رئيس التحرير
خالد مهران

خلاف على 5 آلاف جنيه يتحول إلى حريق وشروع في قتل ببولاق الدكرور

خلاف على 5 آلاف جنيه
خلاف على 5 آلاف جنيه يتحول إلى جريمة حريق وشروع في قتل

في واحدة من أبشع الجرائم الأسرية التي شهدتها منطقة بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة خلال الفترة الأخيرة، تحول خلاف مالي بسيط لا تتجاوز قيمته خمسة آلاف جنيه إلى جريمة كادت تنتهي بمقتل أحد الأشخاص واحتراق منزل بالكامل، بعدما أقدم سائق على إشعال النيران عمدًا داخل شقة شقيقته، في واقعة كشفت عن حجم الغضب الذي يمكن أن يدفع الإنسان إلى ارتكاب جرائم بالغة الخطورة، وأعادت إلى الواجهة خطورة اللجوء إلى العنف لحل الخلافات العائلية.

ولم تكن الساعات الأولى من صباح يوم الواقعة توحي بأن المنطقة الشعبية الهادئة ستستيقظ على ألسنة اللهب والدخان الكثيف وصراخ الضحايا، بعدما امتدت النيران داخل إحدى الشقق السكنية الكائنة بشارع نجيب حماد بمنطقة ناهيا، وسط حالة من الفزع بين السكان الذين هرعوا لمحاولة إنقاذ الأسرة وإخماد الحريق قبل امتداده إلى باقي العقار.

بداية الواقعة.. بلاغ عاجل يكشف جريمة مدبرة

بدأت تفاصيل القضية عندما تلقت الأجهزة الأمنية بقسم شرطة بولاق الدكرور بلاغًا يفيد بنشوب حريق داخل شقة سكنية بالدور الأرضي بالعقار رقم 20 بشارع نجيب حماد خلف إحدى ورش الأخشاب بمنطقة ناهيا.

وعلى الفور انتقلت قوة من رجال المباحث إلى موقع البلاغ، وبإجراء المعاينة الأولية تبين أن الحريق لم يكن نتيجة ماس كهربائي أو سبب عرضي كما يحدث في كثير من الوقائع المشابهة، وإنما جاء نتيجة فعل متعمد، لتبدأ التحريات في كشف ملابسات الجريمة وهوية مرتكبها.

خلاف عائلي بسبب مبلغ مالي

وكشفت التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة أن بداية الأزمة كانت بسبب مطالبة المتهم، وهو سائق يبلغ من العمر 42 عامًا، لشقيقته برد مبلغ خمسة آلاف جنيه سبق أن أقرضه لها.

وأوضحت التحقيقات أن المتهم توجه إلى منزل شقيقته مطالبًا بالحصول على أمواله، إلا أنها أخبرته بعدم قدرتها على السداد في ذلك الوقت، وطلبت منه منحها مهلة حتى تتمكن من تدبير المبلغ.

إلا أن هذا الرد أثار غضب المتهم بصورة كبيرة، واندلعت بينهما مشادة كلامية تطورت سريعًا، قبل أن يقرر الانتقام بطريقة عنيفة وخطيرة.

جالون بنزين يحول المنزل إلى كتلة من النار

وأظهرت التحقيقات أن المتهم كان يحمل معه جالونًا يحتوي على مادة سريعة الاشتعال، وقام بسكبها داخل غرفة المعيشة وعلى الأثاث والمرتبة وعدد من محتويات الشقة، ثم أشعل النيران باستخدام قداحة، لتشتعل ألسنة اللهب في ثوانٍ معدودة داخل المنزل.

وسرعان ما امتدت النيران إلى أجزاء واسعة من الشقة، وسط صرخات الأسرة ومحاولات الجيران التدخل لإنقاذ الموجودين قبل تفاقم الكارثة.

محاولة إنقاذ تتحول إلى إصابة بحروق

وخلال محاولة زوج شقيقة المتهم التدخل لإيقافه ومنعه من تنفيذ جريمته، لم يتراجع المتهم، بل قام بإلقاء المادة القابلة للاشتعال عليه مباشرة، الأمر الذي أدى إلى اشتعال النيران بجسده وإصابته بحروق مؤلمة.

وأكد المجني عليه في أقواله أمام جهات التحقيق أنه فوجئ بالنيران تشتعل داخل الغرفة، وحاول إخمادها وإنقاذ زوجته والمنزل، إلا أنه تعرض للإصابة أثناء محاولته السيطرة على الحريق.

وأضاف أن كل ما كان يشغله في تلك اللحظات هو حماية أسرته ومنع امتداد النيران، رغم إصابته بحروق في يده وقدمه.

المعاينة تكشف حجم الدمار

وانتقلت النيابة العامة لإجراء المعاينة التصويرية لمسرح الجريمة، حيث تبين وجود آثار احتراق واسعة داخل الشقة، مع تفحم كامل بجدران غرفة المعيشة، واحتراق السرير والدولاب وعدد كبير من قطع الأثاث، إضافة إلى امتداد آثار الحريق إلى المطبخ ودورة المياه.

وأكدت المعاينة أن النيران كانت كفيلة بإحداث كارثة أكبر لولا سرعة تدخل الأهالي وقوات الحماية المدنية التي نجحت في السيطرة على الحريق قبل انتقاله إلى الوحدات السكنية المجاورة.

التقرير الطبي يحدد الإصابات

وأثبت التقرير الطبي الصادر عن مستشفى جامعة القاهرة إصابة المجني عليه بحروق من الدرجة الثانية بنسبة تقترب من 2% من مساحة الجسم، شملت اليد اليمنى والقدم اليمنى، مع احتياجه للعلاج والرعاية الطبية.

ورغم أن نسبة الحروق لم تكن كبيرة، فإن التحقيقات اعتبرت أن طريقة الاعتداء والأداة المستخدمة تكشف عن نية إزهاق الروح، خاصة مع قيام المتهم بإلقاء المادة المشتعلة مباشرة على جسد المجني عليه.

تحليل المخدرات يكشف مفاجأة

وخلال استكمال التحقيقات، تم أخذ عينة من المتهم لتحليلها، حيث أثبت تقرير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان إيجابية العينة لجوهر الحشيش المخدر المدرج بالجدول الأول من قانون المخدرات.

وأُرفق التقرير ضمن أدلة الدعوى باعتباره أحد عناصر التحقيق التي استندت إليها النيابة العامة أثناء توجيه الاتهامات.

النيابة توجه اتهامات جنائية مشددة

وبعد استكمال التحقيقات وسماع أقوال المجني عليهم والشهود، انتهت النيابة العامة إلى توافر أدلة كافية لإحالة المتهم إلى محكمة الجنايات، بعدما نسبت إليه عددًا من الاتهامات الجنائية الخطيرة.

وشملت الاتهامات تعمد وضع النار في مسكن مأهول بالسكان بما تسبب في إتلاف ممتلكات الغير، والشروع في قتل زوج شقيقته مع سبق الإصرار، بعد استخدام مادة سريعة الاشتعال وإلقائها عليه بقصد إزهاق روحه، إضافة إلى حيازة مادة معجلة للاشتعال واستخدامها في الاعتداء، فضلًا عن إحراز جوهر الحشيش المخدر بقصد التعاطي.

إحالة عاجلة إلى محكمة الجنايات

وأصدر المحامي العام الأول لنيابة جنوب الجيزة الكلية قرارًا بإحالة القضية إلى محكمة الجنايات المختصة، مع استمرار حبس المتهم احتياطيًا على ذمة المحاكمة، وذلك بعد اكتمال أدلة الإثبات وتأييدها بأقوال الشهود وتقارير المعمل الجنائي والتقارير الطبية.

ومن المنتظر أن تنظر محكمة الجنايات القضية خلال جلساتها المقبلة للفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المتهم، في ضوء ما أسفرت عنه التحقيقات والأدلة الفنية.