ads
ads

أسرار عن «التكية المصرية».. كانت تستقبل 4 آلاف فقير فى «الشهر الكريم»

التكية المصرية
التكية المصرية
دسوقى البغدادي


«التكية المصرية» أنشأها محمد علي باشا رأس الأسرة الخديوية في سنة 1238 هجرية، يرد إليها من الفقراء في الصباح والمساء، فيتناول الفقير في كل مرة رغيفين وشيئا من (الشُربة) والأرز واللحوم والسمن، وربما أعُطي أكثر من ذلك إن كان فقره مدقعا، وكثير من نساء مكة الفقراء يتعيشن بما يأخذن ويكتفين بذلك عن مسألة الناس، ولو سمعت الأدعية المتصاعدة من قلوب الفقراء لرب هذه النعمة لأكبرت هذا العمل، وانساقت نفسك إلى أمثاله إن كان لديك سعة فى المال وبسطة.

تأتي هذه العبارات لتوضح مدى الأهمية الاجتماعية والسياسية وقبلها الاقتصادية لوجود (التكايا) التي توقف على فقراء المسلمين. ونظرًا لوجود المقدسات الإسلامية في أرض الحجاز ــ العربية السعودية حاليًا ــ فقد كانت من أهم المناطق التي اهتم بها حُكام مصر باعتبارها واجبًا دينيًا في المقام الأول، كذلك دلالة على بسط النفوذ السياسي وقوة الدولة المصرية.

ورغم محاولة مستميتة من العربية السعودية لمحو هذا التاريخ، والذي تراه مجرّد سُبّة في حقها كفقراء في الأمس يستجدون العطايا والمنح المصرية، إلا أنه ورغم محو هذا الأثر ــ هدم التكية تمامًا عام 1983 ــ إلا أنه يظل باقيًا كدلالة معنوية لما كان عليه حال الدولة المصرية في تلك الأيام.

ويلاحظ أن التكية المصرية لم تكن وحدها في مكة، فقد شاركتها تكايا أخرى، لكنها كانت الوحيدة التي يأوى إليها الفقراء.

تأسست التكية المصرية مع دخول جيوش محمد علي، أراضى الحجاز في بداية عام 1811 ميلادية، ورغم خروج مصر من شبه الجزيرة العربية عام 1840 وانتهاء السيطرة السياسية لمصر على أرض الحجاز، فقد ظل الحجاز يعتمد على ما ترسله مصر سنويا من خيرات ومخصصات للحرمين الشريفين وللأشراف والقبائل العربية في ما عرف باسم «مخصصات الحرمين والصرة الشريفة».

بدأ إنشاء أول تكية في مدينة مكة المكرمة بأمر من محمد علي باشا، ومن ثم ذهبت إلى المدينة المنورة على يد ابنه إبراهيم باشا، بحيث تتمكن مصر من مساعدة إطعام حجاج بيت الله من المصريين ومن كل الجنسيات. حيث بدأ زوارها يوميا حوالي أكثر من 400 فقير، ويزيد هذا العدد إلى 4000 فقير خلال شهر رمضان وقت الحج.

فعندما يصل الحاج إلى الأراضي الحجازية يتوجه إلى التكية المصرية يأكل ويشرب وينام ويحظى بالرعاية الطبية على حساب الدولة المصرية، فلم يقتصر إطعام الفقراء في التكية على المصريين فقط، بل كانت مفتوحة أمام جميع المسلمين على اختلاف جنسياتهم، أما المصريون فقد تمتعوا دون غيرهم بميزة الإقامة والسكن داخل التكية طوال مدة أداء الشعائر المقدسة.

 

بداية، اختلفت الأقاويل حول كلمة «تكية» فبعضهم يرجعها إلى الفعل العربي اتكأ، بمعنى استند أو اعتمد وكأنها وضعت لمن يتكئ فلا يعمل ولا يطلب رزقًا حتى إذا حان وقت الوجبة اتجه إليها ليحصل على الطعام، ومنهم من يرى أنها تركية الأصل وهي الاتكاء والتوكؤ والاستناد إلى شيء للراحة والاسترخاء.

والبعض يرى أن الكلمة أتت من تكية الفارسية، بمعنى جلد، فشيوخ الزوايا الصوفية كانوا يجعلون جلد الخروف أو غيره من الحيوانات شعارًا لهم.

وبالنسبة للتكية المصرية فيبلغ طولها 89 مترًا وعرضها 50، وعلى الرغم أنها مبنية من دور واحد، إلا أنها متقنة التصميم بحيث ضمت طاحونة لطحن القمح ومطبخا واسعا ومخزنا وحجرات للزوار.

تضم التكية طاحونة يتناوب إدارتها أربعة بغال لطحن القمح، وفيها مطبخ واسع فيه ثمانية أماكن توضع عليها أوان ثمان من ذات الحجم الكبير (قزانات)، وفيها مخبز ذو بابين يُخبز به العيش ومخزن وحجرات للمستخدمين.

وفي مدة الحج يسكنها بعض عمال المحمل كالطبيب والصيدلي وكاتب القسم العسكري والسقائين، وتوضع فيها أمتعة الأمير والأمين، وفي التكية بيوت أدب (حمامات) وصنابير ماء ومكان جميل مفروش في وسط بركة ماء صناعية (فسقية) ويجلس فيه أمير الحج وأمير الصرة وكاتب حينما يصرفون المرتبات. ومكتوب على باب التكية بالخط الثلث: «لعباس مولانا الخديوي فضائل.. عليها دليل كل يوم مجدد، رأيناه قد أحيا تكية جده.. فقلنا أعباس بنى أو محمد».

كانت التكية تحت إدارة مباشرة لعدة موظفين، وهم: ناظر ومعاون وكتبة يقومون جميعًا بخدمة الفقراء. وفي مدة الحج يتواجد فيها الطبيب والصيدلي وكاتب القسم العسكري لضبط الأوضاع في الازدحام خلال تلك الفترة. وكانت مرتبات موظفي تكية مكة المكرمة تبلغ 1047 جنيها مصريا و7050 جنيها ثمن أغذية بالإضافة إلى عشرة جنيهات لإحياء ليلة المولد النبوى، و10 أخرى في 13 رمضان تذكارًا لوفاة محمد علي باشا، و10 لموسم عاشوراء، و10 لعيد جلوس حضرة صاحب الجلالة ملك مصر، و16 جنيها لاتخاذ محل لصلاة التراويح في المسجد الحرام.

وتقول بعض الإحصائيات إن الإنفاق على تكيتي مكة والمدينة بلغت عام 1909 ما يقرب من 1960 جنيها من ضمن إجمالي نفقات مصر في الحرمين والتي بلغت 50 ألف جنيه.

وفي عهد والي مصر سعيد باشا، حظيت تكية المدينة المنورة بعنايته وأصدر أمره في شهر رمضان سنة 1277 هجريا1860ميلاديا بزيادة الكميات المرسلة من اللحم والأرز والغلال على أن تُجمع النقود اللازمة من إيراد بعض أملاكه الخاصة.

كما أوقف مساحة كبيرة من أرضه الزراعية لأعمال الخير في التكية.

واشتملت أوامر سعيد باشا على أن تجمع تلك النقود من إيراد بعض أملاكه في مديرية البحيرة، أما الغلال فترسل من الأرض التي يملكها في فارسكور، أما الأرز فيرسل من زراعة ديروط.

كما اشترطت أوامر الوالي المصري أن تكون مصاريف النقل مأخوذة من إيراد أرضه في البحيرة. وبلغت مساحة الأراضي الموقوفة على هذه الأمور الخيرية أربعة آلاف وسبعمئة وواحد وخمسين فدانا وهو ما يوضح حرص سعيد باشا على الإنفاق على التكية من ماله وأملاكه الخاصة حتى تكون قربى له عند الله يوم القيامة.

 

 

ومن الحكايات التي تدلل على اهتمام الحكومة المصرية طوال تاريخها ــ في عهدها الملكي ــ بالتكية وأحوالها، ما ذكره إبراهيم باشا رفعت كومندان بعثة الحج، من أنه عندما كان في حجة سنة 1325 هجرية، وجد ناظر التكية لم يصرف للفقراء شيئًا لمدة 17 يوما، وذهب إلى هناك في الصباح، فوجد الباب مغلقًا، فأمر جاويش القرة قول (القسم) بفتح الباب وأشار للفقراء بالدخول، وبعث إلى الناظر فأوقظه من نومه وقال له «هذه تكية محمد علي جُعلت للفقراء، فكيف توصد الأبواب من دونهم؟» وأمره بشراء خبز من السوق وصرفه لهم، ثم سأله عن السبب في ما فعله، فأخبره أن في البلد وباء وأنه ينتظر حتى يسافر المحمل والحجاج، فقال له «إن ترك الصرف يزيد الوباء لأن الفقراء يموتون جوعًا فتزداد الوفيات» وأمره بفتح التكية.

للملك فؤاد حكاية عجيبة مع التكية المصرية تشبه شخصيته؛ فقد نصحه المقربون منه بالسفر إلى الأراضي الحجازية، تكفيرا لذنوبه، لكنه اعتذر لكثرة مشاغله ومسئولياته وتفرغه لأمور الحكم، فاقترحوا عليه أن يعين أحد الأفراد في التكية يقوم بأداء الصلوات الخمس، ويقوم بإطعامه مقابل أن يقوم بالدعاء له! ويتقاضى نظير ذلك راتبا شهريا يقدر بـ 25 جنيها، وهو راتب كبير بمقاييس ذاك الزمان، فكان الرجل المنوط به القيام بذلك، ويدعى الشيخ علي الغزالي، يجتلس أريكته في التكية في مكة، بينما يجتلس فؤاد عرش مصر، وهو مطمئن البال بأنه يؤدي فرائضه على الوجه الأكمل.

من ناحية أخرى، كان الحج يتكلف أيام الخديوي عباس 3 جنيهات، جنيه لتأجير جمل يحمل أمتعة الحاج من مصر إلى الأراضي الحجازية، وباخرة من نوبيع تحصل على 50 قرشا، وغذاء الجمل يكلف جنيها أو جنيها وربع. وحينما يصل الحاج إلى الأراضي الحجازية يتوجه إلى التكية المصرية، يأكل ويشرب وينام ويحظى بالرعاية الطبية على حساب الدولة المصرية.