جنايات حلوان تكشف أسباب إدانة أسرة في وفاة نجلها وتستبعد تهمة القتل العمد
أسدلت محكمة جنايات القاهرة أول درجة، الدائرة السادسة حلوان، برئاسة المستشار محمد العياط وعضوية المستشارين محمد حامد محمد الديب وإيهاب جمال عبد العظيم وأحمد محمود الجيزاوي، وبحضور وكيل النيابة عمر حسام عبد العزيز، وأميني السر صبحى طعيمة ومحمد سيد، الستار على واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا، بعدما انتهت إلى إدانة أربعة من أفراد أسرة واحدة في واقعة وفاة نجلهم داخل منزل الأسرة، مع استبعاد تهمة القتل العمد التي كانت قد أسندتها النيابة العامة إليهم.
وشهدت جلسات المحاكمة حضور الأستاذ صلاح يوسف المحامي وكيلًا عن المتهمين، حيث دفع بانتفاء أركان جريمة القتل العمد، وتمسك بأن الواقعة لم تكن سوى محاولة للسيطرة على المجني عليه بعد اعتدائه على أفراد أسرته، كما دفع بقيام حالة الدفاع الشرعي وبطلان التحريات وإجراءات القبض والاستجواب.
وفي حيثيات حكمها، انتهت المحكمة إلى تعديل القيد والوصف إلى جريمة الضرب المفضي إلى الموت، وقضت بحبس كل متهم مع الشغل لمدة سنة، مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات.
النيابة نسبت للمتهمين جريمة القتل العمد
كانت النيابة العامة قد أحالت أربعة من أفراد الأسرة إلى محكمة الجنايات، بعد أن نسبت إليهم قتل المجني عليه عمدًا داخل منزل الأسرة بحلوان، إثر قيامهم بتقييده باستخدام حبل والاعتداء عليه بالضرب، مما أدى إلى وفاته، كما أسندت إليهم إحراز أداة استخدمت في الاعتداء.
وباشرت المحكمة نظر الدعوى، واستمعت إلى مرافعات النيابة العامة والدفاع، واطلعت على أوراق القضية وتقارير الطب الشرعي وتحقيقات النيابة العامة.
سنوات من المعاناة بسبب المرض النفسي والإدمان
كشفت المحكمة في أسباب حكمها أن الواقعة لم تكن وليدة لحظة، وإنما جاءت بعد سنوات من المعاناة عاشتها الأسرة نتيجة إصابة المجني عليه بمرض نفسي وإدمانه تعاطي المواد المخدرة، وهو ما تسبب في تكرار نوبات عنف وسلوك عدواني داخل المنزل.
وأضافت الحيثيات أن المجني عليه حضر يوم الواقعة إلى منزل والده في حالة هياج شديد، وطرق الباب بعنف وهو يحمل سلاحًا أبيض ويطالب بالحصول على مبلغ من المال، الأمر الذي أثار حالة من الفزع بين أفراد الأسرة.
قرار خاطئ أنهى حياة الابن
وأوضحت المحكمة أن أفراد الأسرة، بدلًا من اللجوء إلى الشرطة أو الجهات المختصة للتعامل مع الموقف، قرروا السيطرة على المجني عليه بأنفسهم.
وتمكنوا من نزع السلاح الأبيض من يده، ثم قيدوا يديه وقدميه باستخدام حبل، قبل أن يتعرض للضرب والدفع أثناء مقاومته، ليسقط خلال الاشتباك وترتطم رأسه بحافة السلم الرخامية، وهو ما أدى إلى إصابته إصابة قاتلة انتهت بوفاته، وأكدت المحكمة أن المتهمين لم يدركوا أن ما قاموا به سيقود إلى تلك النتيجة المأساوية.
أقوال الشهود دعمت تصور المحكمة
استندت المحكمة إلى شهادة والدة المجني عليه، التي أكدت أن ابنها كان يعاني من مرض نفسي وإدمان المواد المخدرة، وأنه حضر يوم الواقعة مطالبًا والده بالمال، قبل أن تتطور الأحداث إلى مشاجرة انتهت بوفاته.
كما أخذت المحكمة بأقوال الطبيب الذي استدعته الأسرة إلى المنزل، حيث قرر أنه وجد المجني عليه فاقدًا للعلامات الحيوية، ومصابًا بعدة إصابات بالرأس والوجه والجسم، فنصح بإبلاغ الشرطة والإسعاف.
واعتمدت المحكمة كذلك على شهادة معاون مباحث قسم شرطة حلوان، الذي أكد أن المتهمين أبلغوه بأنهم حاولوا السيطرة على المجني عليه بعد اعتدائه عليهم مستخدمًا سلاحًا أبيض.
تقرير الطب الشرعي حسم سبب الوفاة
وأوضحت المحكمة أن تقرير الصفة التشريحية أثبت أن الوفاة نتجت عن إصابات رضية بالرأس والوجه والجسم، وأن النزيف الناتج عن إصابة الرأس كان السبب المباشر في الوفاة.
وأشار التقرير إلى أن التدخل الطبي العاجل كان من الممكن أن يسهم في إنقاذ حياة المجني عليه، كما دعمت معاينة النيابة العامة لمسرح الواقعة والتسجيلات الصوتية الملتقطة بواسطة إحدى كاميرات المراقبة التصور الذي انتهت إليه المحكمة بشأن كيفية وقوع الحادث.
المحكمة ترفض الدفع بالدفاع الشرعي
رفضت المحكمة ما دفع به الدفاع بشأن توافر حالة الدفاع الشرعي، مؤكدة أن قانون العقوبات يشترط لقيام هذا الحق عدم إمكانية اللجوء إلى السلطات العامة، بينما كان بإمكان المتهمين الاستعانة بالشرطة للتعامل مع المجني عليه.
كما رفضت المحكمة الدفع ببطلان التحريات، معتبرة أن ما أثير بشأنها لا يعدو كونه جدلًا موضوعيًا في تقدير الأدلة، وأنها اطمأنت إلى أقوال الشهود والتقرير الطبي وسائر عناصر الإثبات المطروحة أمامها.
استبعاد نية القتل وتعديل الوصف القانوني
أكدت المحكمة أن نية القتل لا تثبت بالظن أو الافتراض، وإنما تستخلص من ظروف الواقعة والأدلة اليقينية، وأن أوراق الدعوى خلت من دليل يثبت توافر قصد إزهاق الروح لدى المتهمين.
وانتهت إلى أن الثابت لديها هو أن المتهمين قصدوا السيطرة على المجني عليه والاعتداء عليه، إلا أن الضرب تجاوز حدوده وأدى إلى وفاته، وهو ما ينطبق عليه وصف جريمة الضرب المفضي إلى الموت، وليس القتل العمد.
الرأفة تقود إلى الحبس مع وقف التنفيذ
وبعد تعديل القيد والوصف، قضت المحكمة بإدانة المتهمين الأربعة عن جريمة الضرب المفضي إلى الموت، مع اعتبار جريمة إحراز الأداة مرتبطة بالجريمة الأصلية، ومصادرة الأداة المضبوطة.
واستعملت المحكمة الرأفة وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات، وقضت بحبس كل متهم مع الشغل لمدة سنة، مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، بعدما رأت أن ظروف الواقعة وملابساتها، وطبيعة العلاقة الأسرية، تبعث على الاعتقاد بعدم عودة المحكوم عليهم إلى مخالفة القانون مستقبلًا، مع إلزامهم بالمصاريف الجنائية.
وبهذا الحكم، فرقت المحكمة بين القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت، مؤكدة أن ما وقع كان نتيجة تعامل خاطئ مع أزمة أسرية معقدة، دون أن يثبت لديها توافر نية القتل التي استندت إليها النيابة العامة في أمر الإحالة.







