الحوثيون يقتربون من باب المندب.. لماذا تثير تحركاتهم مخاوف على الملاحة العالمية؟
لم تعد تحركات الحوثيين على الساحل الغربي لليمن مجرد تطور ميداني في مسار الحرب اليمنية، بل باتت تحمل تداعيات إقليمية ودولية متزايدة، في ظل وصول نفوذهم إلى مناطق استراتيجية بالقرب من مضيق باب المندب، من بينها مدينة ذباب وجزيرة بريم.
وتنبع أهمية هذه التطورات من الموقع الجغرافي لهذه المناطق، التي تطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة العالمية وشحنات الطاقة.
ويثير تمدد الحوثيين بالقرب من المضيق مخاوف بشأن قدرتهم على التأثير في حركة الملاحة الدولية، خاصة إذا تحولت المناطق الساحلية والجزر القريبة من باب المندب إلى نقاط متقدمة للمراقبة أو تنفيذ الهجمات، بما قد ينقل تداعيات الصراع اليمني إلى مستوى أوسع يمس أمن الملاحة العالمية.
ماذا تعني سيطرة الحوثيين على مناطق باب المندب؟
يقع مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، بين اليمن من ناحية وشواطئ جيبوتي وإريتريا من الجانب الأفريقي، ويُعد أحد الممرات البحرية الأكثر حساسية في المنطقة، نظرًا لدوره في ربط طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
ويبلغ عرض المضيق عند أضيق نقطة نحو 29 كيلومترًا، وتوجد فيه جزيرة بريم اليمنية، المعروفة أيضًا باسم جزيرة ميون، والتي تبلغ مساحتها نحو 13 كيلومترًا مربعًا.
وتكتسب المناطق والجزر القريبة من المضيق أهمية إضافية بالنسبة لحركة الملاحة، إذ يمكن للسيطرة عليها أن توفر مواقع متقدمة لمراقبة السفن العابرة.
كما تقع إلى الشمال جزر حنيش بين مدينتي الحديدة والمخا الساحليتين، بينما تسيطر جماعة الحوثيين على مدينة الحديدة، التي سبق أن استخدمتها قاعدة لانطلاق هجمات استهدفت الملاحة في البحر الأحمر.
ما أهمية جزيرة بريم؟
وأفادت مصادر حكومية يمنية، وفق ما أوردته وكالة «رويترز»، بوصول الحوثيين إلى مدينة ذباب الواقعة مباشرة على مضيق باب المندب، مقابل جزيرة بريم.
وتحظى جزيرة بريم بأهمية استراتيجية استثنائية بسبب موقعها عند مدخل المضيق، حيث تشكل نقطة متقدمة للتحكم في ومراقبة حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وتقسم الجزيرة المضيق إلى قناتين بحريتين، شرقية وغربية، وهو ما يمنحها موقعًا جغرافيًا مهمًا لمتابعة حركة الملاحة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية حول العالم.
وتزداد أهمية الجزيرة في ظل الاضطرابات التي شهدتها طرق الملاحة بالمنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي دفعت شركات شحن كبرى إلى تغيير مسارات سفنها لتجنب مناطق التوتر.
ماذا يمر عبر باب المندب؟
يُعد باب المندب أحد أهم طرق نقل السلع والبضائع بحرًا، كما يمثل مسارًا مهمًا لشحنات الطاقة المتجهة بين مناطق الإنتاج والأسواق العالمية.
وأي تعطيل لحركة الملاحة عبر المضيق، حتى لو كان جزئيًا، يمكن أن يدفع السفن إلى سلوك طرق بديلة، أبرزها الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، وهو ما يعني إضافة مسافات طويلة إلى الرحلات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والتشغيل.
وتشير تقديرات إعلامية إلى أن نحو 12% من حجم التجارة العالمية كان يمر عبر باب المندب في الظروف الطبيعية، بمعدل يتراوح بين 60 و80 سفينة يوميًا، قبل أن تتأثر حركة الملاحة نتيجة التوترات والهجمات في البحر الأحمر.
هجمات الحوثيين وتأثيرها على حركة الملاحة
ومنذ أواخر عام 2023، شن الحوثيون سلسلة من الهجمات على سفن في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، معلنين أن تحركاتهم تأتي دعمًا للفلسطينيين في غزة خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع.
وأدت الهجمات إلى تداعيات مباشرة على قطاع النقل البحري، إذ اضطرت شركات شحن ونفط كبرى إلى إعادة توجيه عدد من سفنها بعيدًا عن البحر الأحمر، واختيار طريق رأس الرجاء الصالح بدلًا من المرور عبر باب المندب.
وشملت الشركات التي غيرت مسارات سفنها شركات شحن كبرى مثل هاباج لويد وMSC وميرسك، إلى جانب شركة النفط «بي بي» ومجموعة ناقلات النفط «فرونت لاين».
باب المندب في حسابات الصراع الإقليمي
وتمنح السيطرة أو النفوذ على المناطق القريبة من باب المندب الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، خاصة إذا تزامن ذلك مع استمرار التوترات في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
وتزداد حساسية الوضع مع الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز، الذي يمثل بدوره أحد أهم الممرات العالمية لشحنات النفط والطاقة.
وفي هذا السياق، فإن أي تهديد متزامن للممرين البحريين، باب المندب وهرمز، قد يفرض ضغوطًا إضافية على حركة التجارة والطاقة، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن زيادة المخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية.
وتشير بيانات الشحن إلى أن حركة المنتجات النفطية عبر باب المندب تمثل نسبة مؤثرة من حركة الطاقة العالمية، ما يجعل استقرار الملاحة في المضيق قضية تتجاوز حدود الصراع اليمني لتصبح جزءًا من أمن التجارة والطاقة على المستوى الدولي.

