رئيس التحرير
خالد مهران

بلاغ عن رشوة في حي الطالبية يكشف شبكة لاستغلال طلبات التصالح ويقود إلى إحالة 3 موظفين للجنايات

بلاغ عن رشوة في حي
بلاغ عن رشوة في حي الطالبية يكشف شبكة لاستغلال طلبات التصالح

لم تبدأ القضية بعملية ضبط داخل أحد المكاتب الحكومية، وإنما ببلاغ تقدم به محامٍ يتولى متابعة طلبات التصالح على مخالفات البناء، أكد فيه أنه تعرض لطلبات مالية من بعض الموظفين المختصين بحي الطالبية مقابل إنهاء الإجراءات الخاصة بملفات التصالح التي يتولى متابعتها نيابة عن موكليه.

البلاغ، الذي تلقته الجهات المختصة، تضمن تفاصيل عن مبالغ مالية طُلبت مقابل تسريع إنهاء الطلبات، الأمر الذي دفع إلى فتح تحقيقات موسعة للوقوف على مدى صحة ما ورد به، قبل اتخاذ أي إجراءات قانونية.

تحريات ورصد للوقائع

باشرت هيئة الرقابة الإدارية تحرياتها عقب تلقي البلاغ، وبحسب ما أثبتته التحقيقات، أسفرت التحريات عن صحة المعلومات الواردة، وأن عددًا من الموظفين المختصين بملفات التصالح داخل حي الطالبية يرتبطون بطلب مبالغ مالية من المتعاملين مع الحي مقابل تسهيل وإنهاء الإجراءات.

وعلى ضوء تلك النتائج، استصدرت النيابة العامة إذنًا بمراقبة وتسجيل اللقاءات والمحادثات الهاتفية التي تتم بين مقدم البلاغ والمتهمين، بهدف توثيق الوقائع وإثباتها بالأدلة الفنية.

طلبات تصالح تتحول إلى مفاوضات مالية

كشفت التحقيقات أن مقدم البلاغ كان يتابع إجراءات التصالح الخاصة بعقارين يقعان بدائرة حي الطالبية، أحدهما بشارع المليجي المتفرع من شارع ضياء بمنطقة الهرم، والآخر بشارع ركن الصفا.

وأوضحت أوراق القضية أن المتهمين طلبوا في البداية مبلغًا ماليًا كبيرًا مقابل إنهاء إجراءات التصالح الخاصة بالعقارين، قبل أن تستمر المفاوضات بين الطرفين خلال عدة لقاءات انتهت بالاتفاق على تخفيض المبلغ المطلوب إلى سبعين ألف جنيه مقابل إنهاء أحد ملفات التصالح.

وأشارت التحقيقات إلى أن الاتفاق لم يكن متعلقًا بإنجاز معاملة عادية، وإنما بسرعة إنهاء الإجراءات الإدارية الخاصة بالتصالح، وهي أعمال تدخل في نطاق الاختصاص الوظيفي للمتهمين.

التسجيلات توثق ما دار بين الأطراف

اعتمدت التحقيقات على تسجيلات صوتية ومرئية تمت بإذن من النيابة العامة، وأوضحت الأوراق أن تلك التسجيلات وثقت اللقاءات التي جمعت المتهمين بمقدم البلاغ، كما رصدت المحادثات الهاتفية التي جرى خلالها الاتفاق على قيمة المبلغ وموعد ومكان تسليمه.

وأثبتت التحقيقات أن أحد المتهمين تولى التواصل مع مقدم البلاغ لتحديد موعد اللقاء النهائي داخل مقر حي الطالبية، تمهيدًا لتسلم المبلغ المالي.

إعداد الكمين داخل مقر الحي

بعد اكتمال عناصر التحريات، تم تجهيز مبلغ سبعين ألف جنيه بإشراف الجهات المختصة وتسليمه لمقدم البلاغ، الذي توجه إلى مقر حي الطالبية في الموعد المتفق عليه.

وبحسب ما ورد في التحقيقات، قام أحد المتهمين بتوجيهه إلى مكتب المتهمة الثالثة لتسليم المبلغ، حيث كان المتهم الأول موجودًا داخل المكتب.

وفور تسليم الأموال، تدخلت القوة المكلفة بتنفيذ إذن النيابة العامة وألقت القبض على المتهمين الأول والثالثة، بينما كان المتهم الثاني قد تولى ترتيب عملية التسليم، وفق ما جاء بأوراق القضية.

ضبط مبالغ مالية أخرى

لم تتوقف عملية الضبط عند مبلغ الرشوة محل الواقعة، إذ أسفرت إجراءات الضبط والتفتيش عن العثور على مبلغ مالي آخر بلغ اثنين وثمانين ألف جنيه.

وذكرت التحريات أن هذا المبلغ يمثل حصيلة مبالغ مالية حصل عليها المتهمون من متعاملين آخرين مع حي الطالبية مقابل سرعة إنهاء طلباتهم، وهي الوقائع التي أدرجتها النيابة ضمن الاتهامات المسندة إليهم.

الشهود يحددون مسؤوليات كل متهم

استمعت النيابة العامة إلى عدد من الشهود، كان في مقدمتهم مقدم البلاغ، الذي سرد تفاصيل اللقاءات والمفاوضات التي سبقت عملية الضبط، إلى جانب عضو هيئة الرقابة الإدارية الذي تولى إجراء التحريات والإشراف على تنفيذ إذن النيابة.

كما استمعت النيابة إلى مديرة إدارة الشؤون القانونية بحي الطالبية، التي أوضحت طبيعة الاختصاصات الوظيفية للمتهمين، مؤكدة أن مدير إدارة التنظيم يتولى مراجعة واعتماد ملفات التصالح، بينما يختص فني التنظيم بمتابعة الملفات وعرضها على اللجنة الفنية، في حين تتولى موظفة المركز التكنولوجي استلام طلبات التصالح ومراجعتها وتسجيلها إلكترونيًا وحفظ ملفاتها.

وأكدت كذلك أن الطلبات التي كان يتابعها مقدم البلاغ تدخل ضمن اختصاصات المتهمين الوظيفية.

اعترافات ضمن التحقيقات

تضمنت أوراق القضية أقوالًا للمتهم الأول أقر فيها بطبيعة اختصاصه الوظيفي والإجراءات المتبعة في مراجعة واعتماد ملفات التصالح.

كما تضمنت التحقيقات اعترافات منسوبة إلى المتهمة الثالثة، أقرت خلالها بالحصول على مبلغ السبعين ألف جنيه لها وبالاشتراك مع المتهمين الآخرين مقابل إنهاء إجراءات أحد طلبات التصالح، كما أقرت – وفق ما ورد بالتحقيقات – باعتياد الحصول على مبالغ مالية من بعض المتعاملين مع الحي مقابل تسهيل الإجراءات وتقاسمها مع المتهمين الآخرين.

أدلة فنية دعمت الاتهامات

اعتمدت النيابة كذلك على التسجيلات المأذون بها، والتي قالت إنها تضمنت طلب المقابل المالي والاتفاق على تسليمه، فضلًا عن تقرير خبير الأصوات بالهيئة الوطنية للإعلام، الذي انتهى إلى مطابقة أصوات وصور أطراف الواقعة لما ورد بالتسجيلات، وهو ما اعتبرته النيابة من بين أدلة الإثبات في القضية.