دار الإفتاء تدرب الباحثين على فتاوى المعاملات المالية
تواصل دار الإفتاء المصرية أعمال الدورة التدريبية «منهجية دار الإفتاء المصرية في فتاوى المعاملات المالية»، من خلال برنامج علمي يجمع بين التأصيل الشرعي والفهم الاقتصادي واللغوي والتقني، تنفيذًا لتوجيهات الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية.
وتستهدف الدورة تأهيل الدارسين للتعامل مع القضايا المالية والمصرفية المستجدة، من خلال فهم طبيعة الاستثمار وأدواته، ودراسة المعاملات البنكية وتكييفها فقهيًا، إلى جانب إكسابهم أدوات التعامل مع النصوص الشرعية، وتوثيق الفتاوى وأرشفتها والاستفادة من المعرفة المتراكمة في تطوير العمل الإفتائي.
الاستثمار بين الرؤية الشرعية والاقتصادية
وخلال محاضرة «الاستثمار: أدواته وأشكاله»، استعرض الدكتور فياض عبد المنعم، المستشار المالي لمفتي الجمهورية ووزير المالية الأسبق، مفهوم الاستثمار من المنظورين الإسلامي والاقتصادي، موضحًا أن المال في التصور الإسلامي وسيلة لتحقيق النفع وليس غاية في ذاته، وأن الشريعة حثت على تنميته واستثماره فيما يحقق الخير.
وأوضح أن النشاط الاقتصادي يشمل الإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار، مشيرًا إلى أن قوة الاقتصاد ترتبط بقدرته على تحويل الموارد والإمكانات إلى إنتاج حقيقي، فيما يمثل الاستثمار أحد المحركات الأساسية للنمو من خلال زيادة الطاقة الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم التنمية.
وتناول أبرز أدوات الاستثمار المشروعة، ومنها العقارات والأراضي والذهب والسلع، والأسهم في الشركات ذات الأنشطة المباحة، والصكوك، وصناديق الاستثمار والوقف، مع التأكيد على ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية وطبيعة الأصول ومصادر العائد.
وأشار إلى أن الشريعة لم تضع قالبًا جامدًا للاستثمار، وإنما أرست قواعد وضوابط تتيح تطوير أدوات استثمارية جديدة بما يتوافق مع أحكامها ومقاصدها.
اللغة العربية أداة أساسية لفهم النص الشرعي
وفي محاضرة «أثر اللغة في فهم النص الشرعي»، أكد الدكتور عبد الفتاح حبيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، أن اللغة العربية تمثل أداة أساسية لفهم كتاب الله وسنة رسوله وسائر النصوص الشرعية، موضحًا أن علوم اللغة من علوم الآلة التي يحتاج إليها الفقيه والمفتي والباحث.
وأشار إلى أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وهو ما يجعل ضعف المعرفة باللغة سببًا محتملًا للخطأ في فهم النص ثم الخطأ في استنباط الحكم الشرعي.
وأوضح أن تأثير اللغة في عملية الاستنباط يمتد إلى فهم دلالات الألفاظ، والتمييز بين الأمر والنهي والإباحة، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، فضلًا عن دراسة الحقيقة والمجاز والإعراب والأساليب البلاغية، مثل التقديم والتأخير والحذف والكناية.
وأكد أن إتقان العربية لا يقتصر على معرفة المفردات والقواعد النحوية والصرفية، وإنما يشمل فهم أساليب العرب وطرائقهم في التعبير، بما يعين المفتي والباحث على فهم النص في سياقه الصحيح.
خبير مصرفي: الحكم الشرعي يتعلق بحقيقة المعاملة
وفي محور المعاملات المصرفية، تناول الدكتور محمد إبراهيم البلتاجي، خبير الاقتصاد المالي والمصارف الإسلامية، موضوع «المعاملات المالية والاستثمارية في القطاع المصرفي - المعاملات البنكية»، مستعرضًا طبيعة العمل المصرفي وأبرز المنتجات والخدمات التي تقدمها البنوك.
وأوضح أن الحكم الشرعي لا يتعلق بالبنك باعتباره كيانًا واحدًا، وإنما يرتبط بطبيعة كل معاملة وعقد على حدة، وهو ما يستلزم دراسة المنتج المصرفي وفهم حقيقته وآلية تنفيذه ثم تكييفه فقهيًا قبل إصدار الحكم الشرعي بشأنه.
وتناول عددًا من المنتجات المصرفية التي تحتاج إلى دراسة مستقلة، ومنها حسابات التوفير والودائع وشهادات الاستثمار والتمويل والقروض وبطاقات الائتمان والتحويلات والاعتمادات المستندية، مع بيان أهمية النظر إلى مصدر العائد وطبيعة العلاقة التعاقدية والرقابة الشرعية.
وأكد أن كثيرًا من الخدمات المصرفية يمكن تقديمها في المصارف الإسلامية من خلال صيغ وعقود وآليات تتوافق مع الضوابط الشرعية، مشددًا على أن العبرة بحقيقة العقد وطبيعة المعاملة وآلية تنفيذها، وليس بمجرد المسميات.
أرشيف دار الإفتاء يضم نحو 120 ألف فتوى
وفي محاضرة «آليات وطرق أرشفة الفتاوى»، أكد الشيخ حازم داود، مدير إدارة التدقيق اللغوي بدار الإفتاء المصرية، أهمية التوثيق والأرشفة في العمل الإفتائي، موضحًا أن الأرشيف يمثل ذاكرة المؤسسة، ويسهم في حفظ المعرفة وتراكم الخبرات والاستفادة منها في التعامل مع المسائل المستجدة.
واستعرض المراحل التاريخية لتوثيق الفتاوى في دار الإفتاء المصرية، موضحًا أن الفتاوى كانت تحفظ في صورتها الورقية منذ عام 1895 وحتى عام 2002، قبل أن تتوسع جهود تنظيم هذا التراث وأرشفته.
وأشار إلى أن أرشيف دار الإفتاء يضم حاليًا نحو 120 ألف فتوى موثقة، إلى جانب جهود نشر التراث الإفتائي، ومنها طباعة فتاوى الشيخ محمد المهدي العباسي في 20 مجلدًا، بما يوفر مادة علمية مهمة للباحثين والدارسين.
الأرشفة الرقمية والذكاء الاصطناعي في خدمة الفتوى
وأوضح الشيخ حازم داود أن الأرشفة لا تقتصر على حفظ الوثائق، وإنما تستهدف بناء قاعدة معرفية مؤسسية تتيح للمفتي والباحث وطلاب الدراسات العليا الرجوع إلى الفتاوى السابقة والاستفادة منها، مع مراعاة اختلاف الوقائع والظروف.
وأشار إلى أن دار الإفتاء أشرفت على نحو 120 رسالة ماجستير ودكتوراه في هذا المجال، مؤكدًا أهمية الانتقال من الأرشيف الورقي إلى الرقمي لما يوفره من سرعة في البحث والاسترجاع وإمكانات أكبر للتصنيف والفهرسة والربط بين الفتاوى والموضوعات والمصادر.
كما لفت إلى أن التطور المتسارع في تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي يفتح المجال أمام الأرشفة الذكية، التي لا تقتصر على التخزين وإنما تمتد إلى التنظيم والتحليل والاسترجاع بكفاءة أكبر، بما يحافظ على التراث الإفتائي ويجعله أكثر قابلية للاستفادة العلمية.
منهج متكامل لصناعة الفتوى المعاصرة
وتتكامل محاور الدورة التدريبية في تقديم رؤية موسعة لمنظومة صناعة الفتوى، تبدأ بفهم الواقع الاقتصادي والاستثماري، مرورًا بدراسة المعاملات المصرفية وتكييفها فقهيًا، والاستناد إلى أدوات اللغة العربية في فهم النصوص، وصولًا إلى توثيق الفتاوى وأرشفتها والاستفادة من تراكم الخبرة المؤسسية.
وتسعى الدورة إلى إعداد مفتين وباحثين قادرين على الجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع والاستفادة من العلوم المتخصصة والتقنيات الحديثة، بما يعزز قدرة دار الإفتاء على التعامل مع النوازل والقضايا المالية المستجدة، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية وتحقيق مصالح الناس.

