رئيس التحرير
خالد مهران

الدكتور محمد حمزة يكتب: الجدل الرقمي.. حين تتحول الإثارة إلى صناعة للوعي واللاوعي

الدكتور محمد حمزة
الدكتور محمد حمزة

الجدل أو الديالكتيك هو منهج فكري يقوم علي مناقشة الأفكار المتعارضة للوصول إلى حقيقة أعمق وقد تطور عبر التاريخ ليصبح قانونا يحكم حركة الفكر والتاريخ والمادة. وهناك مدارس جدلية كبري تطورت عبر الزمن مابين الجدل الحواري لسقراط ومدرسته والجدل الصاعد لأفلاطون ومدرسته والجدل المثالي بتلاثيته لهيجل ومدرسته والجدل المادي لماركس ومدرسته ؟ وفي ثقافتنا لدينا الجدل المحمود والجدل المذموم؟ ولكن فحأة ظهر نوع جديد من الجديد لقي رواجا وإنتشارا غير مسبوق وهو. الجدل الرقمي ويقصد به مايدور من سجال ومناقشات محتدمة بل وصادمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البودكاست وبالتالي فهذا النوع من الجدل أصبح ظاهرة اجتماعية واقتصادية تحكمها خوارزميات المنصات والفضاء الرقمي الافتراضي وهدفه الإثارة ولفت الانتباه وفق خطوات مدروسة واليات ممنهجة لجذب الجماهير وتحقيق نسب مشاهدة عالية وجني الأرباح الطائلة ومنها استهداف القضايا الحساسة والتصريحات الصادمة المطلقة والاقتطاع والاجتزاء عن السياق والتوقيت الذكي المناسب.

وعلي ذلك فالجدل الرقمي ليس محركه الأساسي هو جودة المحتوي بل حجم التفاعل وإحداث الصدمة والغضب لدي الجماهير وبالتالي أصبح تجارة مربحة جديدة تعرف بتجارة الجدل عبر الفضاء الرقمي.

وقد تبني الغرب هذا النوع من الجدل في أوروبا وامريكا بعد نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينيات من القرن العشرين المنصرم وبعد احداث 11سبتمبر وإنتشار مصطلح الاسلاموفوبياوغيره من المصطلحات ومنها الارهاب الإسلامي والأصولية الإسلامية المتشددة والإسلام السياسي ومن ثم لا بد من محاربة ذلك من خلال خلق بديل إسلامي حداثي علماني ليبرالي جديد يتصالح مع الدولة المدنية الحديثة والاندماج العالمي في عصر العولمةوالكوكبةوالشملنة ولن يتأتي ذلك ويتحقق إلا من خلال إثارة الشبهات وزلزلة الثوابت والتشكيك في الأصول والرموز من خلال العديد من المؤسسات العلمية والأكاديمية والمعاهد والمراكز البحثية ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية والبودكاست ؟ ومن بين هذه وتلك حسبنا أن نشير إلى المجلس الأمريكي للإعلام الدولي (USAGM) ويتبعها قناة الحرة التي يبث فيها إبراهيم عيسي برنامجه مختلف عليه منذ18مارس2018م والمجلس يقوم بتمويل هذا البرنامج تحت بند الدبلوماسية العامة والمشروعات الفكرية الموجهة للشرق الأوسط وغرضها دعم العلمانية والتحرر الفكري ومحاربة الأفكار الراديكالية وهو ما يعكسه برنامج مختلف عليه كما يبدوا من اسمه وضيوفه. المكررين؟

كما أن هناك منصات تتخذ من لندن أو باريس أو برلين مقرًا لها وتدار عبر منظمات غير حكومية(NGOS) ومعاهد دراسات تتلقي منحا من مؤسسات أوروبية

لإشاعة فكر التسامح وقبول الآخر وقراءة التراث قراءة حداثية؟

وهناك المنظمة الإنجيليّة الأمريكية ومؤسسات حقوقية وعلمانيةأوروبية تدعم حرية التعبير وحقوق الإنسان ونقد الأديان ولا ننسي تبرعات أقباط المهجر والأقليات المسيحية في أمريكا وكندا واستراليا وهو مانراه في قناة الحياة الأمريكية والكرمة والشفاء وبودكاستات اليوتيوب للأخ وحيد والأخت فرحة ود سامي الديب والأخ رشيد حمامي والقمص زكريا بطرس ( علما أن هناك رفض رسمي وتبرؤ مما يفعله هذا القمص المشلوح من قبل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمصر) ومالك مسلماني والأخ شانت والأخت نورا ورأفت عماري وجبرائيل صوما وأندرو حبيب وغيرهم وهؤلاء المسيحيين يتبنون أجندة لاهوتية تبشيرية واضحة تهدف إلى هز ثقة المسلم ودعوته للمسيحية أو تبني العلمانية الكاملة كماهو في حالة سامي الديب؟

ويضاف إلى ذلك قوي إقليمية في دول الخليج تحارب تيار الإسلام السياسي وتجفيف منابع التطرف الديني والارهاب وتتبني صياغة الهوية العربية الإسلامية الجديدة ولذلك تضخ هذه القوي استثمارات ضخمة لرعاية ودعم المراكز الثقافية والتنويرية والبرامج والمنصات الرقمية؟

ولم يقف المشهد عند هذا الحد بل كان للاستثمار والمصالح. المشتركة دورهما في تحالف رجال الأعمال من المصريين والعرب والأجانب كما هو الحال في مؤسسة تكوين الفكر العربي؟

ومن ابرز المؤسسات العلمية الداعمة معهد انارة الذي تأسس عام2007م ومقره سارلاند بألمانيا وجامعة برنستون وجامعة شيكاغو بامريكا ويتم طباعة ونشر إصداراتهم في أهم دور النشر العالمية ومنها بريل واكسفورد وغيرها؟

ومن اشهر القنوات كل من قناة الحرة وقناة الغد وقناة الحياة؟ ومن اشهر البرامج برنامج مختلف علية لابراهيم عيسي الدي تم بثه لأول مرة في علي قناة الحرة الأمريكية؟ وكذلك برنامج حديث القاهرة ( بعض حلقاته إنموذج مكرر لبرنامج مختلف عليه في الطرح والضيوف المكررة )علي قناة القاهرة والناس لابراهيم عيسي أيضا والذي بث لأول مرة في 6ديسمبر2020م؟ وكذلك برامج إسلام بحيري وخالد منتصر واسكاي نيوز عربية وغيرها؟

أما البودكاست فمن اشهرها بودكاست مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية وبودكاست جدليات تكوين وبودكاست بالعربي ؟

والضيوف هم وجوه مكررة في هذه البرامج وتلك المنصات والبودكاستات ومن بينهم يوسف زيدان وفراس السواح وخزعل الماجدي ووفاء سلطان وهالة وردي وألفة يوسف وسعد الدين الهلالي واحمد عبده ماهر واحمد سعد زايد وسعيد شعيب وسامح عيد واحمد صبحي منصور صاحب كتاب القرآن وكفي وهومؤسس هذا التيار ومحمد هداية وسامح عسكر وكريستوف لوكسنبرج ومحمد المسيح ورشيد ايلال وزكريا أوزون ( قبل وفاته) وسيد القمني ونوال السعداوي

وفاضل الربيعي (قبل وفاتهم وحلقاتهم ماتزال تبث وتنشر حتي الان) وغيرهم من المنشور صورهم في نهاية هذا المقال؟

أما الإعلاميون فقد قمنا بنشر صورهم ولكن يغلب علي غالبيتهم التسطيح والجهل بموضوع الحوار وأبعاده وتفاصيله ومصادره ؟وليس لهم دور في الرد علي الضيف أو اضافة معلومة أو رأي مغاير لرأيه الصادم فهم لايخرجون عن الاسكريبت المكتوب لهم؟

وتدور محاور وموضوعات الجدل الرقمي حول التاريخ الزائف ( سودو هيستوري) من خلال سرد دعاوي وادعاءات مغلوطة وافتراضية حول الماضي علي إنه ا حقائق تاريخية مؤكدة بينما هي تفتقر إلى الادلة العلمية والمنهجية السليمة فالحقائق مختلطة بالأساطير واحيانا يتم تزوير الوثائق لتمرير اجندة سياسية قومية أو دينية معينة وهذا التاريخ الزائف يعتمد علي الانتقائية الحادة. وعل اختيار ادلة وشواهد مجتزأة توافق فكرك الكاتب المسبقة وعموما فهم ينطلقون من النتيجة التي يريدون إثباتها ثم يبحثون لها عن اي مبرر ومن اشهر أمثلة ذلك التاريخ نظرية الحضارة المتقدمة المفقودة ونظرية الكائنات الفضائية واسطورةًاطلانتس ونظرية حزام أوريون أو الحزام الجبار؟ ومن اشهر هؤلاء اريك فون دانيكن وغراهام هانكوك وإيمانويل فيليوفسكي وزكريا اسيتشين وديفيد آيك

وروبرت بوفال ولهؤلاء اتباع في مصر والمشرق مجندين لنشر افكارهم وفرضياتهم ونظرياتهم وصورهم منشورة بنهاية المقال؟

ولا ننسي أيضا مؤامرة الافروسنترك أو النظرية المركزية الأفريقية والتي تدرس حائزي الجامعات السودانية كناذكرت وزيرة التعليم العالي السودانية السابقة د إنتصار صغيرون وصورتها منشورة بنهاية هذا المقال؟

أما أخطر قضايا الجدل الرقمي فهي المتعلقة بهدم التاريخ الإسلامي المبكر قبل132هجرية/750م واثارة الشبهات والتشكيك في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة الصحيحة بل والرسول والصحابة من خلال مدرسة المشككين أو المراجعون الجدد أو المستشرقون الجدد واتباعهم وتلامذتهم ومريدهم من الشرقيين من المحيط إلى الخليج من المسلمين والمسيحيين والعلمانيين والملحدين والتنويريين علي السواء ؟ وصورهم منشورة بنهاية هذا المقال

ومن بينهم باتريشيا كرون ومايكل كوك وفولكس بوب وبوين وروبرت هويلاند ودان جبسون وكارل هاينز أوليخ وجون وانسبرو وستيفن شوماكر الأمريكي وغيوم داي البلجيكي وماركس غروس وكريستوف لوكسنبرج ( اسم مستعار ولا توجد صورة له )وجاكلين شابي وغيرهم؟؟؟

وهؤلاء يمثلون الحد الاقصي للهدم البنيوي للتاريخ الإسلام المبكر وعنهم ينقل الشرقيون (سواء ممن يعيشون في العالم العربي أو ممن يعيشون في أوروبا ومن هؤلاء حامد عبد الصمد ومحمد المسيح) الأدوات اللغوية والتاريخية الشكاكة التي تهز ثقة المشاهد في الدين والتراث والفقهي والأحاديث والتاريخ المبكر بكامله

وهم يعتمدون علي المنهج الانتقائي العشوائي للروايات الضعيفة أو الشاذة أو المهجورة وإسقاط المفاهيم الأنثروبولوجية المعاصرة علي مجتمع شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي والتشكيك في اصل الرواية التاريخية الإسلامية بالكامل واعتبار النص الديني نصا بشريا تاريخيا ولا خطوط حمراء عليه فهو ليس مقدسا ؟ ومن الملاحظ خلو هذه البرامج وتلك القنوات والبودكاستات من اتباع المنهج العلمي السليم ومن غياب الرأي الآخرى والمناظرات العلمية

الحقيقية فضلا عن عزوفهم عن الإشارة. إلى البحوث والدراسات الأجنبية والعربية الموضوعية التي تناقض وترفض فروض ونظريات وآراء هذه المدراس التشكيكية الجدلية وهو مايعكس أن الغرض لديهم هو الإثارة والتشكيك والشبهات والشووالتريند فحسب وهو ما يدل عليه ويؤكده إقتصارهم فقط

علي تيار فكري واحد ينفذون من خلاله افكارهم وأغراضهم وأهدافهم الخبيثة وهو مايطلقون عليه التيار الحداثي التنويري ولذلك نجد الضيوف لايتغيرون بل يتحركون مابين القنوات والبرامج والمنصات والبودكاستات ويرددون ويكررون نفس الكلام ؟ فإن تكرار الموضوعات في اكثر من موقع وبين الحين والحين يساعد بل ويحافظ علي حالة النقاش والاشتباك الفكري والجدل حية في الفضاء الرقمي وهو ماتؤكدة منصة تكوين من اسم البودكاست الخاص بها وهو بودكاست جدليات تكوين ؟ وهكذا أصبحت هذه الوجوه المكررة هم نجوم الشباك في هذا الجدل الرقمي ؟ومن خلالهم يحدث الشو والتريند وتنتشر البرامج والمنصات وتتحول إلى قاعدة جماهيرية واسعة وسريعة؟

ومن الواضح أن الاقتصار علي أتباع هذا التيار الحداثي التنويري لهم مايبرره لدي أصحاب هذه القنوات وتلك المنصات وهو

أن اصحاب التيار الأكاديمي. لايملكون القدرة علي صناعة الجدل الرقمي والإثارة والتريند فالمنهج العلمي يتطلب الحياد والموضوعية وسرد الادلة المؤيدة وغير المؤيدة أما الوجوه المكررة من اصحاب التيار الحداثي التنويري فهم علي العكس من ذلك يملكون الكاريزما والجذب الجماهيري والتسويق الرقمي وبالتالي القدرة علي الإثارة والتريند وتحقيق الصدمة للمتابعين وبالتالي تحقيق معدلات مشاهدة وتفاعل ضخمة من خلال صياغة الأفكار التي تريدها هذه القنوات وتلك المنصات والمؤسسات والجهات الداعمة لها؟

وهكذا إستطاعت المؤسسات والجهات الداعمة الغربية نقل الصراع بين الشرق والغرب من أروقة الجامعات والندوة والمؤتمرات عبر التليفون والسماعة إلى الفضاء الرقمي عبر القنوات والبرامج والمنصات والبودكاستات وصانعي المحتوي الرقمي من غير المتخصصين من الأطباء والمهندسين والمحامين والشيوخ والصحفيين وخريجوا كلية العلوم وغيرهم بل وتجنيد بعض الشرقيين ودعمهم وتمويلهم ليكونوا هم نجوم شباك الجدل الرقمي لضمان وصول هذا التاريخ الزائف وهذه الرؤية المشككة إلى أكبر شريحة ممكنة من الأجيال الشابة التي هجرت الكتب وباتت تستقي وعيها التاريخي من الفضاء الرقمي بوسائله المتعددة؟

واخيرًا علي الدولة والوزارات المعنية كالثقافة والتعليم العالي والإعلام والجامعات والمجالس والهيئات التابعة لهذه وتلك فضلا عن الجمعيات العلمية. التصدي بمنتهي الحزم والقوة لمثل هذه الظاهرة وسن القوانين والتشريعات اللازمة

للقضاء عليها قبل فوات الأوان.