البريطانية التي كانت متمركزة حول قناة السويس وكان عددها حوالي مائة ألف جندي.