ads
ads

دلالات القمة الثلاثية

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين
عماد الدين حسين
ads


هل معنى أن يجتمع اثنان أو ثلاثة من القادة العرب معا، أن يكون موجها ضد دولة أو اثنين أخريين؟!

ما هذا الفهم السقيم، الذى لا يفهم السياسة إلا باعتبارها فقط وسيلة للمكايدة والتآمر وخلق المحاور؟!

فوجئت طوال يوم الأحد بأن العديد من وسائل الإعلام الإقليمية، لم ترَ فى «القمة الثلاثية المصرية العراقية الأردنية»، إلا انها موجهة إلى هذه الدولة أو تلك.

وكانت المفاجأة أيضا أن بعض وسائل الإعلام الدولية ــ التى يفترض أنها مهنية أو تصنف نفسها كذلك ــ حاولت قراءة القمة انطلاقا فقط من كونها محورا جديدا فى المنطقة ضد محور قديم.

ربما نعذر البعض لأن المفاجأة ألجمتهم، ولم يكن أحد يعرف بأمر هذه القمة، إلا حينما تم الإعلان عنها خلال اللقاء بين الرئيس عبدالفتاح السيسى ورئيس الوزراء العراقى عادل عبدالمهدى يوم السبت الماضى، بأن هناك قمة ثلاثية ستجمعهما مع العاهل الأردنى عبدالله الثانى.

نعود إلى دلالات هذه القمة، لنكتشف أن زيارة عبدالمهدى لمصر هى الأولى له منذ توليه منصبه قبل شهور. هو تعهد لمواطنيه بأنه لن يغادر العراق، قبل أن يتم اكتمال تشكيل الحكومة المتعثرة منذ شهور، بسبب خلافات طاحنة بين مكونات المشهد السياسى العراقى. وعرفنا أنه اعتذر أكثر من مرة عن زيارة القاهرة بسبب أزمة عدم اكتمال عقد الحكومة.

كان البعض يتوقع أن يكون خروج المهدى الأول إلى إيران أو أمريكا، لكنه اختار القاهرة، وهى رسالة ذات دلالة مهمة جدا.

هل نعذر أنصار نظرية المؤامرة، لأنهم تذكروا أن مصر والعراق والأردن ومعهم اليمن، كانوا أعضاء فى مجلس التعاون العربى الذى انهار بسبب الغزو العراقى للكويت فى ٢ أغسطس ١٩٩٠؟. المفترض أن الزمن لم يعد هو الزمن، ثم إن علاقة مصر والأردن أفضل من «السمن على العسل» مع غالبية بلدان الخليج خصوصا السعودية. كما أن علاقات العراق مع السعودية بدأت تتحسن بصورة جيدة منذ شهور. والمنطقى انه من «حق أى دولة ألا تلقى كل بيضها فى سلة واحدة»، وأن تكون علاقاتها طيبة مع الجميع، قدر الإمكان. ولا يعقل أن أقاطع دولة أو تكون العلاقات معها فاترة، لمجرد إرضاء دولة أخرى!

بعيدا عن التأويلات والتفسيرات الملتوية، فإن اجتماع قادة مصر والأردن والعراق خبر جيد يعطى طاقة أمل فى الليل العربى الطويل، الذى يعج بالخلافات والحروب والصراعات الأهلية والطائفية والإرهابية داخل القطر الواحد، وبين البلدان المتجاورة.

أن يجتمع القادة الثلاثة فأحد المعانى أن النظام العربى لم يمت بعد، كما تحدث كثيرون، وأن بعضا من الروح ما تزال تدب فيه.

القمة تعنى أيضا أن الدولة الوطنية ــ بكل مشاكلها واخفاقاتها ــ ما تزال قادرة على العيش، وإنها أحبطت فكرة الدولة الدينية، سواء كانت تحت شعارات طائفية شيعية أو سنية.

القمة تعنى أيضا أن الإرهاب الذى يضرب المنطقة العربية منذ عام ٢٠١١، تعرض لضربات كبيرة موجعة. صحيح أنه لم ينهزم بالضربة القاضية، وأن ذيوله ما تزال موجودة، وقد نتفاجأ بضربات هنا أو هناك، لكن الأصح أن راياته السوداء قد اختفت من كل الجيوب والأماكن والمناطق التى احتلها ورفرف عليها منذ صيف 2014.

كان ملفتا للنظر أن يكون توقيت القمة الثلاثية قبل أيام قليلة من القمة العربية الدورية فى تونس أواخر هذا الشهر. وكان التوقيت ملفتا أيضا أنها جاءت بعد يوم واحد من إعلان الانتصار على تنظيم داعش، ودحره فى آخر جيب له فى قرية الباغوز شرق الفرات.

لكن هل يعنى ذلك أن كل شىء أصبح ورديا؟!

الإجابة هى لا، لأن المشكلات الجوهرية ما تزال قائمة خصوصا فيما يتعلق بالتنمية الشاملة والمشاركة السياسية الواسعة، وعدم القدرة على التواصل بين الحكومات وغالبية فئات المجتمع وبالأخص الشباب.

القمة تحدثت عن نقاط كثيرة منها التعاون الاقتصادى وإعادة الإعمار والتنسق الاستراتيجى ونقاط كثيرة نتمنى أن نراها مطبقة على أرض الواقع. خصوصا التنسيق الأمنى فى ملاحقة العناصر الإرهابية.

نتمنى أن يتمكن العرب من استعادة سوريا إلى العمل العربى المشترك، حتى يبعدوها عن الأحضان الخارجية المسمومة، ونتمنى أن يكونوا قادرين على مقاومة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والروسية والإيرانية المتنوعة.

نقلًا عن "الشروق"