من خط الطبيب إلى قاعدة البيانات..
أزمة الروشتة الإلكترونية تشعل الجدل بين الصيادلة والأطباء
لم تعد الروشتة الطبية مجرد ورقة يحملها المريض من عيادة الطبيب إلى الصيدلية، فخطأ واحد في قراءة اسم دواء أو جرعته قد يحولها من وسيلة للعلاج إلى مصدر للخطر، وهو ما أعادته واقعة الطفلة مكة إلى الواجهة، بعدما تناولت دواءً للصرع بدلًا من دواء للبرد نتيجة خطأ في قراءة الروشتة، لتفتح الواقعة بابًا واسعًا أمام أسئلة تتجاوز المسؤولية عن الخطأ نفسه، إلى شكل المنظومة التي تسمح بحدوثه من الأساس.
ففي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات إلى التخلص من الروشتات المكتوبة بخط اليد، والاعتماد على الوصفات المطبوعة أو الإلكترونية، تبرز أسئلة أخرى حول مدى جاهزية المستشفيات والعيادات والصيدليات للتحول الرقمي، وما إذا كانت المشكلة في نقص البنية التحتية فعلًا، أم أن أدوات الحل أصبحت متاحة وتنتظر فقط قرارًا ملزمًا بالتطبيق.
وفي هذا السياق، تحركت نقابة الصيادلة رسميًا، وخاطبت وزير الصحة للمطالبة بإلزام مقدمي الخدمة الصحية باستخدام الوصفات الطبية المطبوعة أو الإلكترونية بدلًا من الروشتات المكتوبة بخط اليد، تفاديًا للأخطاء الدوائية الناتجة عن عدم وضوح الكتابة.
وأكدت النقابة أن الخط اليدوي قد يكون أحد أسباب الأخطاء الدوائية، خصوصًا عند تشابه أسماء الأدوية أو صعوبة تحديد الجرعات، وهو ما قد يترتب عليه مضاعفات صحية خطيرة، فضلًا عن إهدار الوقت والجهد عندما يضطر الصيدلي إلى التواصل مع الطبيب للتأكد من تفاصيل الوصفة قبل صرف الدواء.
ولم تكتفِ النقابة بالمطالبة بطباعة الروشتة، وإنما دعت إلى اعتماد نظام رقمي موحد للوصفات الطبية، بما يسمح بربط قواعد بيانات صرف الأدوية، وتتبع التاريخ الدوائي للمريض، بما يشمل الأدوية والجرعات المصروفة والتداخلات الدوائية المحتملة.
وترى النقابة أن هذا التحول من شأنه تعزيز سلامة المرضى، وتسريع عملية صرف الأدوية، وتقليل العبء التشغيلي على الصيدليات، فضلًا عن تطوير منظومة الرعاية الصحية بصورة أكثر تكاملًا.
حماية المريض
ومن جانبه، أكد الدكتور ثروت حجاج، عضو مجلس نقابة الصيادلة، أن أزمة الروشتة لا يمكن اختزالها في نقطة واحدة، مشيرًا إلى أنها تضم عدة جوانب، يبدأ أولها من الطبيب الذي يكتب الوصفة الطبية.
وأوضح «حجاج» -في تصريح لـ«النبأ»- أن طباعة الروشتة تمثل الحل الأسهل والأسرع لتفادي الأخطاء الإملائية، متسائلًا عن سبب عدم مبادرة الطبيب إلى طباعة الوصفة، حتى باستخدام طابعة بسيطة يمكن ربطها بالهاتف.
وضرب مثالًا بواقعة الطفلة التي تناولت دواءً للصرع بدلًا من دواء البرد، قائلًا: «هل هناك طبيب في عيادته لا يملك القدرة على إحضار طابعة من الموبايل على أقل تقدير؟»، مضيفًا: «أقل ما يمكننا عمله لا نستطيع تحقيقه».
وتابع: الأزمة لا تتوقف عند خط الطبيب، وإنما تمتد إلى طريقة وصف الدواء نفسها، وتحديدًا الإصرار على كتابة الأسماء التجارية بدلًا من الأسماء العلمية.
وأشار «حجاج» إلى أن هناك دولًا تضع قواعد حازمة تلزم الطبيب بكتابة الاسم العلمي للدواء، مستشهدًا بما هو معمول به في السعودية، حيث قد تصل العقوبة على الطبيب المخالف إلى فسخ التعاقد معه إذا كان طبيبًا وافدًا.
وأوضح أن الهدف من كتابة الاسم العلمي يجب أن يكون في المقام الأول حماية مصلحة المريض، بعيدًا عن استغلال الروشتة لتحقيق مصالح أو منافع لشركات دوائية بعينها.
وأكد أن الاعتماد على الاسم العلمي يمنح المريض فرصة أكبر لاختيار الدواء وفقًا لقدراته المادية وميزانيته، خاصة أن المادة الفعالة الواحدة قد تتوافر في مستحضرات تحمل أسماء تجارية مختلفة وبأسعار متفاوتة.
وأضاف أن الاسم العلمي يضمن كذلك توافر البدائل، إذ قد تحمل المادة الفعالة الواحدة عشرات الأسماء التجارية، وهو ما يظهر، حسب حجاج، في عيادات التأمين الصحي، حيث يتقبل المريض تغيير الاسم التجاري مع ثبات المادة الفعالة.
ولفت «حجاج» إلى أن كثرة الأصناف التجارية تمثل عبئًا على الصيدليات، إذ تؤدي إلى سحب دواء على حساب آخر، وهو ما قد يضر ببعض الأدوية التي تتمتع بجودة عالية وسعر منخفض، لكنها لا تمتلك القدرة نفسها على الترويج.
وأشار إلى أن بعض شركات القطاع العام قد تكون من بين المتضررين من هذا الوضع، موضحًا أن تراكم الأصناف داخل الصيدليات يمثل ضغطًا أكبر على الصيدليات الصغيرة، وقد يعرض بعضها للإفلاس.
«الروشتة الإلكترونية»
أما الجانب الثالث، والأكثر أهمية من وجهة نظر «حجاج»، فيتعلق بالانتقال من مجرد الروشتة المطبوعة إلى منظومة إلكترونية متكاملة، وهو ما يرى أنه يحتاج إلى تدخل وإرادة من الدولة.
وأوضح أن مصر تحتاج إلى الاقتراب من النماذج المطبقة في دول الخليج، والتي لا تعتمد في المستشفيات والعيادات على التعامل الورقي بالصورة التقليدية، وإنما يتم تسجيل بيانات المريض وتشخيصه وروشتته داخل قاعدة بيانات إلكترونية مترابطة.
وبموجب هذه المنظومة، يستطيع المريض عند التوجه إلى الصيدلية تقديم الرقم الخاص به، ليتمكن الصيدلي من الدخول إلى بيانات الوصفة والاطلاع على الدواء الموصوف وصرفه.
وأشار «حجاج» إلى أن هذه المنظومة لا تضمن فقط وصول الدواء الصحيح إلى المريض، وإنما توفر حماية أكبر لحقوق جميع الأطراف؛ إذ يمكن الرجوع إلى البيانات في حالة وجود خطأ في التشخيص أو العلاج، كما يمكن للطبيب الاطلاع على التاريخ المرضي للمريض، وهو ما قد يكون حاسمًا في بعض الحالات الخطرة.
مشكلات البنية التحتية
في المقابل، يرى الدكتور خالد أمين، الأمين المساعد لنقابة الأطباء، أن تطبيق الروشتة الإلكترونية خطوة ضرورية، لكنه شدد على أن نجاحها يتطلب أولًا بناء منظومة متكاملة تربط جهات تقديم الخدمة الطبية بالصيدليات.
وقال «أمين»، خلال تصريحات إعلامية، إنه يأمل في تطبيق الروشتة الإلكترونية، إلا أن ذلك يتطلب بنية تحتية تقنية وإدارية قادرة على استيعاب النظام وربط جميع الأطراف المعنية.
وأوضح أن تطبيق الروشتة الرقمية بشكل شامل داخل المستشفيات الجامعية ومستشفيات وزارة الصحة يواجه في الوقت الحالي تحديات، من بينها ضعف البنية التحتية التقنية في بعض المنشآت مقارنة بما هو متاح في القطاع الخاص، وبالتالي، فإن الانتقال إلى النظام الإلكتروني لا يتوقف على إصدار قرار فقط، وإنما يحتاج إلى توفير الأجهزة والأنظمة والبرمجيات، إلى جانب تدريب الأطباء والصيادلة والعاملين على استخدامها، حتى لا يتحول النظام الجديد نفسه إلى مصدر لتعطيل الخدمة.
التأمين الصحي الشامل
وأشار أمين إلى أن الروشتة الإلكترونية موجودة بالفعل داخل منظومة التأمين الصحي الشامل في المحافظات التي دخلت المنظومة، مؤكدًا أن التجربة أثبتت جدواها، وهو ما يمكن البناء عليه والتوسع فيها تدريجيًا.
وأكد أن التحول الرقمي يمكن أن يسهم في الحد من الأخطاء الناتجة عن عدم وضوح الكتابة اليدوية، فضلًا عن ضبط صرف الأدوية والحد من التلاعب بالوصفات الطبية، بما يساعد على تقليل الهدر وتحسين إدارة الموارد.
وشدد الأمين المساعد لنقابة الأطباء على أن نجاح المشروع يحتاج إلى تنسيق بين مختلف الجهات، وعلى رأسها وزارات الصحة والتعليم العالي والاتصالات، باعتبار أن الروشتة الإلكترونية ليست نظامًا منفصلًا يمكن تشغيله داخل عيادة أو صيدلية بمعزل عن باقي المنظومة.







