رئيس التحرير
خالد مهران

علي الهواري يكتب: كلمة أخيرة في حق الأسطورة ميسي.. المبادئ لا تتجزأ

علي الهواري يكتب:
علي الهواري يكتب: كلمة أخيرة في حق الأسطورة ميسي

ميسي يكشف تجار الوطنية والدين والعروبة

الصحفي الحقيقي يواجه الشائعات ولا يكررها

جهل وفقر ثقافي أم تضليل وجرى وراء التريند؟

من يهاجم الأرجنتين يشجع إنجلترا.. أين المبدأ؟

عندما يتحول الإعلام الشعبي إلى أداة لتزييف الوعي

الرياضة لغة الشعوب.. فلماذا يصر البعض على تلويثها بالسياسة؟

لا تحاسبوا اللاعبين على دياناتهم وجنسياتهم ولون بشرتهم

لا أحد يملك احتكار الوطنية أو العروبة أو الإسلام

القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى أكاذيب.. ورفض إسرائيل ليس كراهية لليهود

ميسي ليس مسؤولًا عن خروج مصر من المونديال

نجمي المفضل رونالدو.. إذن القضية ليست تعصبًا لميسي

بعد خسارة المنتخب المصري أمام المنتخب الأرجنتيني في بطولة كأس العالم، شنّ بعض من يقدّمون أنفسهم باعتبارهم صحفيين أو مثقفين هجومًا ضاريًا على النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، وعلى منتخب الأرجنتين، بل وصل الأمر إلى مهاجمة الشعب الأرجنتيني بأكمله واتهامه بالخيانة وموالاة اليهود والصهاينة.

ولم يكتفِ هؤلاء بالهجوم الرياضي، بل رفعوا شعارات وطنية وسياسية ودينية وعروبية وإسلامية وأيديولوجية، واتهموا ميسي بأنه يهودي وصهيوني ومناصر لإسرائيل، كما اتهموا كل من يخالفهم الرأي بالخيانة للوطن والعروبة والإسلام والقضية الفلسطينية، وبمناصرة اليهود والصهاينة.

والحقيقة أن ما حدث كشف، في رأيي، عن جهل واضح بالحقائق، وعن ازدواجية في المعايير، وعن سوء استخدام للشعارات الكبرى، بل وعن رغبة لدى البعض في تحقيق الشهرة وإثبات الوجود واستغلال القضايا الوطنية والدينية والسياسية لجذب الانتباه، أكثر من كونه دفاعًا حقيقيًا عن مصر أو فلسطين أو الإسلام.

ويمكن إثبات ذلك من خلال عدد من الحقائق والملاحظات:

أولًا: المبادئ لا تتجزأ

من المعروف أن المبادئ الحقيقية لا تتجزأ، وأن من يؤمن بالعدل يجب أن يطبقه على الجميع، حتى على من يختلف معه في الدين أو العقيدة أو الجنسية أو الفكر، وهذه قاعدة راسخة في الإسلام، يقول الله تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ المائدة: 8

فإذا كنت تعادي الأرجنتين أو ميسي بدعوى أنهما يناصران اليهود أو إسرائيل، فعليك أن تطبق المعيار نفسه على الجميع، دون انتقائية أو تفرقة.

لكن هذا لم يحدث من جانب بعض من يصفون أنفسهم بأنهم صحفيون أو مثقفون.

ففي الوقت الذي يتهمون فيه الأرجنتين وميسي بموالاة اليهود، نجدهم يشجعون الأندية الإنجليزية، ويتابعون الدوري الإنجليزي، ويفتخرون بلاعبيه، ويتباهون بمحمد صلاح الذي يحترف في إنجلترا.

وهنا لا بد من طرح سؤال واضح: إذا كان معياركم هو موقف الدول من إسرائيل، فلماذا لا تطبقون المعيار نفسه على إنجلترا؟

فإنجلترا هي الدولة التي أصدرت وعد بلفور، الذي شكل إحدى أهم المقدمات التاريخية لإنشاء الكيان الإسرائيلي في فلسطين، كما أن الولايات المتحدة وبريطانيا وعددًا من الدول الأوروبية كانت من أبرز الداعمين لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، خصوصًا خلال حرب الإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

ومع ذلك، لا نرى هؤلاء يطالبون بمقاطعة الأندية الإنجليزية أو الأوروبية، ولا يتهمون جماهيرها وشعوبها بالخيانة، بل يشجعونها ويتابعونها ويحتفون بنجومها.

أما الأرجنتين، التي جرى تصويرها وكأنها رأس الحربة في دعم إسرائيل، فهي من الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، كما أن الشعب الأرجنتيني ليس كتلة واحدة، ولا يمكن اختزال مواقفه السياسية والإنسانية في اتهامات تطلقها حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي.

إن القضية هنا ليست الدفاع عن الأرجنتين أو مهاجمة بريطانيا، وإنما السؤال عن المبدأ: لماذا تستخدمون معيارًا مع دولة ولا تستخدمونه مع دولة أخرى؟

المبادئ لا تكون مبادئ إذا تم تطبيقها على من نختلف معهم فقط.

ثانيًا: ميسي ليس يهوديًا 

من أكثر الادعاءات التي انتشرت خلال الفترة الأخيرة أن ليونيل ميسي يهودي.

لكن المعلومات المتاحة عنه تشير إلى أنه مسيحي كاثوليكي، ولا توجد أدلة موثوقة تثبت أنه يهودي.

كما أن كثيرًا مما يتداول حول علاقة ميسي بإسرائيل أو دعمه لها يستند إلى شائعات أو صور أو روايات غير موثقة، ولا يجوز بناء أحكام قاطعة على معلومات لم يتم التحقق منها.

فليس كل ما ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حقيقة، وليس كل ما يلقى رواجًا يصبح معلومة موثوقة.

وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية الصحفي والإعلامي والمثقف، الذي يفترض أن يتحقق من المعلومات، لا أن يكرر الشائعات لمجرد أنها تخدم موقفًا أو تحظى بقبول جماهيري.

ثالثًا: ضرب ميثاق الشرف الصحفي والإعلامي عرض الحائط

من المعروف أن المهمة الأساسية للصحفي والإعلامي والمثقف هي البحث عن الحقيقة، ومواجهة الشائعات والتضليل، وتحري الدقة والموضوعية والمصداقية والأمانة فيما يكتب أو يقول.

كما أن من أدواره الأساسية التثقيف والتنوير ونشر الوعي، وتعزيز التسامح، ونبذ العنصرية والعصبية والكراهية، والتقريب بين الشعوب، لكن ما حدث من بعض هؤلاء كان عكس ذلك تمامًا.

فبدلًا من التحقق من المعلومات، تم تداول الشائعات، وبدلًا من نشر الوعي، جرى تزييف وعي الجماهير، وبدلًا من التقريب بين الشعوب، جرى التحريض على شعب كامل، وبدلًا من مواجهة التعصب، جرى استخدام شعارات وطنية ودينية وقومية لإشعال التعصب.

لقد جرى دغدغة عواطف الجماهير بشعارات كبرى لا يطبقها بعض من يرفعونها، وتقديم معلومات مضللة وغير حقيقية، والسعي إلى الوقيعة بين الشعوب، ونشر الكراهية والعنصرية والعصبية الكروية.

وهنا يجب أن نتساءل: هل هذه هي مهمة الصحفي والمثقف؟، هل وظيفة الصحفي أن يردد ما يريد الجمهور سماعه، أم أن يبحث عن الحقيقة حتى لو خالفت المزاج العام؟

رابعًا: الرياضة لغة الشعوب

من المعروف أن الرياضة هي لغة الشعوب، ففي الملعب لا يسأل أحد اللاعب عن جنسيته أو لغته أو ديانته أو لون بشرته قبل أن يحكم على أدائه.

فالرياضة تجمع الشعوب، وتقرب المسافات بينها، وتبني جسورًا من التواصل والمحبة، وتتيح للناس أن يلتقوا رغم اختلافاتهم السياسية والدينية والعرقية، ومن ثم فإن تعمد خلط الرياضة بالدين والسياسة والعنصرية ينم، في كثير من الحالات، إما عن جهل بطبيعة الرياضة ورسالتها، أو عن سوء نية ورغبة في تحقيق مآرب شخصية.

فالبعض يعلم جيدًا أن خلط الرياضة بالدين والسياسة يثير المشاعر ويجذب الانتباه ويحقق الانتشار، لكن هذا الخلط يسيء إلى الرياضة، ويسيء إلى السياسة، ويسيء كذلك إلى الدين، لأنه يحول القيم والمبادئ إلى أدوات للصراع والتحريض والكراهية.

خامسًا: أنا لا أدافع عن ميسي

قد يعتقد البعض أنني أدافع عن ميسي، أو أنني غاضب من الهجوم الذي تعرض له، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

أنا لا أدافع عن شخص، وإنما أدافع عن مبادئ وعن حقائق يجب ألا يتم طمسها تحت ضغط العاطفة أو تأثير الشائعات، بل إن نجمي المفضل هو كريستيانو رونالدو، وليس ليونيل ميسي، ومن ثم فإن موقفي لا تحكمه الميول الرياضية، ولا التعصب للاعب أو نادٍ، وإنما تحكمه الموضوعية والإنصاف.

فإذا كان الإنسان لا ينصف إلا من يشجعه، فهذه ليست موضوعية، وإذا كان لا يرفض الظلم إلا عندما يقع على من يحبه، فهذه ليست مبادئ.

سادسًا: ميسي ليس مسؤولًا عن خروج مصر

تحميل ليونيل ميسي مسؤولية خروج المنتخب المصري أمام الأرجنتين أمر غير منطقي وغير منصف.

ميسي كان يلعب لمنتخب بلاده، ويدافع عن قميص الأرجنتين، كما يفعل أي لاعب في العالم، أما نتيجة المباراة، فهي نتاج مجموعة من العوامل، من بينها الأخطاء التحكيمية والأخطاء الفنية، وأداء اللاعبين، وقرارات الجهاز الفني.

وإذا كان هناك اعتراض على التحكيم أو الجهاز الفني أو أداء المنتخب، فمن حق الجمهور والإعلام مناقشة ذلك وانتقاده، أما تحويل الهزيمة إلى كراهية للاعب أو منتخب أو شعب بأكمله، ثم تغليف هذه الكراهية بشعارات دينية أو سياسية، فهو أمر لا علاقة له بالرياضة ولا بالموضوعية.

سابعًا: لا يجوز تقييم الإنسان وفق دينه أو جنسيته

أرفض بشكل قاطع تقييم أي لاعب على أساس دينه أو جنسيته أو عرقه أو موقفه السياسي، التقييم الرياضي يجب أن يكون وفق ما يقدمه اللاعب داخل الملعب، من أداء ومهارة والتزام وروح رياضية.

أما أن يكون اللاعب جيدًا إذا كان من ديانة معينة، وسيئًا إذا كان من ديانة أخرى، أو أن نمدحه إذا كان من دولة نحبها ونهاجمه إذا كان من دولة نختلف مع حكومتها، فهذا ليس رياضة، وإنما تعصب وعنصرية.

لا أحد يختار مكان ولادته، ولا جنسيته، ولا عائلته، ولا ديانته، والإنسان لا ينبغي أن يحاسب على أمر لم يختره.

ثامنًا: موقفي من إسرائيل معروف ولا يحتاج إلى تبرير

أما موقفي من إسرائيل، فهو موقف واضح ومحدد لا لبس فيه. فأنا أرفض التطبيع الرياضي مع الكيان الصهيوني المحتل والغاصب للأرض العربية، والساعي إلى تحقيق أطماع ومخططات ما يُعرف بـ«إسرائيل الكبرى»، من النيل إلى الفرات، والذي يرتكب يوميًا المجازر والمذابح والجرائم بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.

وفي المقابل، أثمّن وأشيد بالموقف المصري، وبالموقف الشجاع والصلب والتاريخي للرئيس عبد الفتاح السيسي، الرافض لسياسات الاحتلال الإسرائيلي وممارساته بحق الشعب الفلسطيني الشقيق، والذي أفشل، إلى جانب الجهود المصرية، محاولات تهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية.

كما أن كتاباتي وحواراتي ومواقفي من الصراع العربي الإسرائيلي معروفة ومنشورة وواضحة، ولا لبس فيها، ولا تحتاج إلى مزايدة أو تبرير من أحد.

تاسعًا: القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى معلومات كاذبة

القضية الفلسطينية قضية عادلة، ولا تحتاج إلى أكاذيب أو معلومات غير صحيحة حتى ندافع عنها، بل إن نشر معلومات كاذبة باسم فلسطين يضر بالقضية أكثر مما يخدمها، فعندما يكتشف الناس أن بعض الادعاءات غير صحيحة، فإن ذلك يفتح الباب أمام التشكيك في كل المعلومات الأخرى، حتى الصحيحة منها.

الدفاع عن فلسطين لا يكون بتزوير الحقائق، ولا يكون باتهام الناس بناءً على ديانتهم، ولا يكون بتحويل كل من يخالفنا إلى خائن أو صهيوني، القضية الفلسطينية أكبر من ذلك بكثير.

عاشرًا: لا تجعلوا الخلاف السياسي يتحول إلى كراهية للشعوب

من حقنا أن نختلف مع حكومة أو دولة، ومن حقنا أن نرفض سياساتها، ومن حقنا أن نقاطعها، لكن ليس من حقنا أن نكره شعبًا كاملًا بسبب سياسة حكومة، وليس من حقنا أن نختزل ملايين البشر في موقف سياسي واحد، كما أنه ليس من حقنا أن نحمل لاعب كرة قدم مسؤولية كل ما تفعله حكومة بلاده.

الحادي عشر: الدفاع عن ميسي لا يعني تأييده

دفاعي عن ميسي في هذه القضية لا يعني تأييده أو تشجيعه، أنا أؤيد الحقيقة، وأرفض الظلم، وأرفض نشر المعلومات غير الموثقة، وأرفض ثقافة الكراهية، وأرفض تزييف وعي الجماهير.

وقد يكون من السهل أن تنصف من تحب، لكن الإنصاف الحقيقي هو أن تنصف من تختلف معه، وقد يكون من السهل أن تدافع عن لاعب تشجعه، لكن المبادئ تظهر عندما تدافع عن شخص لا تشجعه إذا تعرض للظلم.

فالإنصاف ليس تشجيعًا، ورفض الظلم ليس تأييدًا، والدفاع عن الحقيقة ليس انحيازًا إلى شخص.

الثاني عشر: الصحفي الحقيقي لا يسير خلف المزاج العام

الصحفي الحقيقي لا يسير خلف المزاج العام، ولا يكرر الشائعات لإرضاء الجمهور، ولا يغير موقفه وفقا لما يحظى بأكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات.

الصحفي الحقيقي يبحث عن الحقيقة، ويتحقق من المعلومات، ويفصل بين الرأي والخبر، ويواجه التضليل مهما كان مصدره.

الثالث عشر: لا تجعلوا فلسطين ذريعة للكراهية

لا أحد يملك احتكار الوطنية، ولا أحد يملك احتكار العروبة، ولا أحد يملك احتكار الإسلام، ولا أحد يملك احتكار الدفاع عن فلسطين.

ومن يختلف معك في رأي رياضي أو سياسي لا يصبح تلقائيًا خائنًا أو صهيونيًا أو عدوًا للإسلام.

إن تحويل كل خلاف إلى تخوين هو أحد أخطر مظاهر التعصب، واستخدام الدين والوطن والقضية الفلسطينية لإسكات الآخرين ليس دفاعًا عن هذه القيم، بل إساءة إليها، فالإسلام لا يقوم على الظلم، والوطنية لا تقوم على الكذب، والعروبة لا تقوم على كراهية الشعوب، والقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى تزييف الحقائق.

وفي النهاية، فإن ما حدث بعد مباراة مصر والأرجنتين يجب أن يكون درسًا لنا جميعًا.

لا تجعلوا خسارة مباراة تتحول إلى كراهية لشعب، ولا تجعلوا الخلاف مع لاعب يتحول إلى اتهام لديانته، ولا تجعلوا القضية الفلسطينية وسيلة لتبرير نشر الشائعات، ولا تجعلوا الشعارات الوطنية والدينية غطاءً للتعصب أو البحث عن الشهرة.

فالمبادئ الحقيقية تظهر عندما نطبقها على الجميع، وليس فقط على من نحب، والعدل لا يكون مع الأصدقاء فقط، بل حتى مع الخصوم والمخالفين.

ولذلك يبقى قول الله تعالى هو القاعدة التي يجب ألا يغيب معناها: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

فأنا لا أدافع عن ميسي لأنه نجمي المفضل، فهو ليس كذلك، ولا أدافع عن الأرجنتين لأنها أقرب إلى مواقفي السياسية، أنا أدافع عن مبدأ بسيط: لا تظلموا أحدًا بسبب شائعة، ولا تخلطوا الرياضة بالدين، ولا تستخدموا فلسطين لتبرير الكراهية، ولا تجعلوا الوطنية والعروبة والإسلام شعارات لتخوين كل من يختلف معكم.

فالحق لا يتغير بتغير الأسماء، والعدل لا يتجزأ، والمبادئ الحقيقية لا تُقاس بما نقوله عندما نكون مع الأغلبية، وإنما بما نفعله عندما نمتلك الشجاعة لنقول: هذا خطأ، حتى لو كان الجميع يصفق له.