رئيس التحرير
خالد مهران

أيتام صنعوا التاريخ.. أعظمهم "سيد الخلق".. وأبرزهم زعيم الأمة و"العندليب"

ايتام صنعوا التاريخ
ايتام صنعوا التاريخ

من حق كل طفل يتيم أن يتباهى فى يوم عيده بما صنعه أقرانه الذين صنعوا التاريخ، ومن حقه أن يفتخر أن يتيما مثله حُرم من حضن الوالدين، أو أحدهما، يمتلك ميزة قد لا يمتلكها غيره، وهى القدرة على الابتكار والاختراع والإبداع، فمن جحيم آلام اليتم خرج عظماء غيروا وجه المعمورة، لم تهزمهم مرارة اليتم، ولم توقفهم مصاعب الحياة.. ونجحوا بالعزيمة والإرادة فى تحطيم ستائر الأحزان، وحققوا ما لم يحققه غيرهم، وأنجزوا ما عجز عنه الآخرون، وصاروا، أنبياء ورسل وزعماء ورؤساء دول وحكومات، ومؤسسي إمبراطوريات وأئمة ودعاة، وفقهاء قانون ومناضلين وطنيين ومبدعين وفنانين وشعراء وتشكيليين وأدباء وسينمائيين، وغيرهم ممن ولدوا أيتاما وصاروا عظماء.

سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يتيماً :

إن كان الله تعالى قد قدر على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون يتيماً ، فإن لهذا التقدير حكمته العظيمة ، وقد امتن الله عز وجل على نبيه بذلك فقال تعالى :{ ألم يجدك يتيماً فئاوى }وكما نعرف من سيرة نبينا الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم أن أباه توفي وهو في بطن أمه ، وقيل توفي بعد أن ولد، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبدالمطلب إلى أن توفي، وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنه من عمره .

أرسطو

لم يعلم المراهق الصغير أرسطاطيوس وهو يبكى على والده الراحل الذى توفى تاركا إياه، أن القدر يخبئ مفاجأتين، الأولى: أنه سيتتلمذ على يد أعظم فيلسوف فى العالم وأصل الفلاسفة، حسبما يطلقون عليه، «أفلاطون»، وكان «أرسطو» من ألمع تلامذته، بقى معه نحو 20 عاماً كاملة حتى وفاته، أما المفاجأة الثانية فهى: أن فيليب ملك مقدونيا سيستدعيه سنة 343 ق.م لتعليم وتربية ابنه الإسكندر الأكبر، وقد قام أرسطو بتعليم الإسكندر الأكبر وهو فى سن الرابعة عشرة وأصبح صديقا له، وأطلق على أرسطو وتلاميذه اسم المشائين، لأنه كان يلقى دروسه أثناء المشى والتجوال بصحبة تلاميذه، ليصبح أرسطو بذلك واحداً من أشهر الأيتام الذين غيروا مجرى تاريخ الفلسفة فى العالم، بل أسسوا لها.

 دافنشى

بين أوجاع اليتم والمعاناة من مرض عسر القراءة والكتابة، عاش دافنشى صاحب أسطورة لوحة الموناليزا، الذى يؤكد العلماء أنه واحد من أكثر رسامى العالم موهبة وأكثرهم عبقرية على الإطلاق، فقد كان وآينشتاين يتسمان بذكاء خارق فوق المعتاد، لدرجة أن العلماء حاروا فى رسومات «دافنشى» وأكدوا أنها ليست خطوطا حقيقية، وإنما مجموعة رموز رياضية تتجمع فى كل لوحة لتعطى شفرة ذات مغزى معين. ليس هذا وحسب، فقد استطاع «دافنشى» رسم تصور مبدئى لأكثر من 400 اختراع، منها ما تم تطبيقه بعد موته بنصف قرن، ومنها ما لم يطبق حتى الآن، ومنها على سبيل المثال وضع رسم هندسى لأول طيارة. ولا يعرف العديد من الناس أن دافنشى لم يكن رساما وفقط، حيث كان نحاتاً وعالم بصريات وعالما فى مجالات الحركة والماء، وكانت مكتشفاته وفنه ناتجين عن شغفه الدائم باكتشاف كل جديد فى الكون، مثله كمثل معظم الأيتام بعد خروجهم من الملجأ.

 مانديلا

غيرت ولادته وجه تاريخ بلاده فى 18 يوليو 1918 استقبل العالم اليتيم الذى لن يكون التاريخ بعده كما كان قبله، فـ«نيلسون مانديلا» أول رئيس أسود فى جنوب أفريقيا، كافح حتى قضى على العنصرية بين السود والبيض، واستطاع أن يرد كرامة عرق كامل كانت حقوقه مهدورة من قبله، وانتُخب فى أول انتخابات متعددة وممثلة لكل الأعراق.  وبالرغم من أن «مانديلا» سجن لـ27 عاماً وراء القضبان، فإنه بعد خروجه استطاع أن يتلقى 250 جائزة, منها جائزة نوبل للسلام عام 1993. وأثر وداع «مانديلا» فى 5 ديسمبر 2013 فى العالم كله، بعد أن حفر فى قلوبنا قصة لواحد من أعظم أيتام العالم الذين غيروا شكل التاريخ.

ستيف جوبز.. محاربة اليتم بالتكنولوجيا

لابد وان نجد واحدا من اختراعات الطفل اليتيم «ستيف جوبز» أو أكثر، محيطة بنا، فصاحب شركة «آبل» وأول من وضع نموذج أولى مع «بيل جيتس» للحاسب الآلى استطاع أن يغير وجه العالم الإلكترونى بالكامل، بأجهزة الآى فون والآى باد والآى بود، وتصميمه لثلاثة أجيال من أجهزة الماكنتوش، وامتلاكه شركة «بيكسار» للرسوم المتحركة.

وما لا يعرفه كثيرون أن حرمان جوبز فى الصغر من متعة اللعب كالأطفال العاديين بحكم يتمه كان سببا رئيسيا فى مساهمته بأمواله ومجهوده فى مؤسسة والت ديزنى ليسعد أطفال العالم الآخرين.

مارلين مونرو.. الجمال الساحر بلا أبوين

«لدى إحساس عميق بأننى لست حقيقة تماما، بل إننى زيف مفتعل ومصنوع بمهارة، وكل إنسان يحس فى هذا العالم بهذا الإحساس بين وقت وآخر، ولكنى أعيش هذا الإحساس طيلة الوقت، بل أظن أحيانا أننى لست إلا إنتاجا سينمائيا فنيا أتقنوا صُنعه»، هذه هى كلمات بنت الملجأ «نورما جين بيكر» أو «مارلين مونرو»، أسطورة السينما الأمريكية، وأيقونة الجمال والإثارة التى مازالت تسحر العالم بأنوثتها رغم رحيلها.

أثر تربية «مونرو» تحت كنف أبوين غير أبويها، فى نشأتها كثيرا، حيث أصرت على التفوق رغم صعوبة ظروفها، وأن تكون على قمة المجد قبل أن تتم عامها الـ25، وكانت المرأة الحلم لكل رجل. وبرغم قصة نجاح مونرو المبهرة فإنها كانت دائمة الشعور بأنها حرمت من طفولتها، لذا كانت مصرة على النجاح ولو بأى ثمن، وتوفيت «مونرو» وهى فى عز مجدها وشبابها فى 5 أغسطس 1962 عن عمر يناهز 36 عاما.

حافظ إبراهيم

وفاة والده حولته إلى أيقونة للشعر ولد شاعر النيل حافظ إبراهيم عام 1872 على إحدى ضفتى نهر النيل فى إحدى السفن الراسية بمدينة «ديروط» التابعة لمحافظة أسيوط ليكون حافظ ذا ارتباط بالنيل منذ نشأته.

وتشاء الأقدار أن يمر حافظ بأولى مراحل الحزن فى حياته، فيتوفى والده المهندس الزارعى وهو فى الثالثة من عمره، ليتولى خاله تربيته ورعايته حتى يشتد عوده. ومنذ صغره اتخذ «حافظ» من الاطلاع ونظم الشعر مدرسة خاصة له، مما جعله إنسانا رقيق المشاعر وعاطفيا، ولهذا السبب فشل فى بداية حياته فى العمل بالمحاماه، وهنا اتجه للمدرسة الحربية ليساعد خاله فى تحمل أعباء الحياة ليتخرج فى المدرسة عام 1891. وهنا بدأ «حافظ إبراهيم» العمل فى الشرطة، ولكنه لم يرض يوما عن رؤسائه، وكان من المشجعين لثورة «عرابى»، وبسبب مشاركته فيها تم إعفاؤه من وظيفته عام 1903 ليصير بلا عمل إلى أن عين فى دار الكتب الوطنية المصرية حتى تقاعده ووفاته عام 1932.

وكان «حافظ إبراهيم»  أيقونة الشعر فى عصره، فقد تميز بقوة الذاكرة وغزارة الإنتاج، وجميع ما كتب كان بسيط التراكيب والمعانى بحيث يفهمه العامة والبسطاء بجانب الملوك والأمراء الذين كانو يطربون عند سماع قصائده.

أحمد زكى 
يعد أحمد زكى من ألمع نجوم السينما المصرية، بأدائه العبقرى ومشاعره الفياضة أمام الكاميرا. وكان «أحمد زكى» على موعد مبكر مع اليتم، فقد توفى والده بعد ولادته مباشرة ليتركه وحيدا دون أشقاء، ولصغر سن أمه تزوجت لتتركه فى كفالة جده.

وعندما برزت موهبة «زكى» فى التمثيل على مسرح المدرسة شجعه الناظر للالتحاق بمعهد الفنون المسرحية الذى شهد تفوقه ونجاحه الساحق، حيث اشترك وقتها فى العديد من المسرحيات مثل «هالو شلبى، ومدرسة المشاغبين، والعيال كبرت». وتعتبر جميع أفلام فتى الشاشة الأسمر بمثابة محطات فى تاريخ السينما المصرية، حيث كان مجتهدا بشكل كبير منذ أول بطولة له فى فيلم « شفيقة ومتولى» ووصفه النقاد بأنه يسير فى الطريق الصعب للأداء التمثيلى، فهو يعطى لكل دور مجهودا كبيرا حتى يصبح جزءا منه، ولهذا استحق أن يتربع على عرش النجومية وحب الجماهير له ولأعماله.

عبد الناصر.. زعيم الأمة

زعيم الأمة الذي حرم من دفء الأسرة شاءت الظروف أن تحرم الزعيم «جمال عبد الناصر» فى طفولته من أمه التى كانت تمثل له كل الحياة، ولم تستطع أسرته وقتها أن تخبره بذلك، فقد كانت الأسره تعيش فى الإسكندرية وعبدالناصر يدرس فى إحدى مدارس «الجمالية» ويقيم عند عمه فى القاهرة. 1931 كان الطفل «عبدالناصر» فى السنة الثالثة من المرحلة الابتدائية، وكانت رسائل والدته هى الداعم والوقود لحياته إلى أن توقفت ولم يعلم السبب حتى عاد للمنزل ليعلم بخبر رحيلها أثناء ولادتها لأخيه الثالث «شوقى»، وتسبب هذا الرحيل المفاجئ فى صدمة وجرح عميق زاد أثره عندما قرر والده أن يتزوج قبل أن يمضى عام على رحيل والدته.

وعاش «عبدالناصر» محروما من حنان الأسرة يتنقل ما بين منزل جده وعمه، ولا يأتى لمنزله سوى فى العطلات الدراسية، مما شجعه على الانخراط فى النشاط السياسى فى وقت مبكر، حيث قاد فى المرحلة الإعدادية مظاهرة طلابية ضد الحكم البريطانى. وتحول ناصر بعد ذلك إلى زعيم ثورى يطالب بحقوق العمال والفلاحين، ويحاول لم الشمل العربى لتصبح الدول العربية يدا واحدة ضد أى عدوان غاشم عليها، ليكون ما عاشه من حرمان فى صغره بمثابة الشعلة التى أوقدت طاقته نحو الانغماس بين جموع الشعب الذى هتف باسمه وخلد حبه فى قلبه حتى بعد مماته بسنين.

عبد الحليم حافظ

ولد «عبد الحليم حافظ» لترحل والدته بعد ولادته بأيام وتتركه الابن الأصغر بين أربعة إخوة، وقبل أن يتم عامه الأول رحل والده، ليشرب كأس اليتم مضاعفًا فى عمر صغير، ويتربى بين بيوت العائلة ليستقر به الحال فى منزل خاله ثم إلى الملجأ الذى قضى بين جدرانه سنوات عمره الأولى التى خلفت آثارا حزينة فى وجدان العندليب، وبعدما أنهى «عبد الحليم» السنوات التسع فى الملجأ خرج للعالم ليشق طريقه، حيث التحق بمعهد الموسيقى العربية، وهناك التقى برفقاء دربه «كمال الطويل، وأحمد فؤاد حسن، وفايدة كامل، وعلى إسماعيل» ليتخرج مدرسا للموسيقى، لكنه استقال وبدأ يشق طريقه باعتماده عازفا فى الإذاعة لتخرج موهبته للنور، ويعرف الجميع من هو «عبدالحليم شبانة» حتى أصبح العندليب.
لم يترك «عبدالحليم حافظ» جانبا من الحياة المصرية إلا وعبر عنه بإحساسه المرهف عبر أغنية رائعة تعيش فى الوجدان وتمس الإحساس، وكان دائم التعاطف مع الفقراء والمحتاجين ممن يعرفهم أو لا يعرفهم.

ويذكر أحد الرفقاء له أن أثناء تصوير فيلم «أبى فوق الشجرة» كان الجو حارا ولم يوفروا للعمال مياها باردة، فاشترى لهم مبرد مياه وثلاجة مياه غازية حتى لا يشعروا بالحر.

أسمهان

اسمها الحقيقى «آمال الأطرش» ولدت على سطح باخرة عندما هربت عائلتها من تركيا بعد خلاف وقع بين والدها الأمير «فهد الأطرش» والسلطات التركية وقتها، واستقرت عائلتها فى سوريا فترة قصيرة قبل أن يرحل الأب عام 1924، لتقرر الأسرة مغادرة سوريا إلى مصر بعد أن فقدت عائلها الوحيد، فتنقلب الحياة من النعيم والرغد إلى حياة البؤس، لتضطر والدتها الأميرة «علياء» أن تعمل فى البيوت وتغنى فى الأفراح الخاصة حتى تقدر على تربية أبنائها الثلاثة.

وظهرت موهبة «اسمهان» الغنائية فى سن مبكرة، فجميع أفراد أسرتها لديهم ميول فنية، وكان أخوها «فريد الأطرش» هو الداعم لها فى مشوار حياتها، حيث أخذ بيدها لمشوار الفن والنجومية، لتقف فى مصاف كبار المطربين فى هذا العصر مثل «أم كلثوم، وليلى مراد» وغيرهما، حيث كانت تشارك أخاها الغناء إلى أن سطع نجمها ولمع.