المهندس محمد الفيشاوى يكتب: بين الحسم والتهدئة.. كيف تُدار الأزمات في ميزان المصالح الوطنية؟
كشفت المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة عن حقيقة تستحق التأمل، وهي أن الدول لا تختلف فقط في قدراتها العسكرية والاقتصادية، بل تختلف قبل ذلك في فلسفتها لإدارة الأزمات، وفي مقدار ما هي مستعدة لتحمله دفاعا عن قرارها السياسى والعسكرى.
بدا الموقف الإيرانى، في نظر كثيرين، أكثر استعدادًا لتحمل الضغوط والخسائر، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو دبلوماسية، من أجل التمسك بما يراه قرارًا سياديًا مستقلا، وبالفعل فقد حمّل إيران هذا التصرف الكثير من الخسائر العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، ولا يزال الشعب الإيراني يتحمل النتائج المترتبة على هذا السلوك.
فى المقابل، اتجهت معظم الدول العربية إلى تجنب المواجهة المباشرة، وإعطاء الأولوية للاستقرار الداخلى، والحفاظ على المصالح الاقتصادية، وتجنب الانزلاق إلى صراعات قد تكون كلفتها أكبر من نتائجها.
لكن الإنصاف يقتضى ألا نحول هذا الاختلاف إلى مقارنة أخلاقية بسيطة ؛ فلا كل تمسك بالموقف شجاعة، ولا كل تجنب للمواجهة ضعفا، فقد يكون الثبات حكمة فى موقف، ويكون عنادًا فى موقف آخر. وقد تكون التهدئة أيضا تعقلا وحكمة، وقد تكون تنازلا إذا تجاوزت حدود المصلحة الوطنية.
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على القتال، ولا بقدرتها على تجنب القتالو، وإنما تقاس بقدرتها على اختيار التوقيت المناسب لكل خيار منهما. فالسياسة ليست مباراة لإثبات الكبرياء، وليست أيضًا فن تقديم التنازلات، وإنما هى فن تحقيق مصالح الأمة مع الحفاظ على كرامتها.
ولعل ما تحتاجه أمتنا العربية اليوم ليس مجرد امتلاك القوة، بل امتلاك الإرادة المستقلةو، وبناء القوة الاقتصادية والعلمية والعسكرية التي تجعل القرار الوطنى نابعا من المصلحة، التى تقتضى الثقة بالنفس المستمدة من امتلاك القوة بعناصرها النوعية.
إن التاريخ لا ولن يحترم الأمم لأنها ربحت كل معاركها، ولا لأنهـا خسرت وهى تقاتل، وإنما يحترم الأمم التى عرفت متى تصمد، ومتى تفاوض، ومتى تقاتل، ومتى تتراجع إن لزم الأمر، دون أن تفقد كرامتها أو تفرط فى مصالحها.
فالكرامة والشموخ الإيرانى بلا حكمة قد يتحولا إلى مغامرة، والحكمة بلا كرامة قد تتحول إلى خضوع.
إن المجد الحقيقى للأمم، يتجلى فى قدرتها على التحلى بالقدرة على خلق مجال للتفاوض مبنى على القاعدة مكسب مقابل مكسب.
