الملل يطارد الأعمال القصيرة
السيناريوهات الضعيفة والقوالب الجاهزة تدمر مسلسلات 15 حلقة
مع تسارع إيقاع الحياة وتغير عادات المشاهدة أصبحت مسلسلات الـ15 حلقة جزءا أساسيا من خريطة الدراما المصرية، بالتزامن مع انتشار المنصات الرقمية واتجاه صناع الأعمال إلى تقديم حكايات أقصر.
لكن هذا الاتجاه لم ينه شكاوى المشاهدين من الملل وبطء الأحداث والمط، بل امتدت الانتقادات إلى أعمال قصيرة لم تنجح في الحفاظ على اهتمام الجمهور؛ ما أعاد فتح النقاش حول مدى تفاعل المشاهدين مع الأحداث ومنطقيتها وقدرة الأعمال القصيرة على تقديم حبكة متماسكة تحافظ على اهتمام الجمهور.
مسلسلات قصيرة.. والملل مستمر
رغم أن تقليل عدد الحلقات يستهدف الابتعاد عن الإطالة والحشو، إلا أن بعض الأعمال لا تزال تواجه انتقادات بسبب مشاهد يرى متابعون أنها لا تضيف جديدا إلى الأحداث أو تطورات تأتي بطيئة ولا تتناسب مع توقعاتهم؛ وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب شعور المشاهد بالملل حتى في الأعمال القصيرة، ولماذا لا يضمن اختصار عدد الحلقات بالضرورة تقديم حكاية أكثر تماسكا وجاذبية.

ومن الأمثلة مسلسل «خمسين خمسين» بطولة كندة علوش إذ رأى بعض المتابعين أن العمل يعاني من الملل وضعف الحبكة مع أحداث تفتقر إلى المنطق، فبعد انطلاق الحكاية من معاناة أم تركها زوجها وتتحمل مسؤولية ابنها تتحول بمساعدة ابنها وزميلاتها في مكتب المحاماة ومدرب ابنها الرياضي وصديق ابنها الذي يعمل في التوصيل إلى تنفيذ عمليات نصب على رجال بسبب نزاعات النفقة وإنصاف المطلقات؛ وهو ما أثار تساؤلات حول مدى إقناع الأحداث وقدرتها على جعل المشاهد يتفاعل مع الشخصيات ويتعاطف معها.
حلقتين أسبوعيا.. انتظار يفقد المشاهد حماسه
ولا يتوقف الجدل عند طبيعة الأحداث بل يمتد إلى أسلوب عرض المسلسلات حلقة أو حلقتين أسبوعيا وهو النظام الذي أثار انتقادات من بعض المتابعين الذين يرون أنه قد يضعف ارتباط المشاهد بالأحداث بدلا من زيادة حماسه لمعرفة النهاية.
فبعد مشاهدة حلقتين وتصاعد وتيرة الأحداث أو تعلق الجمهور مع ما يحدث يضطر الجمهور إلى الانتظار أسبوعا كاملا لمتابعة التطورات وخلال هذه الفترة قد يفقد أجواء العمل وينسى بعض التفاصيل فتتراجع حالة الاندماج التي صنعها المسلسل أثناء المشاهدة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن المشكلة ليست في استعجال معرفة النهاية بقدر ما تتعلق بتقطيع تجربة المشاهدة وفقدان الزخم الدرامي خاصة إذا لم تنتهي الحلقات بتطورات كافية تبقي الجمهور متعلقا بالعمل طوال فترة الانتظار.
جودة الكتابة والإيقاع
أكد الناقد الفني جمال عبدالقادر أن جودة الكتابة هي المعيار الأساسي لتحديد عدد حلقات المسلسل وضبط إيقاعه، موضحا أن الكاتب عليه أن يحدد منذ البداية ما إذا كانت فكرته تناسب عملا من 10 أو 15 أو 30 حلقة.

وقال «عبدالقادر» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- إن تحويل فكرة تصلح لفيلم مدته ساعة ونصف إلى مسلسل من 15 حلقة عبر إطالة الأحداث يكشف خللا في الكتابة وليس في عدد الحلقات؛ لأن كل عمل يحتاج إلى خطوط درامية تتناسب مع مدته وتضمن تصاعد الأحداث دون حشو.
واستشهد بأعمال مصرية مثل «زينب والعرش» و«ليالي الحلمية» في أجزائها الأولى التي استطاعت الحفاظ على زخمها الدرامي رغم امتدادها إلى 30 حلقة، مشيرا إلى أن ضعف بعض المسلسلات يظهر في حلقات تزدحم بالمشاهد والحوارات دون تطور حقيقي في الأحداث.
وفيما يتعلق بنظام العرض الأسبوعي، أوضح «عبدالقادر» أن الانتظار بين الحلقات قد يضعف اندماج المشاهد مع القصة رغم إمكانية العودة إلى الحلقات السابقة عبر المنصات.
وأضاف أنه يفضل شخصيا الانتظار حتى اكتمال المسلسل ومشاهدته في جلسة واحدة أو جلستين أفضل من حلقة كل أسبوع.
وأشار إلى أن أنماط العرض الجديدة لها جوانب إيجابية وسلبية، لكنه يرى أن طرح حلقة أو حلقتين أسبوعيا يقطع معايشة الجمهور للأحداث، مفضلا عرض حلقة يوميا ثم إعادة المسلسل بعد اكتماله.
وتساءل «عبدالقادر» عن جدوى عرض مسلسل من 10 حلقات بمعدل حلقتين أسبوعيا على مدار 5 أسابيع قد تمتد إلى شهرين قائلا: «ليه يعني.. هو مسلسل العمر».
أزمة صناعة
وفي هذا السياق قال الناقد الفني رامي المتولي، إن السيناريو هو أساس العمل الدرامي وإن للدراما أسسا وقواعد تنطبق على جميع أشكال المسلسلات سواء كانت 30 حلقة أو 15 أو 10 حلقات أو حتى 3 حلقات فقط.
وأوضح «المتولي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن حل مشكلة المسلسل المكون من 30 حلقة لا يكون بالضرورة بتقليص عدد حلقاته وإنما بكتابة سيناريو جيد والاستعانة بمتخصص في تطوير السيناريو عند الحاجة أو بالمعنى الدارج «دراماتورجي شاطر يقدر» يظبط إيقاع العمل.
وأكد أن المشكلة ليست في عدد الحلقات وإنما في جودة الدراما، موضحا أن هذه الأشكال فرضتها ظروف الإنتاج والإعلانات والعوائد المالية للصناعة وليست أشكالا درامية في حد ذاتها.

وبشأن عرض الحلقات أسبوعيا، أوضح «المتولي» أن طريقة العرض قرار إنتاجي وصناعي بحت لا علاقة له بتفاصيل الدراما، مشيرا إلى أن أنماط العرض اختلفت عبر الزمن وفقا لطبيعة الجمهور والشريحة المستهدفة ومواعيد تفرغها للمشاهدة.
وأضاف أن نمط المشاهدة تغير بعد جائحة كورونا وفترة الحجر الصحي مع انتشار نموذج «نتفليكس» القائم على طرح المسلسل كاملا ليشاهده الجمهور في الوقت الذي يناسبه، لكنه أشار إلى أن منصات عالمية أخرى تعرض حلقاتها على فترات مختلفة.
وشدد على أن مواعيد العرض لا تحدد جودة المسلسل أو ضعفه قائلا: «أنا شخصيا لو بحبه هستنى حلقته أسبوعيا»، واستشهد بمسلسلات مثل «Game of Thrones» الذي اعتاد جمهوره انتظار حلقاته أسبوعيا.
وضرب مثالا بالمسلسلات اليابانية قائلا: «لو الكلام على هذا السياق يبقى محبي المانجا اليابانية بيعملوا إيه؟، يبقى المسلسل داخل في 2000 حلقة والحلقة بتتعرض أسبوعيا وهم قاعدين سنين بيتفرجوا على المسلسل بواقع حلقة أسبوعيا، هو ده شكل عرضه اللي الجمهور اتعود عليه وبيطوروا نفسهم ويطوعوا نفسهم على نمط المشاهدة على مدى حبهم واهتمامهم بيه».
سيناريوهات ضعيفة وقوالب جاهزة
وعلى عكس الآراء التي ركزت على جودة الكتابة وإيقاع الأحداث وتأثير نظام العرض الأسبوعي، أعرب الناقد السينمائي وصانع المحتوى محمود مهدي، عن تأييده لتقصير المسلسلات، معتبرا أن الصيغ الأقصر تمنح المشاهد مرونة أكبر في متابعة الأعمال وتتيح له اتخاذ قرار الاستمرار أو الانسحاب مع كل أسبوع جديد.
وأوضح «المهدي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن مسلسلات الـ30 حلقة قد تقع في فخ الملل والتكرار حتى لو امتلكت أفكارا جيدة، مشيرا إلى أن المسلسل الممل سيظل كذلك سواء عرض في 10 أو 15 أو 30 حلقة وأن زيادة عدد الحلقات قد تفرض تحديات أكبر في سرد الحكاية وتزيد احتمالات الإطالة.
وأضاف أن من مزايا العرض الأسبوعي أنه يمنح المشاهد فرصة متجددة لتقييم العمل بعد كل حلقة وتحديد ما إذا كان سيواصل متابعته أو يتوقف عنه، معتبرا أن اكتشاف عدم جاذبية المسلسل مبكرا ميزة إيجابية توفر على المشاهد إهدار وقته في عمل لا يستمتع به.

وأشار «المهدي» إلى أن المسلسلات القصيرة تتيح تقديم حكايات أكثر تركيزا كما أن انتهاءها في وقت أقصر يجعلها لا تستمر طويلا وسط زخم الأعمال المعروضة على الشاشات والمنصات الرقمية، مؤكدا أن تعدد المواد الترفيهية المتاحة يقلل من شعور المشاهد بأنه محروم من متابعة عمل معين إذا تأخرت حلقته التالية.
ودعا إلى منح صناع الدراما حرية أكبر في تحديد عدد الحلقات وفقا لطبيعة كل حكاية بدلا من الانتقال من قالب الـ30 حلقة إلى التقيد بقوالب الـ10 والـ15 حلقة، لافتا إلى أن هناك أعمالا عالمية تقدم في 5 أو 6 أو 7 أو 8 حلقات وأخرى تحتاج إلى عدد مختلف حسب ما تتطلبه القصة.
وتساءل: «ليه بعد ما تمردنا على الـ30 حلقة بقينا مربوطين بالـ10 والـ15؟»، موضحا أن عدد الحلقات ينبغي أن يتحدد وفقا لما تحتاج إليه الحكاية مع إقراره بوجود اعتبارات تسويقية وإعلانية تؤثر في قرارات الإنتاج.
وحذر «المهدي» من استغلال قوالب المسلسلات القصيرة للترويج لأعمال ضعيفة السيناريو أو مملة، مؤكدا أن عيوب الكتابة وتكرار الأحداث ستظل قائمة مهما اختلف عدد الحلقات وأن تقصير العمل وحده لا يضمن جودته.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على تشجيعه تقليص عدد الحلقات، شريطة أن يتناسب العدد مع طبيعة الحكاية معتبرا أن شعور المشاهد بالملل من مسلسل ما قد يكون مؤشرا على مشكلة في العمل نفسه وليس في طريقة عرضه.

