رئيس التحرير
خالد مهران

ضوابط جديدة لـ«التوريق»..

تحركات المركزى لرسم خريطة التمويل العقارى وحماية البنوك

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري

أثار القرار الأخير الصادر عن البنك المركزي بشأن ضوابط استثمار البنوك في سندات الشركات وسندات التوريق اهتمامًا واسعًا داخل القطاع العقاري، بعدما اشترط أن تكون سندات التوريق الخاصة بشركات التطوير العقاري والتمويل العقاري قائمة على وحدات تم تسليمها بالفعل للمشترين، وليس على وحدات لا تزال تحت الإنشاء.

ويأتي القرار في ظل تزايد الاعتماد على التوريق خلال السنوات الأخيرة كمصدر رئيسي للسيولة لدى شركات التطوير، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول انعكاساته على الشركات والبنوك والسوق العقارية.

ويعد التوريق أحد أهم أدوات التمويل التي لجأت إليها شركات التطوير العقاري خلال السنوات الأخيرة، حيث تقوم الشركة بعد بيع الوحدات بنظام التقسيط بتجميع عقود العملاء في محفظة مالية، ثم تحويلها إلى سندات توريق يتم بيعها للبنوك أو المستثمرين، مقابل الحصول على قيمة الأقساط مقدمًا بدلًا من انتظار تحصيلها على مدار سنوات، وهو ما يوفر سيولة سريعة تستخدم في استكمال المشروعات أو إطلاق مشروعات جديدة.

وخلال السنوات الماضية، كانت بعض شركات التطوير تعتمد على توريق أقساط وحدات لا تزال تحت الإنشاء للحصول على سيولة مبكرة، قبل أن تأتي الضوابط الجديدة لتقصر هذه الآلية على الوحدات التي تم تسليمها بالفعل للمشترين.

وجاءت الضوابط الجديدة لتغير هذه الآلية، حيث أصبح التوريق مقتصرًا على الوحدات التي تم تسليمها بالفعل للمشترين، بما يعني أن البنوك لن تعتمد في تمويلها على أصول لا تزال قيد التنفيذ، وهو ما يرفع جودة الضمانات ويقلل من احتمالات تعرض القطاع المصرفي لمخاطر ناتجة عن تعثر بعض المشروعات.

كما ألزمت البنوك بإجراء مراجعة أكثر دقة لكل عملية توريق، من خلال تقييم جودة محافظ الأقساط، والتدفقات النقدية المتوقعة، والتصنيف الائتماني للشركة المصدرة، مع قصر الاستثمار على السندات التي تتمتع بتصنيف ائتماني مناسب لا يقل عن «BBB-».

وشملت الضوابط -أيضًا- احتساب قيمة سندات التوريق ضمن الحدود الائتمانية المقررة لكل شركة، بما يقلل من الاعتماد المفرط على هذا النوع من التمويل، إلى جانب حظر قيام البنك بدور ضامن الإصدار ومستثمر في السندات في الوقت نفسه، تجنبًا لتضارب المصالح.

ومن المتوقع أن تواجه بعض شركات التطوير العقاري ضغوطًا في توفير السيولة، خاصة تلك التي كانت تعتمد على توريق أقساط الوحدات تحت الإنشاء للحصول على تمويل سريع، بعد اشتراط قصر التوريق على الوحدات التي تم تسليمها فعليًا للمشترين.

في المقابل، يرى مصرفيون، أن القرار يعكس توجهًا أكثر تحفظًا من الجهات الرقابية تجاه التمويل العقاري، خاصة بعد الضغوط التي تعرض لها القطاع خلال العامين الماضيين نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء، وزيادة تكلفة التمويل، وامتداد فترات التنفيذ، وهو ما أدى إلى ظهور حالات تأخير في التسليم لدى عدد من الشركات، وزيادة المخاوف من اتساع حجم المخاطر المرتبطة بالتوريق.

لا تستهدف التضييق على التمويل 

وفي هذا السياق، قال هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، إن الضوابط الجديدة التي أصدرها البنك المركزي بشأن استثمارات البنوك في سندات الشركات وسندات التوريق لا تستهدف التضييق على التمويل أو إغلاق الباب أمام الاستثمار في أدوات الدين، وإنما تهدف إلى إدارة المخاطر ووضع ضوابط تضمن عدم تحول التوسع في هذه الأدوات إلى مصدر تهديد للاستقرار المالي.

وأضاف «أبو الفتوح»، -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن البنك المركزي رصد نموًا ملحوظًا في إصدارات سندات التوريق خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ حجمها نحو 211 مليار جنيه خلال ثلاث سنوات فقط، وهو ما استدعى وضع إطار رقابي أكثر إحكامًا لتنظيم استثمارات البنوك في هذا النوع من الأدوات المالية.

وأوضح أن القرار لا يمنع البنوك من الاستثمار في سندات الشركات أو سندات التوريق، وإنما يضع حدودًا واضحة لنسب التوظيف، سواء على مستوى إجمالي المحفظة الائتمانية أو القطاع الاقتصادي أو الجهة المصدرة، بما يحد من مخاطر التركز، مشيرًا إلى أن البنوك التي تجاوزت هذه الحدود مُنحت مهلة ستة أشهر لتوفيق أوضاعها، سواء من خلال بيع جزء من محافظها أو وقف التوسع في شراء إصدارات جديدة لحين الالتزام بالحدود المقررة.

وأشار إلى أن اشتراط ألا يقل التصنيف الائتماني للسندات عن «BBB-» يعد الحد الأدنى لفئة السندات الاستثمارية المقبولة عالميًا، موضحًا أن هذا الشرط يمنع انتقال الأصول مرتفعة المخاطر إلى ميزانيات البنوك، كما سيدفع الشركات ذات التصنيف الائتماني المنخفض إلى تحمل تكلفة تمويل أعلى أو تحسين أوضاعها المالية للحصول على التمويل.

وأكد الخبير المصرفي، أن من أبرز ما تضمنته الضوابط الجديدة اشتراط أن تكون سندات التوريق الخاصة بشركات التطوير العقاري والتمويل العقاري قائمة على وحدات تم تسليمها بالفعل للمشترين، وليس على وحدات لا تزال تحت الإنشاء، موضحًا أن هذا الإجراء يستهدف الحد من المخاطر المرتبطة بتأخر تنفيذ المشروعات أو تعثر عمليات التسليم.

وأضاف أن ربط التوريق بوحدات تم تسليمها فعليًا يعزز جودة الضمانات التي تعتمد عليها البنوك، ويقلل من المخاطر الائتمانية، لأن حقوق الأقساط تصبح مرتبطة بأصول قائمة وليست بمشروعات لم تكتمل بعد.

وأكد أن الهدف من هذه الضوابط ليس تقليص سوق أدوات الدين أو إعاقة نشاط التمويل، وإنما حماية الجهاز المصرفي من تراكم مخاطر مستقبلية، مشددًا على أن البنك المركزي يتحرك بشكل استباقي للحفاظ على الاستقرار المالي، وأن هذه الإجراءات تمثل خطوة وقائية لمنع تكون أزمات محتملة داخل محافظ البنوك، وليس لمعالجة أزمة قائمة بالفعل.

أهم مصادر التمويل لشركات التمويل العقاري

ومن ناحيته، قال أيمن عبد الحميد، عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري للتمويل العقارية، إن التوريق يعد أحد أهم مصادر التمويل لشركات التمويل العقاري، لأنه يتيح لها تحويل محافظ الأقساط إلى سيولة نقدية، بما يمكنها من الاستمرار في منح تمويلات جديدة للعملاء.

وأوضح أن القواعد الحالية تسمح لشركات التمويل العقاري بالاقتراض من البنوك في حدود لا تتجاوز عشرة أضعاف حقوق الملكية، مشيرًا إلى أن حقوق ملكية أغلب الشركات تتراوح بين 150 و300 مليون جنيه، وهو ما يتيح لها الاقتراض بما يتراوح بين 1.5 و3 مليارات جنيه.

وأضاف أنه عندما تقترب الشركات من هذه الحدود، فإنها تلجأ إلى توريق محافظ الأقساط، بما يسمح لها بإخراج هذه المحافظ من ميزانياتها والحصول على سيولة جديدة تمكنها من الاستمرار في نشاط التمويل.

وأشار إلى أن الضوابط الجديدة الصادرة عن البنك المركزي قد تجعل البنوك أكثر تحفظًا في شراء سندات التوريق، خاصة في ظل ارتباطها بمتطلبات كفاية رأس المال، وهو ما قد يؤثر على قدرة شركات التمويل العقاري على الاعتماد على هذه الآلية في توفير السيولة.

وأوضح أن هناك بعض النقاط التي تحتاج إلى تنسيق بين البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية، لافتًا إلى أن قواعد الرقابة المالية تسمح بتوريق بعض المحافظ إذا كان العميل قد سدد 20% من قيمة الوحدة أو انتظم في السداد لمدة عام، بينما تشترط الضوابط الجديدة للبنك المركزي توافر بيانات موثقة عن دخل العميل وملاءته الائتمانية، وهو ما قد يقلل من عدد المحافظ المؤهلة للتوريق.

وأضاف أن اشتراط البنك المركزي أن تكون الوحدات قد تم تسليمها فعليًا للمشترين يطرح تحديًا آخر، موضحًا أن بعض الوحدات المباعة، خاصة للمستثمرين، قد تعتبر مسلمة من الناحية القانونية رغم عدم استلامها فعليًا، وهو ما قد يؤثر على إمكانية توريق هذه المحافظ.

وأكد أن الضوابط الجديدة قد تؤثر على نشاط شركات التمويل العقاري خلال الفترة المقبلة، وتدفعها إلى التكيف مع قواعد تمويل أكثر تشددًا، رغم أن القطاع كان من أكثر القطاعات نموًا خلال السنوات الأخيرة.