البحر الأسود يتصدر أخطر الممرات البحرية عالميًا متجاوزًا مضيق هرمز
تصاعدت المخاطر التي تهدد حركة الملاحة الدولية في البحر الأسود خلال عام 2026، مع اتساع نطاق الهجمات الروسية والأوكرانية التي تستهدف السفن التجارية والموانئ، ما أدى إلى ارتفاع الخسائر البشرية وتكاليف التأمين، وأثار مخاوف من اضطراب إمدادات الغذاء والطاقة عالميًا.
ومع تزايد حدة المواجهات، بات البحر الأسود يتقدم على مضيق هرمز في مؤشرات الخطر البحري، وسط تحذيرات من تداعيات تمتد إلى أسواق دولية بعيدة عن ساحات الصراع.
البحر الأسود يسجل خسائر بشرية غير مسبوقة
تشير البيانات المنسوبة إلى المنظمة البحرية الدولية وشركة أمبري للأمن البحري إلى تعرض أكثر من 570 سفينة تجارية لهجمات صاروخية وضربات بطائرات مسيرة في البحر الأسود منذ بداية العام، ما أسفر عن مقتل 40 بحارًا على الأقل، مقابل 24 حالة وفاة مسجلة في منطقة مضيق هرمز.
وسجل الربع الثالث من العام تصعيدًا لافتًا، بعدما تجاوز عدد الهجمات خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 387 هجومًا، بمتوسط يزيد على أربع عمليات استهداف يوميًا، وهو ما يعادل نحو خمسة أضعاف المعدل المسجل في الربع السابق.
ولم تعد المخاطر مقتصرة على سفن نقل النفط والحبوب، بل امتدت إلى مناطق قريبة من المياه الإقليمية لدول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، بينها رومانيا، الأمر الذي أثار مخاوف من اتساع نطاق تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وامتدادها إلى مناطق مجاورة.
التصعيد الروسي الأوكراني يفاقم مخاطر الملاحة
بدأت موجة التصعيد الأخيرة مع تكثيف أوكرانيا هجماتها على الإمدادات البحرية الروسية في شبه جزيرة القرم ومضيق كيرتش، حيث أعلنت كييف استهداف أكثر من 300 سفينة روسية خلال 11 أسبوعًا.
وفي المقابل، كثفت القوات الروسية هجماتها على السفن المتجهة إلى الموانئ الأوكرانية، إذ تشير البيانات الواردة إلى تنفيذ نحو 90% من الهجمات المسجلة خلال الأيام الـ45 الأخيرة ضد هذه السفن.
وحذر خبراء في الشؤون البحرية من تغير أساليب الاستهداف الروسية، مع تركيز الضربات على أبراج القيادة ومناطق إقامة أطقم السفن، بدلًا من الاقتصار على المحركات، وهو ما يزيد احتمالات وقوع خسائر بشرية بين البحارة العاملين في مناطق النزاع.
ويعكس هذا التصعيد تحول البحر الأسود إلى إحدى أبرز بؤر التهديد لحركة التجارة البحرية الدولية، في ظل استمرار تبادل الهجمات وصعوبة ضمان مرور السفن التجارية بأمان.
ارتفاع التأمين يدفع السفن إلى مخاطر أكبر
مع تصاعد الهجمات، رفعت اللجنة المشتركة لمخاطر الحرب تصنيف البحر الأسود إلى أعلى مستويات التهديد، ما دفع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب إلى نحو 15% من قيمة السفينة، وفقًا للبيانات الواردة، لتصل إلى ضعف مستويات التأمين في الخليج العربي.
وأدت هذه الزيادة إلى ضغوط متزايدة على شركات الشحن وملاك السفن، وسط اتجاه بعضهم إلى استخدام ناقلات قديمة يتجاوز عمرها 50 عامًا، إلى جانب تشغيل بحارة من جنسيات متعددة بأجور منخفضة مقابل العمل في مناطق شديدة الخطورة.
وتثير هذه الممارسات مخاوف بشأن سلامة الأطقم البحرية، خاصة في ظل تعرض السفن لهجمات متكررة وصعوبة توفير الحماية اللازمة لها، بينما تسعى بعض الشركات إلى الحد من تكاليف التشغيل والتأمين المرتفعة.
اضطراب صادرات الحبوب يهدد الأسواق العالمية
امتدت تداعيات المخاطر في البحر الأسود إلى قطاع الغذاء، إذ تراجعت صادرات أوكرانيا البحرية من المنتجات الزراعية بنسبة 75% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مع تسجيل انخفاض حاد خلال أغسطس وسبتمبر الماضيين، حسب البيانات الواردة في التقرير.
وفي محاولة لتجاوز القيود الأمنية، اتجهت كييف إلى استخدام مسارات بديلة عبر نهر الدانوب، بينما لجأت موسكو إلى طرق أطول لتصدير منتجاتها، من بينها المسارات المارة عبر بحر البلطيق.
لكن خبراء حذروا من أن استمرار اضطراب حركة الملاحة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتراجع إمدادات الأسمدة ومستلزمات الإنتاج الزراعي، بما يهدد المواسم الزراعية المقبلة ويزيد الضغوط على الأسواق، خاصة في مناطق غرب إفريقيا وإندونيسيا.
ويضع هذا الوضع التجارة العالمية أمام تحديات إضافية، في وقت تعتمد فيه أسواق عديدة على انتظام تدفق الحبوب والمنتجات الزراعية عبر الممرات البحرية المرتبطة بروسيا وأوكرانيا.
هل تقترب أوروبا من تدخل بحري لحماية السفن؟
في ظل استمرار الهجمات واتساع نطاق المخاطر، لا تبدو فرص التوصل إلى انفراجة قريبة في البحر الأسود واضحة، وفقًا للتقديرات الواردة في التقرير، بينما تتزايد الدعوات داخل البرلمان الأوروبي لبحث إطلاق عملية بحرية تهدف إلى حماية السفن التجارية وتأمين خطوط التجارة الدولية.
وتأتي هذه التحركات وسط مخاوف من استمرار استهداف السفن والموانئ، وما قد يترتب على ذلك من خسائر بشرية واقتصادية واضطرابات في إمدادات الطاقة والغذاء.
ومع استمرار المواجهة الروسية الأوكرانية، يبقى البحر الأسود في صدارة الممرات البحرية الأكثر خطورة، في تطور يعيد رسم خريطة المخاطر التي تواجه الملاحة الدولية، ويضع أمن التجارة العالمية أمام اختبار جديد.