ads
ads

كلام فى الحرام الاجتماعى

عبد الله  السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي


فى صيف (١٩٥١) جرت مواجهات وصدامات فى الريف المصرى مهدت لإطاحة النظام الملكى بكل مقوماته.
تحت وطأة ما حدث فى قريته من عصيان غاضب لفلاحين مضطهدين، أعقبه تنكيل مفرط من كبار ملاك الأراضى كتب «نجيب سرور» واحدة من أشهر قصائده: «فى البدء كان الجوع فى بهوت».
استبيحت بهوت على نحو غير متخيل، ففلاحوها لا يستحقون أن يوصفوا بالبشر، حسبما ورد فى مجلة «المصور» على لسان أحد كبار ملاك الأراضى.
بقوة الغضب أحرق الفلاحون أحد قصور عائلة «البدراوى عاشور»، وانتقلت نذر النار ـ لأسباب مماثلة ـ إلى مناطق أخرى فى الريف المصرى.
فى صيف نفس العام جرت اعتقالات لفلاحين فى «كفور نجم» بمحافظة الشرقية امتنعوا عن سداد إيجار الأرض المملوكة للأمير «محمد على» ولى العهد وقتها قبل ميلاد نجل «فاروق» الأمير «أحمد فؤاد».
وضع فلاحون على خوازيق، واضطر آخرون ـ تحت قهر القوة ـ إلى ارتداء ملابس نساء.
لخصت رواية «الأرض» لـ«عبدالرحمن الشرقاوى»، التى صدرت عام (١٩٥٤)، الأوضاع التى كان عليها الفلاحون فى سنوات ما قبل الإصلاح الزراعى.
تكتسب «الأرض» قيمتها من صدقها الفنى والإنسانى، تعبيرا عن أزمة الفلاحين المصريين، وأبطالها من دم ولحم ومشاعر لبشر يعانون القهر.
«يموتوا لنا الأرض من العطش…. ياخدوا منا نص دور ليه.. ياخدوا منا خمسة أيام بريهم.. ليه.. ونروى الأرض إزاى!».
كانت تلك صرخة ألم وقهر واحتجاج لبطل الرواية «محمد أبو سويلم».
كتبت القرية عرائض تشتكى محنتها وكان الثمن تنكيلا.
«كانت القرية كلها تعرف ما حدث للرجال، وكيف أكرهوا على شرب بول الخيل، وكيف حلقت شواربهم، وكيف هوت السياط على الوجوه والأبدان، وكيف كانوا يؤمرون بالجلوس على الخوازيق.. وكيف كان الواحد منهم يُضرب ويُضرب إلى أن يفقد الوعى.. ولا يبرح بعد هذا يضرب إلى أن يصيح إنه امرأة».
الصورة المزعجة تشبه بعض ما حدث فى بهوت وكفور نجم وقرى مصرية أخرى فى السنة التى استبقت ثورة «يوليو» مباشرة.
كان من بين مبادئ «يوليو» الستة القضاء على الإقطاع، وقد جاء وقت الالتزام بما تعهدت به قبل أن تصل إلى السلطة.
لم تطرأ فكرة تحديد الملكية الزراعية على ثوار «يوليو» من فراغ، فقد سبقتها دعوات أحبطت فى أربعينيات القرن الماضى لرجال مثل «محمد خطاب» و«ميريت غالى» و«إبراهيم شكرى»، وهم ينتمون إلى طبقة كبار ملاك الأراضى.
«كان الهدف الفورى للإصلاح الزراعى توجيه ضربة قوية لطبقة كبار ملاك الأراضى وعناصر الأرستقراطية الزراعية، التى سيطرت على مراكز السلطة فى العهد الملكى.. وكان الهدف الأبعد تحطيم العوائق الأساسية أمام تطوير علاقات اجتماعية واقتصادية جديدة فى الريف المصرى وتصفية العلاقات شبه الإقطاعية السائدة، التى تحجب عملية تحرير قوى الإنتاج فى الريف المصرى».
يكاد لا يختلف أحد من الباحثين الثقات مع ما أورده الدكتور «محمود عبدالفضيل»، عن هدفى الإصلاح الزراعى فى دراسته الرائدة «عن تطور المسألة الزراعية فى مصر»، التى شاركه فيها فريق بحثى بجامعة «كامبريدج».
وزع نحو مليون فدان على صغار الفلاحين، وتوسعت قاعدة الملكية الصغيرة وتحسنت الأحوال الاجتماعية والمعيشية لنحو (٣٤٢) ألف أسرة بصورة كبيرة.
كانت تلك ثورة بأى معيار وقياس.
«أعطيت الأولوية فى توزيع الأرض للمستأجرين السابقين للأرض والعمال الزراعيين الدائمين والفلاحين، الذين يعولون أسر كبيرة العدد والأفقر من بين سكان القرى التى تقع فى زمامها الأرض».
لاحظ الدكتور «عبدالفضيل» أن المعدمين، أو ما يطلق عليهم «عمال التراحيل»، لم يدخلوا فى تلك الأولويات، لكن أحوالهم تحسنت بازدياد فرص العمالة والتوسع فى مشروعات الأشغال العامة بالستينيات.
لم تكن هناك إحصاءات مدققة لأعدادهم، لكنه رجح بما توافر لدراسته من بيانات أنهم فى حدود (٤٤) ألف أسرة عام (١٩٥٠).
بعد ثمانى سنوات من قانون الإصلاح الزراعى الأول وقبل سنة واحدة من الثانى عكست رواية «الحرام» لـ«يوسف إدريس» (١٩٦٠) أحوال هؤلاء المعدمين.
أين الحرام؟
الحرام الأخلاقى أم الحرام الاجتماعى؟
من هو اللقيط؟
رضيع السفاح الذى أخمدت عاملة التراحيل الضحية أنفاسه خشية الفضيحة دون أن تقصد قتله.. أم المجتمع الغليظ الذى حكم عليها بالعمل فى أسوأ الظروف حتى لا يموت زوجها المريض وأولادها من الجوع؟
كان الإصلاح الزراعى بروحه وأهدافه مقدمة أوسع حراك اجتماعى شهدته مصر فى الستينيات، كما كان موضوعا لأول صدام بين الثورة الوليدة وحزب «الوفد».
بتأكيدات قيادات عاصرت الحدث من داخل حزب «الوفد»، فإنه لم يتخذ قرارا برفض مشروع الإصلاح الزراعى.
هذا ما حدث لكنه لا يمثل دعما أو تأييدا.
ربما كان الامتناع عن إعلان قرار تعبيرا عن خشية ردات فعل الحكام الجدد.
حسب شهادة لـ«جمال عبدالناصر» أثناء أعمال المؤتمر الوطنى للقوى الشعبية مطلع الستينيات فإنه التقى «فؤاد سراج الدين» أربع مرات من أجل موضوع الإصلاح الزراعى، و«اجتمع الوفد مرة واثنتين وثلاثا وأربعا لبحث ما طلبناه».
كان الخلاف جذريا فى زاوية النظر للمسألة الزراعية، فـ«الثورة تعتقد أن تحديد الملكية وتوزيع الأرض على الفلاحين الوسيلة الوحيدة التى تحرر الفلاح الذى نشأ فى الأرض عبدا فى الأرض وملكا لمالك الأرض».. و«كان الوفد يرى أن الضرائب التصاعدية كفيلة بزيادة موارد الخزانة دون حاجة إلى هذا القانون».. «لم تكن مسألة أموال تدخل الخزانة بقدر ما كانت قضية كرامة الفلاح المصرى التى أهينت لقرون».
«كنا نفكر بعقلية وهم يفكرون بعقلية أخرى».
«كنا نريد للفلاح أن يمتلك حتى يكون حرا ويستطيع أن يقول أيوه ويستطيع أن يقول لا».
اختلاف زوايا النظر بحكم تضاد المصالح الطبقية أسس لقطيعة بين «يوليو» و«الوفد».
لم تكن القطيعة التى جرت محض صراع سياسى على السلطة بقدر ما كانت تعبيرا عن صراع اجتماعى.

نقلًا عن "الشروق"