مسلسل يشجع الجريمة.. اتهام منى زكي بالتحريض على تدمير الأسرة بسبب «طالع نازل»
أثار مسلسل «طالع نازل» بطولة منى زكي، جدلا واسعا بسبب رحلة الانتقام التي تخوضها البطلة بعد اكتشاف زواج زوجها بأخرى، وسط انقسام الجمهور بين مؤيد لتصرفاتها باعتبارها استردادا لكرامتها، ومعارض يرى أنها تروج للجريمة وتقدم الانتقام باعتباره وسيلة لاسترداد الحقوق.
تدور أحداث المسلسل حول «نورا» (منى زكي) التي تكتشف زواج زوجها الموسيقار «علي داوود» (محمد شاهين) سرا منذ عامين من حبيبته السابقة «مي» (مريم الخشت) وانتظارهما مولودا رغم رفضه الإنجاب منها لتتحول صدمتها إلى مخطط انتقامي يشمل التجسس على هاتفه وتخريب علاقته بزوجته الثانية ودفعه لتعاطي المخدرات ودس المنوم في مشروبه وتوريطه في اتهام بسرقة لحن أجنبي لتدمير سمعته ومستقبله الفني.
دراما الإجرام
انقسم الجمهور حول «نورا» فبينما وصفتها بعض النسويات بـ«كويين» و«برافو عليها»، رأى آخرون أنها لا تملك الحق في الانتقام وأن العمل يروج للجريمة.
وأعادت الشخصية إلى الأذهان «زينب» التي قدمتها صفاء أبو السعود في «هي والمستحيل» عام 1979، التي ضحت من أجل زوجها وساعدته على استكمال تعليمه حتى نجح لكنه تخلى عنها وتزوج بأخرى فواجهت محنتها بالعمل والاستقلال بعكس «نورا» التي لجأت للانتقام.
ويرى منتقدو العمل أن الفارق بين الدراما التنموية ودراما الانتقام والجريمة هو الفرق بين البناء والهدم.
من جانبه، قال الناقد الفني ونائب رئيس رابطة كتاب ونقاد الفن أمين خير الله، إننا للأسف أصبحنا نشاهد دراما تلفزيونية أشبه بأفلام السينما الطويلة، مشيرا إلى أن هذه أزمة في عدد كبير من مسلسلات المنصات خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح «خير الله» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن هذه الأعمال تناقش الجريمة بشكل مكثف رغم أن المسلسل التلفزيوني يصبح له هدف رئيسي ومعه محاور وشخصيات وشبكة علاقات وعائلات، معقبا: «ده اللي كنا بنشوفه في التمانينيات والتسعينيات».
وأضاف: «اللي بنشوفه دلوقتي أشبه بالسينما، حيث يدور العمل بالكامل حول هدف مكثف وهو ما يناسب الفيلم السينمائي الذي تتراوح مدته بين ساعة ونصف وساعتين، لكن مش كل مسلسل جريمة من 15 أو 30 حلقة يفضل يتكلم عن جريمة واحدة ومحور واحد طوال 14 أو 15 ساعة».
وتابع أن مشكلة مسلسل منى زكي ليست فقط في كونه عملا نسويا، موضحا أن بعض النساء أصبح لديهن استحقاق مرتفع جدا بسبب أفكار غير صحيحة تدعوهن إلى عدم الصبر والتحمل وعدم مساعدة أزواجهن أو خدمتهم، مستشهدا بتريند «الست مش ملزمة».
وأضاف أن المسلسل قد يدعو إلى الانتقام من الرجل بشكل عنيف وعدم التسامح أو التساهل معه، معتبرا ذلك امتدادا لأفكار بدأت منذ سنوات عبر بعض القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وأكد أن التركيز على تفصيلة واحدة طوال 15 أو 30 حلقة لا يمثل الدراما التلفزيونية التي عرفناها، مستشهدا بمسلسلات «حديث الصباح والمساء» و«ليالي الحلمية» و«المال والبنون» التي قدمت شبكة من العلاقات والمحاور إلى جانب الهدف الرئيسي لكل عمل، مشددا على حق صناع الدراما في التطوير مع الحفاظ على تعدد المحاور والعلاقات.
ولفت إلى أن مسلسلات الجريمة زادت بشكل غير طبيعي بعد نجاح أعمال مثل «ورد وشوكولاتة» وأعمال سبقتها وهو ما دفع منتجين آخرين للسير في الاتجاه نفسه، مضيفا أن أفلام الجريمة جزء من الإنتاج السينمائي لكن من غير المقبول تقديم مسلسل من 15 حلقة يدور بالكامل حول جرائم حقيقية.
واختتم تصريحاته قائلا: إن دراما المنصات أصبحت تسير في اتجاه الجريمة بينما الدراما الرمضانية تسير في اتجاه البلطجة، مؤكدا أن المشكلة ليست في مسلسل منى زكي وحده وإنما في الخط الذي يسير فيه المنتجون حاليا وخاصة في الأعمال الموجهة للمنصات.
لا أحد فوق القانون
وفي هذا السياق، أكدت المحامية دينا المقدم، عضو لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ضرورة التفرقة بين حرية الإبداع وتمجيد الجريمة مشددة على أن الدراما ليست مطالبة بتقديم شخصيات مثالية أو حكايات خالية من الجرائم بل من حقها مناقشة أكثر القضايا الإنسانية تعقيدا وجرأة.

وأضافت «المقدم» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن التفاعل مع مسلسل «طالع نازل» والتعليقات المصاحبة له تطرح تساؤلا مهما حول تحول إيذاء الآخر إلى بطولة والغدر به إلى ذكاء وتعريض حياته للخطر إلى وسيلة لاسترداد الكرامة.
وأوضحت أن تعرض المرأة للخيانة أو القهر أو الأذى أمر يستحق التعاطف والإنصاف لكنه لا يمنحها الحق في تعمد تسميم شخص أو دس مواد مخدرة في طعامه وشرابه أو التجسس عليه وانتهاك خصوصيته، مؤكدة أن الانتقام ليس عدالة وأن الأذى لا يبرر أذى سابقا وأن الضحية لا تصبح فوق القانون لمجرد أنها كانت ضحية.
وعن الناحية القانونية، أشارت إلى أن تعمد إعطاء شخص مادة سامة أو مخدرة أو ضارة بقصد قتله قد يشكل شروعا في القتل أو جريمة أخرى حسب طبيعة الفعل والقصد والنتيجة، كما أن دس المواد المخدرة في الطعام أو الشراب والتجسس على الهواتف والحسابات يندرج تحت نصوص تجريمية مختلفة وفقا لظروف كل واقعة وأدلتها.
وشددت على أن القانون لا يحاكم النوايا الدرامية وإنما الأفعال متى تحققت أركان الجريمة، موضحة أن أهمية الوعي القانوني في الأعمال الدرامية لا تتمثل في فرض رقابة على الخيال أو مصادرة حرية المؤلف والمخرج وإنما في توضيح الفارق بين ما يجوز للشخصية الدرامية فعله داخل العمل وما يجوز للمجتمع أن يصفق له باعتباره سلوكا صحيحا أو نموذجا يحتذى به.
وانتقدت التأييد الجماعي لهذه التصرفات معتبرة أنه يرسخ في العقول سهولة الانتقام بعيدا عن القانون، مشيرة إلى أن المسلسل يلعب في منطقة تعجب بعض النساء وهي فكرة الانتقام العاطفي من الزوج الخائن رغم أن ذلك غير مقبول قانونا أو دينيا.
وأضافت أن من حقها الاختلاف مع بعض الرسائل التي يلتقطها الجمهور من مشهد درامي كما أن من حق الجمهور أن يحب العمل أو يرفضه لكن ما يستوقفها هو أن تصبح عبارات مثل "كوين" و"نجمة" و"هي دي الستات" وسيلة للاحتفاء بأفعال قد تنطوي في واقع الحياة على جرائم بالغة الخطورة.
وأكدت أن تمكين المرأة لا يعني منحها حصانة أخلاقية أو قانونية وأن القوة ليست في القدرة على تدمير الآخر وإنما في استرداد الحقوق دون التحول إلى نسخة أخرى ممن تسببوا في الألم.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أنها ليست ضد الدراما الجريئة أو الشخصيات المركبة أو كشف الوجه القبيح للعلاقات الإنسانية لكنها تتمسك بضرورة وجود فارق واضح بين تصوير الجريمة وتبريرها وبين فهم دوافع الشخصية وتبني سلوكها قائلة: «قد نتعاطف مع الألم لكن لا ينبغي أن نصفق للجريمة».
رسائل تهدد استقرار الأسرة
من جانبه، قال الدكتور أحمد هاشم البطريق، أحد علماء الأزهر الشريف، إنه لا يجوز شرعا أن نتهم شرع الله بالنقص أو العيب، مؤكدا أن كل ما شرعه الله هو الشكل الأكمل لعلاقة العبد بغيره وأن الشرع غير ناقص حتى يحتاج إلى تحديث.

وأضاف «البطريق» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن ما أحدثناه في شرع الله أفقد الحياة جوهرها وفقدنا البركة والإحساس بالغاية وأصبحنا نعيش في مجتمع مادي، مشيرا إلى أن البعض بدأ التعامل مع التعدد باعتباره أمرا غير مقبول بسبب جرح مشاعر الزوجة ثم تطور الأمر إلى اعتباره خطأ وصولا إلى تجريمه وتحريمه.
وأكد أن الزوجة الثانية والثالثة والرابعة حلال ما دام الرجل يفعل ذلك وفق شرع الله، لافتا إلى أن البعض أصبح يقول إن التعدد حرام وإن المساكنة والعلاقات الغير الشرعية حلال في الوقت الذي يخشى فيه الرجل من الزواج بأخرى بسبب ما قد يترتب عليه من دعاوى الطلاق للضرر.
وأوضح أن وجود الزوجة الثانية في حياة الرجل أصبح سببا يدفع إلى قبول دعوى الطلاق للضرر بسهولة، مؤكدا أن هذا مخالف لشرع الله وأننا تدخلنا في أحكام الزواج وتحدثنا في شرع الله بما لم يقله الله.
وشدد على أن الانتقام من الزوج بسبب زواجه بأخرى محرم شرعا مستشهدا بقول الله تعالى: «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، موضحا أن الله تحدث عن رد الاعتداء في خواتيم سورة النحل بقوله: «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به»، ثم قال: «ولئن صبرتم لهو خير للصابرين»، وأتبعها بقوله: «واصبر وما صبرك إلا بالله».
وأضاف أن ميزان الأفعال لا يعلمه إلا الله فقد تكون كلمة واحدة سببا في تغيير حياة إنسان ومنحه طاقة وحيوية تدفعه إلى العمل والنجاح ولذلك لا يمكن تقدير أثر الأفعال والكلمات بمجرد وقوعها وإنما بأثرها على الإنسان.
وأوضح أن الإنسان قد يبدأ مظلوما لكنه يتحول إلى ظالم إذا بادر بالانتقام وتجاوز حدود حقه قائلا إن المظلوم قد تكون لديه حجة أمام الله يطلب بها حقه ممن ظلمه لكنه يفقد هذه الحجة عندما يتحول هو إلى ظالم ومعتدٍ.
وانتقد الرسائل التي تصدرها بعض الأعمال الدرامية بشأن الانتقام من الزوج وهدم بيته وسجنه وحبسه وتدمير مستقبله بسبب زواجه بأخرى، مؤكدا أن الدراما أصبحت تقدم هذه التصرفات باعتبارها أمرا مباحا ومدعاة للتباهي.
وأشار إلى أن الأمر وصل إلى أن تتباهى الزوجة وأهلها بعبارات مثل «أنا خربت بيته» و«أنا سجنته» و«أنا أخدت عليه أحكام»، متسائلا عن طبيعة الإبداع الذي يجعل تخريب بيت الزوج وسجنه وتدمير مستقبله أمرا يستحق التفاخر لمجرد أنه فعل شيئا لا ترضى عنه الزوجة رغم أنه أمر محلل شرعا.
واختتم تصريحاته بالتساؤل عما صنعته القوة الناعمة من خلال هذه الرسائل الدرامية التي تقدم الانتقام من الزوج باعتباره حقا للزوجة، مؤكدا أن الدراما تهدم المجتمع مثل السوس الذي ينخر في أساسه وتريد هدم البيوت على رؤوس سكانها.