رئيس التحرير
خالد مهران

أعمال «اللهو الخفى».. لغز اكتشاف أفلام بالصدفة رغم مرور سنوات على عرضها بالسينمات

النبأ

ظاهرة جديدة طفت على السطح بسوق السينما -خلال السنوات الأخيرة- باختفاء بعض الأفلام بعد أيام وأسابيع قليلة من وجودها بدور العرض وتحقيق إيرادات ضعيفة، رغم مشاركة نجوم كبار فيها وإنفاق الملايين على إنتاجها والترويج لها.

تختلف مصائر هذه الأعمال بين أفلام انتقلت إلى المنصات الرقمية وأخرى لم تحظ بإتاحة رقمية واضحة، بينما ظهرت منها نسخ مقرصنة مسجلة بالموبايل داخل دور العرض وفي حالات أخرى لا يجد المشاهد نسخة كاملة من الأساس.

«شمس».. اختفاء بعد العرض

فيلم «شمس» بطولة عمرو عبد الجليل ومحمود عبد المغني وخالد الصاوي وهدى الإتربي طرح في دور العرض بشهر سبتمبر 2023 واستمر نحو أسبوعين فقط قبل رفعه بسبب ضعف الإيرادات بعدما حقق إجمالي إيرادات اقترب من 200 ألف جنيه.

لكن المفارقة الحقيقية ظهرت بعد انتهاء عرضه السينمائي، فعلى الرغم من وجود البوستر والتريلر وبعض المواد الدعائية الخاصة بالفيلم على الإنترنت إلا أن النسخة الكاملة منه لم تعد متاحة حاليا سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، وبذلك أصبح المشاهد الذي يبحث عن الفيلم لا يجد سوى آثاره الدعائية بينما لا توجد نسخة له يمكن مشاهدتها.

«فارس».. النسخة المسربة

فيلم «فارس» بطولة أحمد زاهر وحسين فهمي وإيمان العاصي عرض في نحو 50 دار عرض واستمر 36 يوما من مايو إلى يونيو 2022 لكنه حقق 740 ألف جنيه فقط.

وبعد أقل من شهر من طرحه تعرض الفيلم للقرصنة وظهرت نسخة غير رسمية عبر مواقع  الإنترنت ومن بعدها لم يتم إصدارا نسخة رقمية رسمية وأصبح الفيلم حاضرا بنسخة مسربة فقط.

«دولارات دولارات».. خروج مبكر

«دولارات دولارات» بطولة نضال الشافعي وصلاح عبدالله ومنة فضالي وهالة فاخر ومحمود حافظ عرض في سبتمبر 2023 وسط دعاية محدودة، وبعد أربعة أسابيع بلغت إيراداته نحو 372 ألف جنيه، قبل رفعه من دور العرض بعدما سجل 129 جنيها في أحد أيامه الأخيرة.

ومع خروجه من السينمات لم يتحول الفيلم إلى حضور رقمي لافت لدى الجمهور وعلى الإنترنت ظهرت نسخ غير رسمية مسجلة من داخل دور العرض، بينما ظل البحث عن النسخة الأصلية غير متاح.

«خرجوا ولم يعودوا».. عشرة أيام كانت كافية

أما «خرجوا ولم يعودوا» الذي شاركت فيه ويزو وحسني شتا ومصطفى أبو سريع، فلم يستمر في دور العرض سوى نحو عشرة أيام وحقق نحو 62 ألف جنيه فقط، وفي أحد أيامه الأخيرة لم تتجاوز إيراداته 198 جنيها.

وبهذا انتهت تجربته السينمائية سريعا دون أن يترك حضورا جماهيريا كبيرا، وبعد ذلك ظهرت نسخ غير رسمية مصورة بالموبايل من داخل السينما، ولم يعرف الجمهور أين يمكن الوصول إلى النسخة الأصلية بجودة عالية للمشاهدة.

 

«الراجل الرابع».. فيلم لم يصل إلى السينما المصرية

وتأتي حالة 'الراجل الرابع" بصورة مختلفة الفيلم بطولة حمدي الميرغني وعمرو عبد الجليل وياسر الطوبجي وفرح يوسف ولم يحصل على عرض تجاري في السينمات المصرية بينما عرض في عدد من الدول العربية خلال عام 2022 قبل انتقاله إلى المنصات الرقمية دون اي دعاية كافية تذكر 

وبالنسبة إلى المشاهد المصري الذي لم يتابع الفيلم وقت طرحه خارج مصر يمكن أن تكون أول معرفة له به من خلال منصة أو منشور داخل جروب لترشيحات الأفلام.

 وهنا لا تكون المشكلة في اختفاء النسخة وإنما في أن الفيلم مر بمسار عرض لم يصل إلى قطاع كبير من جمهوره المحتمل وبعد عرضة على المنصات لم يتم الإعلان عن وجودة بقدر كافي

«أنا بضيع يا وديع».. قصة قديمة تعود للواجهة

ومع تكرار هذه الحالات أعاد بعض الجمهور استحضار قصة فيلم "أنا بضيع يا وديع" بشكل ساخر.

 ففي أحداث الفيلم يواجه المنتج تهامي مشكلة مع الضرائب ويقترح وديع إنتاج فيلم فاشل لا يقبل عليه الجمهور حتى يخسروا أموالا ويعلنوا الإفلاس للتخلص من الضرائب

وهي بالطبع حبكة خيالية داخل عمل كوميدي وليست دليلا على حدوث الأمر في الواقع ورغم اختلاف السياق فإن استعادة الجمهور لهذه القصة تعكس المفارقة التي يراها أمام أفلام أنفقت عليها أموال وشارك فيها نجوم ثم لم تجد طريقا واضحا إلى المشاهد وانتهت رحلتها سريعا بين دور العرض والمنصات والنسخ المتداولة.

أفلام «اللهو الخفي»

وفي هذا السياق قال الناقد الفني الدكتور طارق سعد إن هناك ظاهرة يمكن وصفها بـ "أفلام اللهو الخفي" وهي أعمال لا تظهر للجمهور بالطريقة الطبيعية فمنها ما لا يعرض أصلا ومنها ما يظهر بنسخ مقرصنة وأخرى تطرح بعد سنوات من العرض السينمائي على منصات رقمية دون دعاية أو تسويق واضح.

وأوضح في تصريحات خاصة لـ "النبأ" أن الطبيعي أن يسبق أي فيلم تحضيرات وأخبار ودعاية ويعرف الجمهور أبطاله وصناعه وموعد عرضه لكن أن يكتشف الجمهور فيلما بعد مرور ثلاث أو أربع سنوات من إنتاجه دون أن يكون قد سمع عنه من قبل فهذا يثير التساؤل لماذا تم إنتاجه من الأساس؟

وأضاف أن المنصات الرقمية أصبحت سوقا موازيا للسينما لكن المنتج عندما ينفق ملايين الجنيهات على فيلم يكون هدفه الطبيعي استعادة أمواله وتحقيق أرباح من خلال دور العرض أو المنصات أو بيعه في الأسواق الخارجية متسائلا "مين بيرمي فلوسه علشان يخسر؟" لأنه بهذا الشكل قد يوحي للبعض بشبهات غسيل وتمرير أموال وهو أمر غاية في الخطورة حتى ولو بمجرد الشك.

وأشار إلى أن بعض هذه الأعمال منخفضة المستوى مؤكدا أن أفلام المقاولات في فترات السبعينات والثمانينات رغم انخفاض تكلفتها وسرعة تصويرها كانت تضم نجوم وقصص وموضوعات واضحة وتحقق عوائد بل ساهمت في صناعة نجومية عدد من الفنانين أبرزهم سمير غانم  وبالتالي كانت لها قيمة تجارية رغم بساطة إنتاجها.

وتابع أن المنتجين الذين يعملون بشكل طبيعي أصبحوا يحسبون كل جنيه ويدخلون في خلافات بشأن دفع حق الأداء العلني بسبب الخسائر التي تواجه الصناعة ويحاولون تقليل التكاليف بينما يظهر في المقابل من ينفق أموالا على أفلام دون اهتمام واضح بطرحها أو تحقيق عائد منها.

وتساءل عن بعض الأشخاص الذين يظهرون فجأة كمنتجين دون معرفة سابقة بهم داخل الوسط قائلا إن الأمر لا يعني اتهام جميع المنتجين لكنه يفتح تساؤلات حول مصدر الأموال والهدف من إنفاقها.

ولفت إلى أن الظاهرة قد تثير تساؤلات تحتاج اهتمامًا دقيقًا من الأجهزة المختصة بالتعاون مع غرفة صناعة السينما والنقابات الفنية لتفسيرها وأخذ الاحتياطات الواجبة لحماية صناعة السينما باعتبارها جزء من الاقتصاد القومي


وأضاف أن المنتج يستطيع إثبات مصروفات حقيقية على الاعلانات ضمن تكاليف الإنتاج لتخفيضها من الضرائب لكن إنفاق الأموال دون محاولة واضحة لتحقيق عائد يظل أمرا يحتاج إلى تفسير.

وأشار إلى أن السنوات الماضية شهدت أيضا مشكلات نصب باسم شركات إنتاج اومكاتب كاستينج ما يستدعي مراجعة هوية المنتجين وممارساتهم.

واختتم بأن الظاهرة تراجعت مؤخرا مع توسع السوق الخليجي في شراء الأفلام المصرية موضحا أن إنتاج أعمال مخصصة للسوق الخليجي أمر طبيعي إذا كانت مصنوعة بشكل احترافي لكن إنتاج أفلام بشكل غامض ودون خطة واضحة للعرض يحتاج إلى مراجعة حفاظا على سمعة صناعة السينما المصرية وأرشيفها..

إيرادات السينما تحدد المصير

وفي هذا الجانب قال الناقد الفني ونائب رئيس رابطة كتاب ونقاد الفن أمين خيرالله، إن السبب الرئيسي لاختفاء بعض الأفلام يرجع إلى ضعف إيراداتها في السينما، موضحا أن الفيلم الذي وفي ذات الموضوع قال الناقد الفني ونائب رئيس رابطة كتاب ونقاد الفن أمين خيرالله إن السبب الرئيسي لاختفاء بعض الأفلام يرجع إلى ضعف إيراداتها في السينما، موضحا أن الفيلم الذي يفشل جماهيريا يصبح من الصعب تسويقه للقنوات الفضائية والمنصات.

وأضاف في تصريحات خاصة لـ "النبأ" أن المنصات قد تتعاقد مسبقا على الأفلام التي تضم نجوما أو أسماء بارزة من المخرجين والمنتجين، بينما الأعمال التي لا تضم أسماء جماهيرية غالبا ما تنتظر نجاحها في شباك التذاكر حتى تجد فرصة للعرض، وفي حالة فشلها تقل فرص التعاقد عليها بشكل كبير.

وأوضح أن قيمة الفيلم في السوق التلفزيوني ترتبط بإيراداته السينمائية فكلما حقق نجاحا ارتفع سعر بيعه بينما الفيلم الذي لا يحقق سوى إيرادات محدودة يصبح تسويقه غير مجد للقنوات التي تشتري الأعمال بهدف تحقيق عائد إعلاني.

وأشار إلى أن بعض المنتجين قد يحتفظون بالفيلم على أمل إعادة تسويقه بعد نجاح أحد أبطاله في عمل آخر، كما قد تدخل خسائر بعض الأفلام ضمن الحسابات الضريبية بدلا من بيعها بمبالغ زهيدة.

واختتم مؤكدا أن السينما هي التي تحدد مستقبل الفيلم تسويقيا، فالنجاح يفتح أمامه أبواب القنوات والمنصات بينما الفشل قد يجعله خارج دائرة العرض تماما.