خطان باسم ضحية ومحفظة إلكترونية.. صورة بطاقة وراء سقوط موظفة اتصالات في قبضة الأمن
لم يكن أحمد علاء الدين، الموظف بقطاع العمليات بالبنك المركزي المصري، يتوقع أن صورة بطاقة الرقم القومي التي أرسلها إلى صفحة على موقع "فيسبوك" تعلن عن رحلات سياحية ستكون بداية رحلة من نوع آخر، رحلة داخل أروقة أقسام الشرطة والنيابة العامة والمحاكم.
فما بدا في البداية إجراءً عاديًا لإتمام حجز رحلة، تحول لاحقًا إلى واحدة من قضايا التزوير التي كشفت عن استغلال بيانات المواطنين في استخراج خطوط هواتف محمولة وتفعيل محافظ إلكترونية دون علم أصحابها، وهي القضية التي انتهت بإحالة موظفة سابقة بشركة "اتصالات مصر" وعامل إلى محكمة جنايات الجيزة.
مكالمة هاتفية كشفت المستور
مرت الأيام بصورة طبيعية قبل أن يتلقى المجني عليه اتصالًا غير متوقع من شاب يدعى إبراهيم رضا، أخبره خلاله بأنه تعرض لواقعة نصب بعدما قام بتحويل مبلغ مالي إلى محفظة إلكترونية مرتبطة برقم هاتف مسجل باسم أحمد علاء الدين.
كانت المفاجأة صادمة.
فالمجني عليه لم يسبق له استخراج ذلك الخط، ولم يقم بإنشاء أي محفظة إلكترونية تحمل اسمه، وهو ما دفعه إلى التحرك سريعًا لمعرفة حقيقة ما حدث.
رحلة إلى فرع الشركة
توجه المجني عليه برفقة الشاهد الثاني إلى أحد فروع شركة "اتصالات مصر" للاستفسار عن الأمر، وهناك بدأت خيوط القضية تتكشف تدريجيًا.
فبمراجعة البيانات تبين وجود خطين للهاتف المحمول مسجلين باسمه، رغم أنه لم يتقدم بأي طلب للحصول عليهما.
وخلال الفحص، واجه المجني عليه الموظفة المختصة، التي كانت تعمل مندوبة مبيعات بالشركة، لتتطور الأحداث بصورة غير متوقعة بعدما أقرت بارتكاب الواقعة بالاشتراك مع شخص آخر.
ذلك الاعتراف الأولي كان بداية تحرك رسمي انتهى بفتح تحقيقات موسعة.
خطة قائمة على استغلال الهوية
أظهرت تحقيقات النيابة العامة أن المتهمين لم يعتمدا على الصدفة، وإنما استغلا صورة بطاقة الرقم القومي الخاصة بالمجني عليه في تنفيذ مخططهما.
فبحسب أمر الإحالة، مثل المتهم الثاني أمام الموظفة مستخدمًا صورة البطاقة، بينما قامت الأخيرة بإثبات حضور صاحب البطاقة بنفسه على خلاف الحقيقة، ثم حررت بيانات عقدي شراء الخطين.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل وقع المتهم الثاني بتوقيع نسب زورًا إلى المجني عليه، لتصبح العقود جاهزة لاستخراج الخطين بصورة رسمية.
من استخراج الخطوط إلى المحفظة الإلكترونية
لم يكن الهدف من استخراج الخطين مجرد الحصول على أرقام هاتف جديدة.
فالتحقيقات كشفت أن أحد الخطين استُخدم في إنشاء محفظة إلكترونية، وهي الخدمة التي تتيح استقبال الأموال وتحويلها وسحبها.
وبالفعل استقبلت تلك المحفظة مبلغًا ماليًا من أحد الأشخاص الذي اعتقد أنه يتعامل مع جهة موثوقة، قبل أن يتم صرف الأموال لاحقًا من خلال خدمات الدفع الإلكتروني.
وهكذا انتقلت الجريمة من مجرد تزوير محررات إلى استغلالها في عمليات مالية.
الشركة تتحرك
عقب اكتشاف الواقعة، باشرت شركة "اتصالات مصر" مراجعة الإجراءات التي تمت داخل الفرع.
وأكد ممثل الشؤون القانونية للشركة أمام النيابة أن المتهمة كانت تعمل مندوبة مبيعات، وأنها استخرجت الخطين دون حضور العميل الحقيقي أو وجود توكيل رسمي منه.
وأوضح أن الشركة سارعت إلى فصلها فور انكشاف الواقعة، باعتبار ما حدث يمثل مخالفة جسيمة وإضرارًا بثقة العملاء.
كما شدد على أن الواقعة لا تمثل سياسة الشركة، وإنما تصرفًا فرديًا تتحمل مسؤوليته الجنائية مرتكبته.
تحريات الأموال العامة تؤكد الواقعة
لم تقتصر القضية على أقوال المجني عليه أو ممثل الشركة.
فقد أجرت الإدارة المختصة بمكافحة جرائم الأموال العامة تحريات موسعة انتهت إلى تأكيد وجود اتفاق مسبق بين المتهمين على استخراج خطي الهاتف باسم المجني عليه.
وأثبتت التحريات أن الموظفة قامت بإثبات حضور شخص لم يكن موجودًا أصلًا، بينما تولى المتهم الثاني تحرير التوقيعات والبيانات اللازمة لإتمام التعاقد.
ورأت التحريات أن الواقعة تمت بصورة متعمدة لتحقيق الاستفادة من الخطوط والمحفظة الإلكترونية الناتجة عنها.
اعترافات قلبت موازين القضية
أمام النيابة العامة، لم تنكر المتهمة الأولى دورها، بل أقرت بأنها اشتركت مع المتهم الثاني في استخراج الخطين باستخدام صورة بطاقة الرقم القومي الخاصة بالمجني عليه.
كما اعترفت بأنها قامت بتحرير بيانات العقود وتفعيل المحفظة الإلكترونية، مع علمها بأن المتهم الثاني هو من كتب البيانات المنسوبة للمجني عليه.
ولم يختلف موقف المتهم الثاني كثيرًا، إذ أيد ما جاء بأقوال المتهمة الأولى، وهو ما عزز موقف النيابة في القضية.
تقرير فني حاسم
ورغم أهمية الاعترافات، فإن النيابة لم تعتمد عليها وحدها، فقد أحالت المستندات إلى قسم أبحاث التزييف والتزوير، الذي انتهى إلى نتائج فنية دعمت الاتهامات.
وأكد التقرير أن المتهم الثاني هو من حرر بخط يده التوقيعات المنسوبة زورًا إلى المجني عليه، بينما ثبت أن المتهمة الأولى كتبت بخط يدها عددًا من البيانات الموجودة على العقود، ومنها التوقيعات الخاصة بها وبعض البيانات الأخرى.
واعتبرت النيابة أن التقرير الفني جاء متسقًا مع أقوال الشهود والتحريات والاعترافات.
قرار الإحالة
بعد اكتمال التحقيقات، انتهت نيابة جنوب الجيزة الكلية إلى توافر الأدلة الكافية لإحالة المتهمين إلى محكمة جنايات الجيزة.
وأسندت إليهما ارتكاب جناية تزوير محررات صادرة عن إحدى الشركات المساهمة واستعمالها فيما زورت من أجله، وهي الجريمة المعاقب عليها بالمادة 214 مكرر من قانون العقوبات.
كما أمرت النيابة باستمرار حبسهما احتياطيًا على ذمة المحاكمة، مع استكمال الإجراءات القانونية اللازمة قبل نظر القضية أمام المحكمة المختصة.







