ads
ads

«التابلت» يهدد بإلقاء وزير التعليم والطلاب «خلف القضبان»

طارق شوقي - أرشيفية
طارق شوقي - أرشيفية
عبد الخالق بدران


قبل أربعة أشهر، وقف النائب أحمد وائل المشنب، خلال اجتماع للجنة التعليم بـ«مجلس النواب»، ضم وزير التربية والتعليم، طارق شوقي، متحدثًا عن أزمات «التابلت» المدرسي الذي تم تسليمه لبعض الطلاب في عهد الوزير الأسبق محمود أبو النصر، مشيرًا إلى أن الوزارة طلبت من الطلاب تسليم «التابلت» الذي استلموه من قبل، وتم تحرير محاضر للطلاب الذين لم يتمكنوا من التسليم واستدعاء هؤلاء الطلاب وأولياء أمورهم لأقسام الشرطة، فكان رد طارق شوقي القاطع على هذه الأزمة: «اعتبر الموضوع ده خلصان».


وخلال الأسبوع الماضي، فوجئ الطلاب بنكوص الوزير عن وعده، واستمراره في الإجراءات القانونية حتى صدر حكم قضائي بالحبس شهرين على 15 طالبًا بتهمة تبديد «التابلت»، وهدّد أولياء أمور الطلاب الصادر ضدهم الحكم بالتصعيد، مطالبين رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي بالتدخل.


وقال عماد مراد، أحد الطلاب المحكوم عليهم، والذى يدرس حاليًا بالفرقة الثانية بجامعة دمياط: «فوجئت أنا وباقى زملائي بصدور حكم قضائي بحبسنا لمدة شهرين عقابا لنا على عدم تسليمنا (العهدة)، المتمثلة فى جهاز التابلت، الذى تسلمناه من وزارة التربية والتعليم، والغريب أننا سبق أن توجهنا لتسليم الجهاز وفقا للتعليمات، إلا أن إدارة المدرسة رفضت بحجة تعرضه لخدوش وكسور، ورفضت أيضًا تسلم أجهزة تابلت سليمة تمامًا ومصحوبة بالعلبة الأصلية، بالإضافة إلى ملحقات الجهاز الخاصة به.


وأضاف: «أصبحنا بين يوم وليلة مسجلين خطر وهاربين من أحكام قضائية، رغم أننا لم نُثِرْ أى مشكلات وقت دراستنا، وليس من طبعنا مخالفة القانون»، متسائلا: «إيه منظرى قدام أهلى وقرايبى وجيرانى فى المنطقة التى أسكن فيها، وبرضه قدام زمايلى فى الكلية، خصوصًا إن بعض زملائى دخلوا كليتى الطب والهندسة، وده معناه إننا متفوقون دراسيا ولسنا مجرمين؟!».


أعادت تلك الواقعة إلى الأذهان تجربة التعليم التفاعلي عن طريق «التابلت»، الذي يتم تسليمه للطلاب بديلًا عن الكتاب المدرسي، والتي طبّقها وزير التعليم الأسبق، محمود أبو النصر، في عام 2013 وانتهت بالفشل والتحقيق معه بتهمة إهدار المال العام، في حين يسعى الوزير الحالي لبعث ذات التجربة من جديد، فكيف كانت التجربة؟ ولماذا فشلت؟ وهل ستلقى تجربة شوقي بذات المصير؟


في العام الدراسي 2012/2013، بدأت وزارة التربية والتعليم تجربة "التعليم التفاعلي في المدارس" في عهد الدكتور إبراهيم غنيم، وزير التربية والتعليم الأسبق، حيث قررت الوزارة استبدال الكتاب المدرسي بالكمبيوتر اللوحي أو "التابلت"، وطُبق هذا النظام لأول مرة ضمن ثلاثة مشروعات هى: مشروع بعنوان "تواصل" في بعض مدارس القوميات للغات، مشروع لبعض المدارس التجريبية بمنحة هندية، ومشروع طُبق في 20 مدرسة حكومية، تحت إشراف وزارة البحث العلمي.


ومع حلول عام 2013/2014 في عهد الدكتور محمود أبو النصر، تم تطبيق التجربة بشكل رسمي على طلاب الصف الأول الثانوي والفني بـ13 محافظة هي: شمال سيناء، جنوب سيناء، البحر الأحمر، مرسى مطروح، أسوان، الوادي الجديد، السويس، الإسماعيلية، بورسعيد، دمياط، سوهاج، قنا، والأقصر.


وكانت رؤية الوزارة حينها، إحداث نقلة نوعية في نظام التعليم، حيث يستقبل الطالب محتوى الكتب المدرسية على جهازه الخاص، ويجري واجباته المنزلية من خلاله، وكذلك الامتحانات، وتكون هناك شبكة تواصل بين المعلم والطلاب وولي الأمر من خلال تلك الأجهزة.


ولم يمر أكثر من شهر فى العام الدراسي، حتى بدأت المدارس التى تعتمد فى دراستها على جهاز «التابلت» تستجير بوزارة التربية والتعليم لتزويدها بالكتب الدراسية نتيجة فشل الدراسة على هذا الجهاز؛ لعدم توافر البنية التحتية لتشغيل وصيانة جهاز «التابلت»، وتعطله باستمرار، وسقوط المناهج من الجهاز كل فترة، وانقطاع الكهرباء وعدم وجود أجهزة للتشغيل أو شبكة دولية بالمدارس، وفوجئت الوزارة بأن أغلب المحافظات التي تم توزيع الأجهزة عليها لا تتوافر بمدارسها شبكات الإنترنت، بالإضافة إلى غياب المتابعة لإصلاح الأجهزة المتعطلة، وتحميل المناهج الجديدة عليها، وتدريب المعلمين على استخدام «السبورات الذكية»، الأمر الذي دفع الطلاب للمطالبة بعودة الكتاب المدرسي، وتحويل جهاز «التابلت» إلى «لعبة».


وتلقت الوزارة خطابات من المدارس والمديريات بعدم صلاحية «التابلت»، وضرورة تسليم الكتب الورقية حتى لا يضيع العام على الطلاب، وبالفعل أعادت الوزارة تسليم الكتب الورقية للطلاب بعد فشل تجربة «التابلت» التي توقفت تماما في 2015.


بعد تلك التجربة «الفاشلة»، وجد وزير التعليم الأسبق الدكتور محمود أبو النصر نفسه متهمًا أمام النيابة الإدارية بإهدار مئات الملايين من الجنيهات من المال العام، وانتهى الأمر إلى إصدار النيابة الإدارية قرارًا بحفظ القضية إداريًا واستبعاد شبهة جرائم العدوان على المال العام.


وبلغ عدد الأجهزة التي تم توزيعها وقتها نحو 250 ألف جهاز فى 6 محافظات بتكلفة مالية بلغت نحو 400 مليون جنيه، وبلغ متوسط سعر الجهاز الواحد نحو 1420 جنيهًا، فضلًا عن تدريب 12 ألف معلم للتعامل مع الأجهزة، بعد أن تم وضع المناهج الدراسية عليها، وتعاقدت الوزارة وقتها مع إحدى شركات التأمين، لكي تتولى عمليات الصيانة، إلا أنه بعد تلك الاستعدادات، فشلت التجربة قبل أن يمر شهر واحد من بدايتها، إذ تعطلت أغلب الأجهزة، وتم كسر العديد منها، فضلًا عن عدم قدرة المعلمين والطلاب على التعامل مع الأجهزة، والكارثة الأكبر هى بيع أغلب الطلاب للأجهزة، فى حين قام آخرون بتحميل الألعاب والأغانى عليها، بدلًا من متابعة دراستهم، ما أدى فى النهاية إلى إلهاء الطلاب عن مذاكرتهم، وعودتهم للاستعانة بالكتب المدرسية، واستغلت بعض المدارس الخاصة فكرة المشروع لعمل «بيزنس»، وطبقت نظام «التابلت»، وحققت من ورائه مبالغ طائلة؛ بإرغام أولياء الأمور على شراء نوعيات منه من خلال المدرسة، ووضع حسابه لدى بنك خاص، بينما أرغمت الطلاب فى نفس الوقت على دفع ثمن الكتب وتسليمها لهم، رغم أن المشروع كان بالأساس لتعويضهم عن الكتاب المدرسى بمنهج إلكتروني، ونظام تعليم تفاعلي.


كان مقررًا وفق خطة «أبو النصر» أن يتم تطبيق المرحلة الثانية التي تشمل 15 محافظة إلا أن المشروع برُمته توقف بعد فشله في المرحلة الأولى، ولم يأت وزير التعليم التالي لـ«أبو النصر»، الهلالي الشربيني، على ذكره مرة أخرى بعد الفشل الذريع الذي أصاب التجربة.


وأعد المركز العربي للبحوث والدراسات، دراسة عن وسائل التطوير التي سعى لها «أبو النصر» ومنها تجربة التابلت معلقَا: «عند نقل تجربة ناجحة من دولة رائدة، إلى دولة أخرى، يجب أن تمتلك الدولة الناقلة للتجربة نفس ظروف الدولة التي نجحت فيها التجربة؛ فلا يمكن، على سبيل المثال، إلغاء الكتاب المدرسي واستبداله بـ«التابلت»، كما في بعض الدول الفائقة، كما مضى الدكتور محمود أبو النصر، حين كان وزيرًا للتربية والتعليم، حين نقل إلينا تجربة «التابلت»، وفعّل التجربة في بعض المدارس، ودرب عليها نخبة من المعلمين، ولكنها لم تنجح في مصر، واختفت التجربة فجأة؛ رغم أنها تجربة متميزة وناجحة بامتياز بالخارج".


ورغم أن عالم الفيزياء الأشهر أينشتين، يعرّف الغباء بأنه «تكرار نفس الشيء، وتتبع ذات الخطوات وانتظار نتائج مختلفة»، إلا أنه يبدو أن المسئولين في مصر، لا تعنيهم عبارة «أينشتين» ويعتبرونها حماقة، ويستبدلونها بالمثل المصري الأصيل: «العلم في الراس مش في الكراس».


ففي الشهور الماضية، أعلن وزير التعليم الحالي، طارق شوقي، بدء منظومة لتطوير التعليم، يعتمد فيها على إلغاء المناهج الورقية واستبدالها بـ«التابلت» المدرسي لكل طالب؛ وذلك لتخفيض نفقات الكتب المدرسية بنحو ملياري جنيه تذهب للطباعة، رغم أن الوزير سيكون مطالبًا بتوفير 15 ضعف هذا الرقم، فوفقا لإحصاء 2017، يبلغ عدد الطلاب في مراحل التعليم من الابتدائية حتى الثانوية 21 مليونًا، ما يعني أن التجربة القديمة الجديدة بحاجة إلى 30 مليار جنيه سنويا على الأقل، بأسعار تابلت محمود أبو النصر، وهو ما لا يتوافر للدولة التي يسعى الوزير فيها لتوفير ملياري جنيه، كما أن تجربة «التابلت» أثبتت فشلها مؤخرًا بعد اعتمادها في التعداد السكاني، واشتكى العاملون من تسليمهم أردأ أنواع «التابلت» الذي كان بطيئَا، وسريع التلف.


ويبقى طريق الوزير في حال استمراره في خطة «التابلت» دون توفير المناخ المناسب لها من البنى التحتية التي تتكلف مئات المليارات، مفتوحًا على احتمالات عدة، ليست أقل سوءًا من تجربة سابقة، وربما يزيد عليها حبس المزيد من الطلاب في قضايا تبديد «التابلت» وإتلافه، وزيادة الإهدار المالي الذي سيدفع بالوزير للوقوف أمام القضاء بعد خروجه من الوزارة، وربما لن تكون البراءة حليفته كسابقه.