رئيس التحرير
خالد مهران

مرحلة جديدة عنوانها العمل الوطني الجاد.. بهاء أبو شقة يعلن عودته إلى حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة
بهاء الدين أبو شقة

أعلن المستشار بهاء أبو شقة رئيس حزب الوفد الأسبق، عودته مجددا إلى صفوف الحزب وذلك بعد شهور من تقديم استقالته من "بيت الأمة.

 

وينشر موقع “النبأ” نص البيان الرسمي الذي أعلن “أبو شقة” من خلاله العودة إلى حزب الوفد.

 

بيان إلى أبناء الوفد
أبنائي وبناتي، إخوتي وأخواتي، أبناء الوفد العريق، وحملة رايته، وأمناء تاريخه ومبادئه.
في لحظات فارقة من تاريخ الإنسان، تتقدم المبادئ على المواقف، وتعلو مصلحة الوطن على كل اعتبار، ويبقى الانتماء الصادق أعمق من أن تنال منه ظروف عارضة، أو أن تقطعه مسافات الاختلاف، أو أن تطويه صفحات الزمن.


ومن هذا المنطلق، أجدني اليوم أمام واجب تمليه عليَّ أمانة التاريخ، وصدق الانتماء، ومسؤولية الكلمة، فأخاطبكم حديثًا من القلب إلى القلب، ومن الضمير إلى الضمير، بشأن حزب لم يكن يومًا مجرد انتماء سياسي في حياتي، وإنما كان ولا يزال جزءًا أصيلًا من تكويني الوطني والفكري، ومدرسةً تعلمنا فيها أن مصر فوق الجميع، وأن المبادئ لا تتغير بتغير المواقع، وأن الرجال تُعرف بمواقفها حين تتجرد من المصالح وتنتصر لما تؤمن به.


لقد تقدمت في الخامس عشر من يناير سنة ٢٠٢٦ باستقالتي من حزب الوفد، وكانت استقالة مسببة اقتضتها ظروف وأسباب قائمة في حينها، رأيت معها، وفقًا لما أملاه عليَّ ضميري وما استقر عليه يقيني، أن ذلك الموقف هو الأقرب إلى صون المبادئ التي آمنت بها، والوفاء بالأمانة التي حملتها طوال مسيرتي الوطنية والحزبية.


وإذ زالت الأسباب التي دعت إلى ذلك القرار، فقد زال معها الموجب الذي اقتضاه، وبقي الأصل الذي لم يتغير يومًا، وهو الانتماء إلى الوفد، والوفاء لتاريخه، والإيمان برسالته.
ولقد شهد الحزب خلال تلك المرحلة استحقاقات انتخابية لرئاسته وهيئته العليا، وما بين الاستقالة واليوم، لم يغب الوفد لحظة عن وجداني، ولم تفارقني همومه ولا آمال أبنائه، بل ظل السؤال حاضرًا في فكري وضميري: كيف يستعيد هذا الحزب العريق مكانته التي تليق بتاريخه؟ وكيف نصل حاضره بماضيه المجيد، ونفتح أمامه آفاق المستقبل، ليكون قوة وطنية فاعلة في الحياة السياسية المصرية، معبرًا عن آمال المواطنين، ومناصرًا لقضايا الوطن، ومدافعًا عن الحقوق والحريات في إطار الدستور والقانون؟


فالوفد، أيها الإخوة والأبناء، ليس مجرد حزب أضيف اسمه إلى سجل الأحزاب السياسية، وإنما هو تاريخ وطني امتد لأكثر من قرن، وارتبط بكفاح المصريين من أجل الاستقلال والحرية والدستور، وحمل عبر أجياله المتعاقبة راية الوطنية المصرية، حتى استحق في الوجدان السياسي والوطني وصف «ضمير الأمة».


وإذا كان هذا الوصف شرفًا عظيمًا، فإنه في الوقت ذاته أمانة أشد عظمًا؛ إذ لا يكفي أن نتغنى بتاريخ الوفد، وإنما يتعين أن نكون جديرين به، ولا يكفي أن نردد أنه ضمير الأمة، بل يجب أن تكون مواقفه وممارساته وتوجهاته ترجمة صادقة لهذا المعنى، وأن يكون الحاضر امتدادًا مشرفًا للماضي، والمستقبل ثمرةً لما نغرسه اليوم من فكر وعمل وإخلاص.


ومن هنا جاءت عودتي إلى حزب الوفد؛ عودة إلى الأصل الذي لم ينقطع، وإلى البيت الذي ظل حاضرًا في الوجدان، وإلى رسالة وطنية أؤمن بأنها أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأسمى من المصالح.


وهي عودة أرجو أن تكون إسهامًا في بداية مرحلة جديدة، عنوانها العمل الوطني الجاد، وغايتها أن يستعيد الوفد دوره بوصفه حزبًا وطنيًا عريقًا، يمارس المعارضة الوطنية الشريفة والمسؤولة، معارضةً لا تستهدف المعارضة لذاتها، ولا تجعل من الاختلاف خصومة، ولا من النقد هدمًا، وإنما تنطلق من إيمان راسخ بأن مصلحة الدولة المصرية، وصون مؤسساتها، وحماية مقدراتها، وخدمة الوطن والمواطن، هي الغاية العليا التي ينبغي أن تلتقي عندها جميع القوى الوطنية.


إن المعارضة الوطنية الحقيقية ليست نقيضًا للوطن، بل هي من أدوات بنائه، وليست خصومةً مع الدولة، بل ممارسة دستورية تسهم في تقويم الأداء، وطرح البدائل، وإثراء الحوار العام، وممارسة الرقابة في إطار من المسؤولية والالتزام بالمصلحة الوطنية العليا.


وهذا هو المعنى الذي يتسق مع المادة الخامسة من الدستور المصري، التي أرست التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة أساسًا للنظام السياسي، بما يقتضي وجود أحزاب قوية، ذات رؤى واضحة، ومؤسسات فاعلة، وقدرة حقيقية على المشاركة في الحياة العامة.


وإنني إذ أعلن عودتي إلى حزب الوفد، أؤكد بوضوح لا يحتمل تأويلًا، وبصدق لا يقبل المزايدة، أن هذه العودة مجردة تمامًا من أي غاية شخصية، أو منفعة ذاتية، أو تطلع إلى منصب أو موقع أو سلطة.


فقد توليت من المواقع والمسؤوليات ما أحمد الله عليه، ولم يعد يشغلني موقع أتقلده، ولا منصب أسعى إليه، وإنما يشغلني أن أرى هذا الحزب الذي عشت معه ومن أجله سنوات طويلة، قويًا بتاريخه، عزيزًا بمبادئه، متماسكًا بأبنائه، قادرًا على أداء رسالته الوطنية.


وإني أؤمن بأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يقطع أواصر الإخوة، وأن التنافس على خدمة الحزب لا يجوز أن يتحول إلى تنازع يضعفه، وأن قيمة الأشخاص جميعًا إنما تستمد من مقدار ما يقدمونه لهذا الكيان، لا مما يشغلونه من مواقع فيه.


وليس الوفد ملكًا لشخص، ولا حكرًا على جيل، ولا إرثًا لفريق دون آخر، وإنما هو أمانة وطنية تتوارثها الأجيال، تتسع لكل رأي مخلص، ولكل عقل مستنير، ولكل يد أمينة تعمل من أجل رفعة الحزب وخدمة مصر.
وإنني أتطلع إلى أن تكون المرحلة المقبلة صفحة جديدة، لا تُستعاد فيها خلافات الأمس، وإنما تُستخلص منها دروس الغد؛ صفحة يتقدم فيها الوفاء على الجفاء، والعمل على الجدل، والمصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية.


فلا مستقبل لحزب عريق إذا استهلكت طاقاته خلافات أبنائه، ولا مكانة لتاريخ مجيد إذا ظل حبيس الذكريات، وإنما تصان المكانة بالعمل، ويحيا التاريخ بالإنجاز، وتتجدد المبادئ حين تجد من يحملها بإخلاص إلى واقع الناس وقضاياهم.
وختامًا، فإنني أعود إلى الوفد لا لأفتح صفحة من الماضي، وإنما لأشارك في كتابة صفحة من المستقبل؛ لا لأبحث عن مكان بين أبنائه، فقد كان مكاني في قلوبهم أعز عندي من كل مكان، وإنما لأؤدي ما أراه واجبًا نحو حزب أعتز بالانتماء إليه، ووطن لا أرى فوق مصلحته مصلحة.


وإن أملي أن نرى الوفد، بعقول أبنائه وسواعدهم المخلصة الأمينة، حزبًا قويًا بمؤسساته، متجددًا بأفكاره، راسخًا بمبادئه، حاضرًا في قضايا وطنه، ممتدًا بجذوره في أعماق التاريخ، متطلعًا بثقة وثبات إلى آفاق المستقبل.


فلتبقَ مصر هي الغاية، وليبقَ الوطن هو المبدأ، وليبقَ الوفد أمينًا على تاريخه، جديرًا برسالته، وفيًّا لوصفه الذي حمله عبر الأجيال: ضمير الأمة.


حفظ الله مصر، وحفظ شعبها العظيم، وحفظ حزب الوفد وأبناءه المخلصين.