رئيس التحرير
خالد مهران

فئة واحدة قد تستفيد من التوقيت الشتوي

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

يكشف الاضطراب الذي يلحق بأنماط النوم والاستيقاظ نتيجة تغيير التوقيت الشتوي إلى الصيفي أو العكس، عن اعتمادنا اليومي على التفاعل بين "ضغط النوم" والساعات البيولوجية.

بدايةً، ينبغي فهم التغيرات المعقدة التي تحدث داخل الجسم في الليلة التي تُؤخَّر فيها عقارب الساعة ساعةً واحدةً. ففي مساء السبت -بافتراض غياب الضوء الساطع- يبدأ الجسم في أداء مهمته اليومية المتمثلة في إفراز هرمون "الميلاتونين"، وهو هرمون محوري لتنظيم توقيت النوم. يتراكم هذا الهرمون في مجرى الدم، ويصل بعد بضع ساعات إلى ذروة تركيزه، ثم يبدأ في الانخفاض تدريجيًا حتى الصباح.

كيف يعمل هرمون الميلاتونين؟

لا يعمل الميلاتونين على دفع معظمنا للنوم، ولا يضمن استمرارنا فيه؛ بل هو أشبه بـ "تنبيه" يشير إلى أن موعد النوم قد اقترب. وحتى التعرض لفترات وجيزة للضوء الكهربائي العادي يمكن أن يؤخر إشارة النوم هذه أو يوقفها تمامًا، وذلك اعتمادًا على شدة الضوء وطوله الموجي (أو لونه).

وفي المساء، ومع ارتفاع مستويات الميلاتونين، تبلغ الحرارة الناتجة عن أعضائنا الداخلية ذروتها خلال اليوم، تليها مرحلة انخفاض في درجات الحرارة؛ وهو مؤشر آخر للجسم على اقتراب موعد النوم. ولهذا السبب، قد يساعد الاستحمام بماء دافئ قبل النوم في تسهيل عملية الخلود إليه.

وتستمر درجة حرارة الجسم الداخلية في الانخفاض خلال الساعات الأولى من النوم، وهي الفترة التي يغلب عليها "النوم ذو الموجات البطيئة"؛ حيث تنشط أعداد كبيرة من الخلايا العصبية في الدماغ بشكل متزامن، ويتباطأ معدل ضربات القلب ويصبح أكثر انتظامًا. وتتزامن أدنى درجة حرارة للجسم تقريبًا مع أعلى مستوى للميلاتونين، مما يبرز التناغم بين هاتين الإشارتين الحيويتين اللتين تنظمان إيقاعنا اليومي.

ووقبل دقيقة واحدة من صباح الجمعة المقبل، تكون أنظمة التوقيت في أجسامنا متوافقةً غالبًا مع عقارب الساعة؛ إذ تكون درجة حرارة الجسم الداخلية في أدنى مستوياتها. ومع بدء ارتفاع حرارة الجسم مجددًا وانخفاض مستويات الميلاتونين، تبدأ عملية بيولوجية أخرى، وهي الإطلاق البطيء والمستمر لهرمون "الكورتيزول"، الذي يبلغ ذروته عند الاستيقاظ.

فإذا كان الميلاتونين هو إشارة الجسم للنوم، فإن الكورتيزول هو الإشارة التي تحفز على الاستيقاظ. ما لم نكن نعاني من ضغوط شديدة خلال النهار أو نستهلك كميات كبيرة من الكافيين، فإن مستويات الكورتيزول تكون في ذروتها عادةً في الوقت الذي نستيقظ فيه. ولهذا السبب، قد يبدو الاستيقاظ أحيانًا مصحوبًا بشعور بالحيوية والتوتر في آنٍ واحد، كما يفسر أيضًا لماذا يصبح النوم أكثر صعوبة عندما نكون تحت ضغط نفسي.

وتخضع هذه الأنظمة الحيوية الثلاثة -المتمثلة في هرمون الميلاتونين، ودرجة حرارة الجسم الداخلية، وهرمون الكورتيزول- للتنظيم بواسطة ساعة مركزية تقع في "النواة فوق التصالبية" بالدماغ، والتي تعمل على مزامنة الساعات الموجودة داخل كل خلية من خلايا الجسم. وتتكرر أنماط هذه الإشارات تقريبًا كل 24 ساعة، لكنها قد تتعرض للاضطراب بسبب عوامل بيئية مختلفة، مثل الضوء، والتمارين البدنية المكثفة، والتوتر، ولا تلتزم هذه الدورات بمدة ثابتة قدرها 24 ساعة بالضبط؛ إذ قد تزيد أو تنقص بضع دقائق، مما يسمح لنظام النوم والاستيقاظ لدينا بالتكيف تدريجيًا مع تغير الفصول.

غير أن هذا التغير يحدث ببطء. لذا، فإن أي تغيير مفاجئ -مثل السفر شرقًا أو غربًا (مما يؤدي إلى تمديد أو تقصير فترة التعرض لضوء النهار، وبالتالي التأثير على مستويات الميلاتونين)، أو التعرض لموجات الحر أو البرد (التي ترفع أو تخفض درجة حرارة الجسم الداخلية)، أو الضغوط النفسية (التي ترفع مستويات الكورتيزول نهارًا)- يؤدي إلى اختلال في هذا النظام؛ فبنيتنا البيولوجية لم تتطور لتتمكن من التعامل مع التغيرات المفاجئة.

كيف تتأثر الساعة البيولوجية بعد التوقيت الشتوي؟

ويستغرق الأمر عدة أيام حتى تعود الساعة البيولوجية لتتزامن مع الوقت الفعلي، وفي مثل هذه الحالات، غالبًا ما نفقد جزءًا من نومنا في الصباح، لا سيما مرحلة "حركة العين السريعة" (REM) التي تحدث في وقت متأخر من النوم وتلعب دورًا في تنظيم العواطف. ومع أن الساعة البيولوجية تبدأ عملية الاستيقاظ اليومية -التي يحفزها الكورتيزول- في نفس توقيت اليوم السابق، إلا أنك ستكون مستيقظًا في اللحظة التي يصل فيها هذا الهرمون إلى ذروته، وهو ما قد يؤدي إلى شعور بتراجع المزاج.

ولا يؤثر اضطراب التوقيت الشتوي على الجميع بنفس القدر؛ فواحد من كل 100 شخص تقريبًا يعاني من اضطراب جيني يُعرف بـ "متلازمة تأخر مرحلة النوم"، وهي حالة تجعل من المستحيل على الشخص النوم إلا في ساعات الصباح الأولى. ترتفع مستويات الميلاتونين لديهم في وقت متأخر جدًا مقارنةً بغيرهم، مما يعني أنهم قد يستفيدون -ولو لفترة وجيزة- من تأخير عقارب الساعة.

وبالمثل، فإن ما يتراوح بين 10 إلى 20 من كل 100 شاب في أواخر مرحلة المراهقة يميلون بيولوجيًا إلى النوم في وقت متأخر مقارنة بالبالغين. وبالنسبة لهم، قد يتوافق توقيت نومهم مؤقتًا بشكل أكبر مع بقية أفراد الأسرة، لكنهم في المقابل سيشعرون بمزيد من النعاس في الصباح.

وهناك فئة أخرى، تشكل حوالي 1% من الأشخاص في منتصف العمر، تشعر بحاجة إلى الخلود إلى النوم في وقت أبكر بكثير من معظم الناس -غالبًا في وقت مبكر من المساء- والاستيقاظ في وقت مبكر جدًا من الصباح. ورغم أن أسباب شيوع "متلازمة النوم المتقدم" (advanced-phase sleep syndrome) في هذه الفئة العمرية ليست واضحة تمامًا، إلا أن النظام اليوماوي (الساعة البيولوجية) يبدو أنه يضعف مع التقدم في العمر. وتعد هذه الفئة هي الأكثر تضررًا من تأخير عقارب الساعة.