ads
ads

«صنايعية نصف لبة!»

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين
عماد الدين حسين
ads


سوء حظى العاثر أوقعنى خلال الأسابيع الأخيرة مع مجموعة من «الصنايعية نص اللبة»، بما أكد لى أننا نعانى معاناة حقيقية، وسوف نعانى أكثر فى الفترة المقبلة بسبب هذا المستوى الحرفى المتدهور بصورة لا يتخيلها أحد.

كتبت أكثر من مرة فى هذا المكان عن انخفاض مستوى العمالة المهنية والحرفية، وقلت إن بعض المصانع فى مصر صارت تستورد عمالة فنية من الخارج، وتدفع لها بالعملة الصعبة لأنها لا تجد النظير المحلى رغم أن عددنا تجاوز المائة مليون نسمة.

قبل أيام أحضرت نجار لإصلاح «أكرة» باب داخلى، كانت تعمل بكفاءة لمدة تزيد عن الثلاثين عاما. ظننت أن الموضوع بسيط، لكن هذا النجار جعلنى أعيش كابوسا لمدة أكثر من شهر. جاء وأفسد الأمر أكثر، ثم خلع الكالون بكامله، ثم اختفى وتوقف عن الرد على الهاتف، ووسطت عشرات المعارف فى المنطقة، ليقنعوه بأن يرد على الهاتف. تكرم أخيرا وجاء، ثم أفسد الأمر أكثر، وأحدث أضرارا فى الباب نفسه.

فى نفس الفترة تعاملت مع صنايعية آخرين، لم يكونوا أقل سوءا من النجار. لدرجة تجعلنى أفكر فى كتابة كتاب وليس مقالا عن «حال الصنايعية فى مصر». هناك سمات شبه رئيسية صارت موجودة لدى معظمهم. نقص فادح فى الكفاءة. لا يحترمون المواعيد، ويأتون فى المواعيد التى تناسبهم. حينما يحصلون على مقدم أو جزء من الأجرة المتفق عليها، لا يحضرون، حتى تنتهى الأموال.

يندر أن يؤدوا أعمالهم بكفاءة، بحيث لا تضطر إلى استدعائه ثانية، أو الاتفاق مع صنايعى آخر، يأتى ويقول لك العبارة الشهيرة «مين ابن الـ....... اللى عمل كده؟!» والمفارقة أنه هو أيضا لا يحسن عمله، وربما يأتى ثالث، ويكرر نفس العبارة الساخرة والبذيئة!.

الموضوع ليس شخصيا بالمرة، معظم من أعرفهم يكررون هذا الكلام. الذى ينطبق على الجميع من السباك إلى النقاش والميكانيكى وسائر الحرف التى كانت تباهى بها مصر فى الماضى.

لدينا مشكلة كبيرة فى العمالة الفنية المدربة مثل اللحامين وفنيى التبريد والتكييف والكهربائية وعشرات الحرف الأخرى.

المفارقة أن لدينا عشرات الآلاف من الطلاب فى المدارس الفنية الصناعية، لكن لا يتعلمون شيئا. يتخرجون ومعهم شهادة الدبلوم، من دون صنعة، لأنهم يتلقون تعليما نظريا بسيطا، من دون تدريب على معدات حقيقية، وبالتالى يتم القذف بهم فى سوق البطالة، ليضافوا إلى ملايين كى يتحولوا إلى متطرفين أو مدمنين أو منعزلين انطوائيين ناقمين على أنفسهم وعلى المجتمع.

كنا نباهى الأمم بعمالتنا الفنية الماهرة ودرسنا فى كتب التاريخ أن أول ما فعله الاحتلال العثمانى لمصر ابتداء من عام ١٥١٧ هو إجبار العمالة الفنية المصرية الماهرة على الذهاب لتركيا، باعتبارهم عملة نادرة.

اليوم المتهم الأول فى هذه الكارثة الوطنية، هو مجمل السياسات العامة منذ سنوات طويلة، لكن إن جاز لنا أن نحدد متهما بعينه، فهو من شجع وسمح بإدخال التوك توك لمصر بهذه الطريقة الجهنمية، التى دمرت المجتمع بصورة لا يستطيع أن يفعلها احتلال أجنبى أو مؤامرة خارجية مكتملة الأركان.

كنا نعرف أن معظم الشباب الصغير الذى كان يتسرب من التعليم أو يدرس فى معهد فنى، يذهب إلى الورش الفنية ليتعلم ويتشرب الصنعة، وبعدها يصير «معلما» فى صنعته.

هذا الأمر توقف تقريبا بصورة كاملة، لأن الشباب يتسرب من التعليم ومن الورش ويكون هدفه ومشروعه القومى هو شراء توك توك. لأن ما يحصل عليه من قيادة هذا التوك توك فى أربع ساعات قد يساوى ما يحصل عليه إذا ما عمل مساعدا للنقاش أو السباك أو الكهربائى أو الميكانيكى فى يوم كامل.

تخيلوا كم سنحتاج من أموال لندرب صنايعية جدد فى جميع المجالات، وتخيلوا أيضا الأضرار الأخرى التى سببها إطلاق «فيروس التوك توك» فى المجتمع المصرى من تردى القيم إلى الجرائم إلى أمراض الزحام المختلفة؟!

لست ضد التوك توك بصورة عامة، فهو مهم جدا فى القرى والمناطق النائية، لكن ترك الأمر بهذه الصورة، ليسير فى قلب القاهرة وعلى الكورنيش وبجوار مجلسى الشعب والوزراء وعلى الدائرى عكسى، فهو أمر يدعو للريبة والدهشة ويجعلنا نسأل: هل لوبى التوك توك فى مصر قوى بهذه الصورة أم ماذا؟!

نقلًا عن "الشروق"

ads