رئيس التحرير
خالد مهران

أحكام غيابية ضد ضابط شرطة وزوجته وراء إحالة 10 متهمين لمحكمة الجنايات

أحكام غيابية ضد ضابط
أحكام غيابية ضد ضابط شرطة وزوجته تكشف قضية تزوير إيصالات

لم تكن البداية بلاغًا عن تزوير أو ضبط تشكيل إجرامي، وإنما كانت صدمة تلقاها ضابط شرطة بعدما فوجئ بصدور عدد من الأحكام الغيابية ضده وضد زوجته في قضايا تبديد لم يسمع عنها من قبل، ومع تكرار الأحكام في محاكم ودوائر قضائية مختلفة، بدأ البحث عن حقيقة ما جرى، لتتكشف أمام جهات التحقيق وقائع اعتبرتها النيابة العامة مخططًا منظمًا استمر على مدار عامين، وانتهى بإحالة عشرة متهمين إلى محكمة الجنايات.

حيث نسبت النيابة إلى المتهمين الاشتراك في تزوير إيصالات أمانة ومحاضر رسمية، واستعمالها في إقامة عشرات الدعاوى الجنائية الكيدية، بقصد الحصول على أحكام غيابية ثم استخدامها في ابتزاز المجني عليهما.

رحلة البحث عن سبب الأحكام

أظهرت التحقيقات أن المجني عليه، وهو ضابط شرطة، فوجئ بصدور أحكام غيابية متتالية ضده وضد زوجته في قضايا تبديد موزعة على محاكم وأقسام شرطة مختلفة، رغم عدم وجود أي علاقة أو تعاملات مالية تربطهما بمقيمي تلك الدعاوى.

وبالاطلاع على ملفات القضايا، تبين أن جميعها استند إلى إيصالات أمانة منسوبة إليهما، تضمنت بيانات وبصمات قائلا إنها مزورة، فضلًا عن إثبات عناوين إقامة لا تخصهما، وهو ما أدى إلى عدم علمهما بإعلانات الدعاوى أو مواعيد نظرها، لتصدر الأحكام في غيبتهما.

ومع كل حكم يتم الطعن عليه والحصول فيه على البراءة، كانت تظهر قضايا جديدة تحمل ذات الأسلوب والأشخاص، الأمر الذي دفع المجني عليه إلى التقدم ببلاغ كشف تفاصيل الواقعة.

اتهامات بتشكيل منظم لتزوير الإيصالات

كشفت تحريات الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة، وفقًا لما أوردته النيابة، عن وجود تشكيل منظم تخصص في تزوير إيصالات الأمانة واستعمالها في إقامة دعاوى جنائية ضد ضحاياه.

وأضافت التحريات أن المتهم الرئيسي كان يتولى اختيار الضحايا وجمع بياناتهم الشخصية، ثم توزيع الأدوار على باقي أفراد التشكيل، بينما اضطلعت بعض المتهمات بدور أصحاب الحقوق الواردة في الإيصالات، في حين تولى عدد من المحامين مباشرة الإجراءات القانونية ورفع الدعاوى أمام المحاكم المختلفة.

كما أشارت التحريات إلى أن المتهمين كانوا يحرصون على إقامة القضايا في دوائر قضائية متفرقة وإثبات عناوين غير صحيحة للمجني عليهم، بما يضمن صدور أحكام غيابية دون حضورهم أو علمهم بالدعاوى.

عشرات القضايا في محاكم مختلفة

أوضحت أوراق القضية أن الدعاوى لم تقتصر على دائرة واحدة، بل امتدت إلى أقسام ومحاكم عابدين والمعصرة ودار السلام ومصر القديمة والجيزة وشبرا والسيدة زينب والمقطم ودمنهور والعامرية وببا، في نمط متكرر اعتمد على توزيع القضايا بين أكثر من جهة قضائية.

وترى النيابة أن هذا الأسلوب كان يهدف إلى إرباك المجني عليهما ومنع تتبع جميع القضايا في توقيت واحد، بما يسمح بصدور أحكام متتالية قبل اكتشاف الأمر.

توكيلات ملغاة استُخدمت في إقامة الدعاوى

ومن بين الوقائع التي استندت إليها النيابة، استخدام توكيلات رسمية سبق إلغاؤها قبل تقديمها في عدد من القضايا.

وأثبتت استعلامات الشهر العقاري أن التوكيلين اللذين استند إليهما أحد المحامين في مباشرة عدد من الدعاوى كانا قد ألغيا رسميًا قبل استعمالهما، إلا أنهما استخدما رغم ذلك في تحرير محاضر وإقامة دعاوى، وهو ما اعتبرته النيابة من الأدلة المؤيدة للاتهامات.

رسائل واتساب ضمن أدلة القضية

لم تتوقف التحقيقات عند المستندات الورقية، إذ تضمنت أوراق القضية رسائل عبر تطبيق "واتساب" قالت النيابة إنها تضمنت تهديدات للمجني عليه، ومطالبات بدفع مبالغ مالية مقابل وقف إقامة قضايا جديدة.

كما أثبت تقرير المساعدات الفنية وجود تلك المحادثات، بينما أكدت استعلامات شركات الاتصالات أن بعض الأرقام المستخدمة في إرسال الرسائل تعود إلى عدد من المتهمين.

اعترافات أحد المتهمين

شهدت التحقيقات اعتراف أحد المتهمين المحبوسين، والذي أقر – حسب ما ورد بأوراق القضية – بأنه تولى رفع عدد من جنح التبديد استنادًا إلى إيصالات أمانة كان يعلم بتزويرها قبل استعمالها.

وأضاف أن المتهم الرئيسي هو من زوده بالإيصالات والتوكيلات، وأن الهدف كان استصدار أحكام غيابية ضد المجني عليهما ثم استخدام تلك الأحكام وسيلة للضغط عليهما للحصول على مبالغ مالية.

كما أشار إلى أن اختيار دوائر قضائية مختلفة وإثبات عناوين غير صحيحة كان جزءًا من الخطة لضمان عدم حضور المجني عليهما جلسات المحاكمة.

الطب الشرعي يحسم مسألة التوقيعات والبصمات

دعمت التقارير الفنية ما انتهت إليه التحقيقات، حيث أكد تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي أن المجني عليهما ليسا محرري إيصالات الأمانة محل التحقيق.

كما انتهى تقرير الأدلة الجنائية إلى اختلاف البصمات الموجودة على عدد من الإيصالات عن بصمات المجني عليهما، بينما تعذر إجراء المضاهاة على بعض الإيصالات الأخرى بسبب حالتها الفنية.

واعتبرت النيابة أن هذه التقارير تمثل أحد أهم أدلة الإثبات في القضية.

مراجعة 32 قضية تكشف نمطًا متكررًا

أجرت النيابة مراجعة شاملة لاثنتين وثلاثين قضية جنحة مرتبطة بالواقعة، وتبين أن ثلاثًا وعشرين قضية انتهت بالبراءة لعدم تقديم سند الدين، فيما أحيلت ثماني قضايا إلى أبحاث التزييف والتزوير، التي أثبتت تزوير الإيصالات المقدمة فيها، فقضى بالبراءة أيضًا.

كما كشفت المراجعة عن توزيع القضايا بين عدد من المتهمات، بينما تولى بعض المحامين مباشرة الإجراءات القانونية في عدد كبير منها، في صورة رأت النيابة أنها تعكس نمطًا متكررًا في ارتكاب الوقائع.

الإحالة إلى محكمة الجنايات

وفي ختام التحقيقات، قررت نيابة وسط القاهرة الكلية إحالة عشرة متهمين إلى محكمة الجنايات، مع استمرار حبس اثنين منهم، والأمر بسرعة ضبط وإحضار باقي المتهمين الهاربين.

وأسندت النيابة إليهم اتهامات بالاشتراك في تزوير محررات رسمية وعرفية، واستعمالها، والبلاغ الكاذب، والتهديد، والشروع في الحصول على أموال بطريق التهديد، وإساءة استعمال وسائل الاتصالات، مع تطبيق المواد الواردة بقانون العقوبات وقانون تنظيم الاتصالات.

ولا يزال الفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المتهمين معروضًا على محكمة الجنايات، باعتبار أن أمر الإحالة يعبر عن ما انتهت إليه تحقيقات النيابة العامة، بينما يبقى الحكم النهائي في القضية من اختصاص المحكمة المختصة بعد نظر الدعوى وسماع دفاع جميع الأطراف.