رئيس التحرير
خالد مهران

خلال خلال محاضرة بمعهد الوفد للدراسات السياسية..

محافظ الجيزة الأسبق يدعو لإدارة عمرانية تربط التخطيط بالتنفيذ

اللقاء
اللقاء


طرح الدكتور خالد زكريا العادلي، محافظ الجيزة الأسبق والأكاديمي والخبير الدولي في العمران، رؤية متكاملة لإعادة صياغة مفهوم الإدارة العمرانية، مؤكدًا أن تطوير المدن لا يبدأ بالتمويل أو التشريعات وحدهما، وإنما بإدارة فاعلة تربط التخطيط بالقرار والتنفيذ، وتضع الإنسان في قلب عملية التنمية، مستعرضًا عددًا من التجارب الميدانية والتصورات الاستثمارية والعمرانية لتطوير مدينة الجيزة وتحسين جودة الحياة بها.

جاء ذلك خلال إلقاء الدكتور خالد زكريا العادلي، محاضرة  في فعاليات «البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات»، الذي ينظمه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت رعاية الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، وبإشراف النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد المعهد، بهدف إعداد وتأهيل كوادر شابة قادرة على المشاركة الفاعلة في العمل العام والإدارة المحلية.

وخلال المحاضرة الرابعة للبرنامج، قدم الدكتور خالد زكريا العادلي محاضرة تفصيلية تناولت أزمة إدارة المدن المصرية، وسبل تحقيق الإدارة العمرانية الفاعلة، ورفع جودة الحياة المدنية، مستعرضًا خبراته الأكاديمية والميدانية ورؤيته لتطوير المدن المصرية، مع التركيز على مدينة الجيزة نموذجًا تطبيقيًا.

جودة الحياة.. الخدمات الأساسية معيار رضا المواطنين

استهل الدكتور خالد زكريا العادلي محاضرته بطرح تساؤل حول مدى رضا المواطنين عن الخدمات وجودة الحياة في المدن المصرية، موضحًا أن قياس جودة الحياة يعتمد على مجموعة من المعايير، من بينها الرعاية الصحية، التي تتطلب قرب الخدمات وسهولة الوصول إليها ماديًا، دون الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة تتراوح بين 10 و30 كيلومترًا أو الانتظار لفترات طويلة.

وأشار إلى أهمية قرب المدارس من المناطق السكنية، إلى جانب جودة العملية التعليمية، وتوافر الخدمات الثقافية والترفيهية، مثل دور الأوبرا والمناطق المفتوحة والمساحات الخضراء، فضلًا عن توفير الأمن والسلامة، سواء من خلال الحماية من الجريمة أو ضمان أمان المشاة أثناء عبور الشوارع.

وأكد أن جودة البيئة ترتبط بتصميم المدن لخدمة الإنسان أولًا وليس السيارة، مع العمل على الحد من التلوث البيئي والسمعي والبصري. واستعرض جانبًا من خبرته الدولية، مشيرًا إلى ترؤسه سابقًا لهيئة حيوية المدن (Livability) في إنجلترا، التي تختص بتقييم استدامة وحيوية المدن عالميًا وتقديم الجوائز لرؤساء المدن وفق معايير محددة.

 أزمة العمران.. غياب منظومة الإدارة الفاعلة

حدد محافظ الجيزة الأسبق ثلاثة محاور رئيسية تناولتها كلمته، شملت أسباب الوضع الراهن، ومفهوم الإدارة العمرانية الفاعلة، ورؤية تطبيقية لتطوير مدينة الجيزة.

وأوضح أن المدينة تشبه الكائن الحي، فالمبنى السكني قد تمتد دورة حياته إلى نحو 100 عام ويحتاج إلى صيانة دورية، بينما تمتد دورة حياة المدن إلى ما بين 250 و300 عام، وتؤثر في سلوك الإنسان لآلاف السنين، ما يجعلها بحاجة إلى رعاية وصيانة مستمرة لتجنب التدهور.

وفنّد العادلي عددًا من الأسباب التي يُشار إليها باعتبارها عوامل رئيسية للضعف العمراني، موضحًا أن أخطاء المخططات العمرانية محدودة وليست السبب الأساسي، كما أن التمويل لا يمثل عائقًا حاسمًا إذا توافرت الفكرة والتمويل الأولي (Seed Money)، القادر على خلق قيمة مضافة للمستثمر، مستشهدًا بإمكانية جذب 3 إلى 4 جنيهات من القطاع الخاص مقابل كل جنيه حكومي. كما أشار إلى أن التشريعات ليست العامل الأكثر تأثيرًا، مؤكدًا أن السبب الرئيسي يتمثل في غياب منظومة فاعلة لإدارة العمران.

وتناول ظاهرة النمو العمراني السريع، موضحًا أن الهجرة من الريف إلى المدن تتزايد عالميًا، مع توقع وصول نسبة سكان المدن إلى 70% من إجمالي سكان العالم بحلول عام 2030. وفي مصر، أشار إلى تركز نحو 56% من السكان في محافظتين أو مناطق محددة، مثل القاهرة والإسكندرية.

واستعرض التطور التاريخي للقاهرة، موضحًا أنها كانت قبل قرن تنافس مدنًا عالمية مثل باريس ولندن ونيويورك، وحصلت على جوائز باعتبارها من أفضل المدن، قبل أن يؤدي التوسع العمراني المتسارع، بدءًا من أواخر سبعينيات القرن الماضي، وخاصة خلال آخر 25 إلى 50 عامًا، إلى مضاعفة مساحتها عدة أضعاف، وما ترتب على ذلك من ظهور العشوائيات والتعدي على الأراضي الزراعية والازدحام المروري، فضلًا عن الضغط على شبكات المياه والكهرباء والصرف، التي لم تتطور بما يتناسب مع الزيادة السكانية.

الإدارة العمرانية الفاعلة.. ربط الرؤية بالقرار والتنفيذ

أكد الدكتور خالد زكريا العادلي أن المدن تمثل محركًا اقتصاديًا عالميًا، وتولد أكثر من 50% من الناتج العالمي، مشيرًا إلى أن الإدارة الناجحة للمدن تعتمد على جذب الاستثمارات وتوليد الموارد ذاتيًا، دون الاعتماد الكامل على الدولة.

وأوضح أن الإدارة العمرانية الفاعلة تتطلب الربط بين الرؤية والقرار والتنفيذ، من خلال تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والمخاطر (SWOT Analysis)، ووضع أهداف محددة وقابلة للقياس، إلى جانب التمييز بين الكفاءة والفعالية، بحيث لا تُقاس المشروعات بحجم تنفيذها فقط، وإنما بأثرها الحقيقي وكفاءة استهلاك الموارد.

وضرب مثالًا بزراعة الأشجار التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه دون توفير ظل حقيقي للمشاة، مؤكدًا ضرورة مراعاة النتائج الفعلية للمشروعات.

كما تناول محافظ الجيزة الأسبق أهمية إدارة الأنشطة وأصحاب المصلحة، بما يشمل القطاع الخاص والمجتمع المدني والأنشطة البشرية المختلفة، مستعرضًا تجربة شارع فيصل، عندما نزل ميدانيًا للتواصل مع أصحاب المحال والأكشاك وإقناعهم بضرورة إخلاء الأرصفة للمشاة، بدلًا من الاكتفاء بالحلول الأمنية والإزالة القسرية التي قد تنتهي بزوال الحراسة.

وأشار إلى أن تغيير الأنشطة واستخدامات الأراضي يؤثر مباشرة على حركة المرور وقيم العقارات، ما يستلزم الاعتماد على تكنوقراط من الدرجة الأولى وبناء مؤسسات قوية، مع الفصل بين الدور السياسي للمحافظ والجانب الفني والتنفيذي.

سبعة أهداف لدورة الإدارة العمرانية

استعرض محافظ الجيزة الأسبق الأهداف الرئيسية للإدارة العمرانية الفاعلة، والتي تشمل تطوير البنية التحتية والمرافق، وتوفير السكن الملائم والميسر وتحقيق العدالة المكانية، والتوزيع العادل للخدمات الصحية والتعليمية والثقافية، وتحسين جودة الحياة من خلال المساحات الخضراء والمناطق المفتوحة، ورفع الإنتاجية وتوفير فرص العمل، وتخفيف حدة الفقر بالشراكة مع الجمعيات الأهلية والقطاع الخاص، إلى جانب حماية البيئة الطبيعية.

وأوضح أن دورة الإدارة العمرانية تتضمن سبع مراحل أساسية، تبدأ بالتخطيط الاستراتيجي والتفصيلي المتوافق مع احتياجات المجتمع والواقع، ثم التنسيق بين الوزارات المركزية والسلطات المحلية، وتوفير الموارد المعلوماتية والمؤسسية والمالية، بما في ذلك قواعد البيانات ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، ثم التنفيذ، والتشغيل والصيانة، وأخيرًا المتابعة والتقييم لضمان المرونة العمرانية والقدرة على التعامل مع الأزمات الطارئة.

وقارن بين النموذج الأوروبي الذي قد يخصص من 5 إلى 7 سنوات للدراسة وسنة واحدة للتنفيذ، وبين الاستعجال في التخطيط المحلي، الذي قد يؤدي إلى أخطاء تستغرق سنوات لإصلاحها. كما شدد على أهمية تحقيق التوازن بين المكاسب السياسية السريعة والخطط الاستراتيجية طويلة الأجل التي قد تمتد إلى 30 عامًا.

وتطرق إلى العوائق الهيكلية التي تواجه الإدارة المحلية، ومنها انشغال رؤساء الأحياء بسياسة «إطفاء الحرائق» نتيجة الكثافات السكانية الهائلة، إذ يخدم الحي الواحد ما بين 500 و800 ألف نسمة، وغياب المكاتب الفنية الداعمة لمتخذ القرار، فضلًا عن ضعف الحماية القانونية للمسؤولين والتكنوقراط، بما يؤدي إلى ما وصفه بـ«الأيدي المرتعشة» في اتخاذ القرارات.


تناول الدكتور خالد زكريا العادلي، محافظ الجيزة الأسبق والأكاديمي والخبير الدولي في العمران عددًا من المقومات الأساسية لجودة الحياة، من بينها المرونة والاتصالية والتنافسية، بحيث تكون المدينة متصلة تقنيًا وتاريخيًا وثقافيًا بما يحيط بها.

كما عرض مفهوم «مدينة الـ15 دقيقة»، الذي يقوم على إعادة التوزيع المكاني للخدمات بما يتيح للمواطن الوصول إلى احتياجاته الأساسية والمدارس والمتاجر مشيًا خلال فترة تتراوح بين 5 و15 دقيقة.

وشدد على أهمية منظومة النقل الشامل ومتعدد الوسائط، التي تعتمد على الحافلات السريعة (BRT) والمترو والنقل النهري ومسارات الدراجات، بهدف تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة. كما أكد ضرورة الحفاظ على الهوية العمرانية المميزة لكل حي، وتعزيز المشاركة المجتمعية والاعتماد على العمالة المحلية بما يدعم الانتماء.

رؤية تطبيقية لتطوير مدينة الجيزة

عرض الدكتور خالد زكريا العادلي الخطوط العريضة للحلم والمخطط الاستثماري والعمراني الذي وضعه لمدينة الجيزة، موضحًا أنه تمكن من جمع 82 مليون جنيه من متأخرات إيجارات غير محصلة، وتخصيصها لتطوير حديقة الأورمان.

وتضمن المحور الخاص بالطرق والنقل المتكامل إدخال نظام الحافلات عالية الجودة والسريعة (BRT)، باعتباره حلًا ماليًا وفنيًا يناسب إمكانيات المحافظة، مع الإشارة إلى قدرة النظام على استيعاب نحو 35 ألف راكب في الساعة، وبكلفة إنشاء أقل بكثير من الأنفاق والقطارات الكهربائية.

كما شمل المخطط إنشاء أربع محطات أنفاق ومحطات تبادلية كبرى تحت الأرض، تضم جراجات ومحطات أوتوبيسات مركزية ومراكز تجارية، لربط مترو الخط الرابع والقطارات وحافلات BRT والنقل النهري.

وتضمن التصور نقل حركة السيارات أمام جامعة القاهرة إلى أنفاق تحت الأرض، وإنشاء ساحة مفتوحة للمشاة تربط الجامعة بالحدائق، إلى جانب استغلال الأراضي المطلة على النيل وتطوير حديقة الحيوان لإنشاء مناطق مفتوحة للمواطنين، مع طرح فكرة إعادة استغلال الأراضي المطلة على النيل لإقامة فندق سبع نجوم وتوفير بدائل للمواقع الخدمية القائمة بما يحقق موارد للمحافظة.

خبرات ميدانية وأمثلة من واقع الإدارة

استعرض الدكتور خالد زكريا العادلي، محافظ الجيزة الأسبق والأكاديمي والخبير الدولي في العمران عددًا من الوقائع التي تعكس خبرته الميدانية، من بينها نزوله بنفسه إلى المتظاهرين أمام مقر المحافظة عقب أحداث عام 2014، والاستماع إلى مطالبهم عبر ممثل محدد، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي.

كما أشار إلى أنه، رغم وجود ما بين 8 آلاف و9 آلاف موظف في محافظة الجيزة، لم يجد موظفًا واحدًا يجيد كتابة رد باللغة الإنجليزية على خطابات رسمية وردت إلى المحافظة، مستشهدًا بذلك على الحاجة إلى التأهيل الفني والإداري.

وضرب مثالًا برئيس حي قام بدهان الحجر الطبيعي بالبوية نتيجة غياب التدريب والتأهيل الفني المناسب، كما تناول تجربة مواجهة احتلال معارض السيارات للأرصفة، من خلال منح رؤساء الأحياء ضبطية قضائية وتطبيق غرامة قدرها 1000 جنيه يوميًا عن كل إطار سيارة يتجاوز خط المحل، ما دفع المعارض إلى الالتزام.

وانتقد ارتفاع الأرصفة في بعض الشوارع بصورة تجعل استخدامها صعبًا على كبار السن، مستشهدًا بمن تتراوح أعمارهم بين 80 و90 عامًا. كما استخدم تشبيه إضافة أدوار جديدة إلى عمارة مكونة من أربعة أدوار دون تطوير موتور المياه أو زيادة قطر المواسير، موضحًا أن النتيجة الطبيعية تتمثل في عدم وصول المياه إلى الأدوار الجديدة.

وفي سياق آخر، أشار إلى تجربة عمدة موسكو الذي استطاع خلال 10 سنوات إحداث طفرة بالمدينة عبر جذب أربعة روبلات من القطاع الخاص مقابل كل روبل حكومي، من خلال خطط استثمارية واضحة. كما تناول واقعة نزاع قضائي عام 2015 حول قطعة أرض، صدرت بشأنها أحكام متضاربة، واستغرق حسمها سبع سنوات بعد إحالتها إلى المحكمة الدستورية، معتبرًا أن مثل هذه الوقائع توضح المخاطر القانونية التي تواجه المسؤولين.

نقاش حول مستقبل الإدارة المحلية

شهدت المحاضرة نقاشًا موسعًا بين الدكتور خالد زكريا العادلي، محافظ الجيزة الأسبق والأكاديمي والخبير الدولي في العمران والمشاركين حول مستقبل الإدارة المحلية وانتخابات المجالس الشعبية المحلية، ودور الشباب في الحياة السياسية، ومستقبل اللامركزية وآليات تمثيل مختلف الفئات.

وخلال فقرة الأسئلة والأجوبة، أكد الدكتور خالد زكريا العادلي ضرورة إعادة تقسيم الأحياء الكبرى إلى أحياء أصغر لتسهيل الإدارة الميدانية، وإنشاء مكاتب فنية من التكنوقراط في كل محافظة لدعم وضع الخطط الاستراتيجية، بغض النظر عن الخلفية السياسية أو العسكرية للمحافظ.

كما أوضح الدكتور خالد زكريا العادلي، محافظ الجيزة الأسبق والأكاديمي والخبير الدولي في العمران  أن المجالس المحلية المنتخبة يجب أن تؤدي دور الشريك والناقل الأمين لاحتياجات الشارع، بما يشبه «شيخ الحارة»، لمساعدة الجهاز التنفيذي، وليس الاكتفاء بدور المحاسبة. وأشار إلى أن قياس كفاءة الإدارة المحلية يرتبط بمدى تطبيق مراحل دورة الإدارة العمرانية وتحقيق معايير جودة الحياة على أرض الواقع.

من جانبها، أكدت النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن «البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات» يستهدف إعداد جيل جديد من الكوادر القادرة على المشاركة في الحياة العامة والعمل السياسي والإدارة المحلية، موضحة أن البرنامج يستمر لمدة شهر، ويتضمن محاضرات ولقاءات تدريبية حول الإدارة المحلية والتشريعات المنظمة لها وأسس العمل السياسي وآليات المشاركة المجتمعية.

ويأتي البرنامج في إطار توجه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية نحو دعم وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والاستفادة من خبرات الشخصيات السياسية والتنفيذية والأكاديمية، بما يسهم في إعداد كوادر محلية تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع احتياجات المواطنين والتحديات التي تواجه المجتمعات المحلية.