كيف كانت النوستاليجا مرض قاتل في القرن السابع عشر؟
إذا عدنا بضعة قرون إلى الوراء، سنجد أن الحنين إلى الماضي أو النوستاليجا لم يكن مجرد شعور عاطفي تجاه الماضي؛ بل كان يُنظر إليه كحالة أكثر قتامة بكثير. ففي القرن السابع عشر، وصف الطبيب السويسري يوهانس هوفر النوستالجيا أو الحنين إلى الماضي بأنه مرض عصبي ذو أسباب شيطانية في جوهره.
بدايات الحنين إلى الماضي
صاغ هوفر مصطلح " النوستاليجا " (nostalgia) استنادًا إلى الكلمة الألمانية "Heimweh" (التي تعني حرفيًا "الشوق إلى الوطن"). وسرعان ما تحول المصطلح إلى تعبير طبي لوصف حالة الحزن التي انتابت المرتزقة والجنود السويسريين خلال فترة الثورة والحروب النابليونية، حيث كانت المعاناة شديدة لدرجة أن الأطباء في ذلك الوقت ذكروا أن الجيوش التي "أصيبت" بالحنين إلى الماضي عانى جنودها من أرق حاد، وفقدان للشهية، ورغبة ملحة ومستمرة في العودة إلى ديارهم.
وفي كثير من الحالات، كان الجنود يستسلمون لهذا الحنين إلى الماضي أو النوستاليجا ويوضح توماس دودمان، المؤرخ في جامعة كولومبيا أنه مع تفاقم الأعراض، كان الجنود يصابون باكتئاب سريري، وبسبب نقص النظافة والرعاية الطبية، كانوا يصابون بأمراض أدت إلى وفاتهم.
عُرف هذا المرض أيضًا باسم "المرض السويسري" نظرًا لأنه رُصد لأول مرة بين المرتزقة السويسريين الذين كانوا يتوقون للعودة إلى ديارهم في الجبال - وكان يُعتبر مرضًا خطيرًا لصعوبة إيجاد علاج له. بالنسبة للجنود، كان السبيل الوحيد للشفاء هو العودة إلى الوطن، وهو أمر لم يكن ممكنًا دائمًا، وبالتأكيد لم يكن حلًا سريعًا.
هل كان رد فعل مبالغًا فيه؟
لقد كانت مشكلة بالغة الخطورة، لدرجة أن المتخصصين في الصحة النفسية والأطباء العسكريين في القرن التاسع عشر انكبوا على دراستها بشكل مكثف، وتُظهر السجلات الطبية من فترة الحرب الأهلية الأمريكية أن أكثر من 5200 جندي في جيش الاتحاد شُخِّصوا بحالة "الحنين إلى الماضي"، وأن 58 منهم قضوا بسببه.
لكن الحنين إلى الماضي لم يكن مشكلة تقتصر على الجنود في ساحات المعارك فحسب. كما عانت نساءٌ يشغلن وظائف متنوعة (مثل أولئك اللواتي انتقلن بعيدًا عن منازلهن للعمل في الخدمة المنزلية والإقامة في أماكن العمل)، وأطفالٌ يعيشون بعيدًا عن أمهاتهم، من أعراض "الحنين إلى الوطن" أو النوستالجيا.
أما بالنسبة للأشخاص البعيدين عن ساحات المعارك، فقد ظهر الحنين لديهم في صورة مختلفة نوعًا ما. إذ شخّص الأطباء هذه الحالة من خلال رصد أعراضٍ معينة، مثل "المظهر الكئيب"، وتسارع ضربات القلب، والتعرق المفرط، بل وحتى الاضطرابات الهضمية كالقِيء أو حرقة المعدة، وتنوعت طرق العلاج أيضًا؛ بدءًا من المشروبات العشبية، ومرورًا باستخدام العلق الطبي، وصولًا إلى الإدخال إلى المستشفى.
نحو فهمٍ أفضل
على مدى القرن التالي، تطور مفهوم الحنين إلى الماضي أو النوستاليجا؛ فلم يعد يُصنّف كاضطرابٍ فحسب، بل وُصف تارةً بأنه اضطراب قهري، وتارةً أخرى كشكلٍ من أشكال الاكتئاب، أو ببساطة كنوعٍ من الضعف النفسي، ولم ينفصل مصطلح "الحنين الماضي" عن معناه الأصلي المرتبط بـ "الشوق إلى الوطن" إلا في أواخر القرن العشرين، ليكتسب معناه الحديث: التوق إلى الماضي، بغض النظر عما إذا كان ذلك مرتبطًا بالوطن أو المنزل أم لا.
واليوم، يتفق العلماء على أن الحنين ليس بالضرورة أمرًا سيئًا، فقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يستحضرون ذكرياتٍ من ماضيهم غالبًا ما يختبرون الحنين كمزيجٍ من السعادة والحزن؛ شعورٌ يجمع بين المرارة والحلاوة، ويميل في الغالب إلى أن يكون إيجابيًا أكثر منه سلبيًا.