من قلب حلوان.. تلال القمامة والردش تحاصر مركز التبرع بالبلازما وتثير غضب الأهالي
في الوقت الذي تمضي فيه الدولة بخطوات واسعة نحو دعم المشروع القومي لتجميع البلازما وإنتاج مشتقاتها الحيوية، باعتباره أحد أهم المشروعات الصحية والاستراتيجية في مصر، تتكشف على أرض الواقع صورة مغايرة تمامًا في محيط مركز تجميع وتبرع البلازما بمنطقة صلاح سالم التابعة لحي حلوان، حيث تحاصر أكوام القمامة ومخلفات الهدم والبناء المركز من مختلف الاتجاهات، في مشهد أثار حالة من الاستياء والغضب بين المواطنين والمترددين على المنشأة الطبية.
فبين أهمية الدور الذي يؤديه المركز في خدمة المنظومة الصحية المصرية وبين حالة الإهمال البيئي التي تحيط به، تتجسد أزمة حقيقية تهدد المظهر الحضاري للمنطقة وتطرح تساؤلات عديدة حول أسباب استمرار هذه الظاهرة رغم حساسية الموقع وأهميته الصحية والخدمية.
مشروع قومي يواجه مشهدًا غير لائق
يُعد مركز تجميع وتبرع البلازما بحلوان أحد المراكز التابعة للمشروع القومي للبلازما، والذي يستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من مشتقات البلازما وتقليل الاعتماد على الاستيراد، فضلًا عن دعم الصناعات الدوائية الحيوية ورفع كفاءة الخدمات العلاجية المقدمة للمرضى.
لكن الطريق المؤدي إلى المركز والمحيط الخارجي له، وتحديدًا بشارع الشهيد أحمد فراج وطريق عرب الوالدة، يكشف عن واقع مختلف، حيث تنتشر تلال ضخمة من الردش ومخلفات البناء والقمامة المنزلية بصورة عشوائية على امتداد الشارع، بينما تحولت بعض المساحات الفضاء إلى مناطق مفتوحة لإلقاء النفايات دون أي رقابة أو تدخل حاسم من الجهات المختصة.
ويؤكد عدد من الأهالي أن هذه المخلفات تتزايد بشكل مستمر نتيجة قيام بعض سيارات النقل بإلقاء حمولات الردش ومخلفات الهدم في المنطقة خلال ساعات الليل أو الفجر بعيدًا عن أعين الرقابة، ما أدى إلى تراكم كميات هائلة من المخلفات على مدار الأشهر الماضية.
أزمة بيئية في محيط منشأة طبية
المفارقة الأكثر إثارة للدهشة أن هذه المشاهد تقع بمحاذاة منشأة طبية يفترض أن تتوافر في محيطها أعلى درجات النظافة والانضباط البيئي، نظرًا لطبيعة الخدمات الصحية التي تقدمها واستقبالها بشكل يومي لأعداد كبيرة من المتبرعين والمواطنين.
وتتنوع المخلفات المنتشرة في المنطقة بين بقايا الطوب والأسمنت والكتل الخرسانية والأخشاب التالفة والأكياس البلاستيكية والمخلفات المنزلية، الأمر الذي يؤدي إلى انبعاث روائح كريهة خاصة خلال فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
ويرى سكان المنطقة أن استمرار وجود هذه التراكمات بالقرب من مركز طبي بهذه الأهمية يمثل تناقضًا واضحًا مع الجهود المبذولة لتطوير المنظومة الصحية، ويعكس الحاجة إلى تحرك عاجل لإعادة الانضباط والنظافة إلى محيط المنشأة.
مخاطر صحية تهدد السكان والمترددين
لا تقتصر تداعيات الأزمة على المظهر العام فقط، بل تمتد إلى أبعاد صحية وبيئية أكثر خطورة، إذ تشكل أكوام القمامة بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والزواحف والقوارض والكلاب الضالة التي أصبحت جزءًا من المشهد اليومي في المنطقة.
ويشكو سكان الأبراج والعقارات المطلة على شارع الشهيد أحمد فراج من انتشار الحشرات بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب تصاعد الأتربة الناتجة عن مخلفات الهدم والردش، خاصة مع حركة السيارات والرياح، وهو ما يتسبب في معاناة مستمرة لكبار السن والأطفال ومرضى الحساسية والصدر.
كما يحذر عدد من الأهالي من احتمالات اشتعال بعض المخلفات القابلة للاحتراق أو قيام البعض بإشعال النيران للتخلص من القمامة، وهو ما قد يؤدي إلى انبعاث أدخنة ضارة تهدد الصحة العامة وتؤثر على جودة الهواء بالمنطقة.
الردش يلتهم الطريق ويصنع الاختناقات المرورية
على الجانب الآخر، فرضت أكوام الردش والأنقاض تأثيرًا مباشرًا على الحركة المرورية بطريق عرب الوالدة، حيث زحفت بعض التراكمات نحو نهر الطريق وأدت إلى تقليص المساحة المتاحة لسير المركبات.
وأصبحت السيارات تضطر إلى السير في ممرات ضيقة وسط الأتربة والمخلفات، بينما تتداخل حركة سيارات النقل والتوك توك والدراجات النارية في مساحة محدودة، ما تسبب في زيادة معدلات التكدس المروري خلال فترات الذروة.
ويؤكد سكان المنطقة أن الشارع يشهد بصورة متكررة مشاحنات بين السائقين نتيجة ضيق الطريق، فضلًا عن وقوع حوادث تصادم بسيطة ومتكررة بسبب سوء حالة الطريق ووجود العوائق الناتجة عن تراكم المخلفات.
وتزداد خطورة الوضع في الحالات الطارئة التي تتطلب وصول سيارات الإسعاف أو المركبات الطبية إلى المركز أو إلى المناطق السكنية المجاورة، حيث تتحول بعض أجزاء الطريق إلى ممرات شبه مغلقة تعيق الحركة وتؤثر على سرعة الاستجابة للحالات الحرجة.
الأهالي: نعاني منذ شهور ولا أحد يتحرك
عدد من سكان منطقة صلاح سالم أكدوا أن المشكلة ليست وليدة اليوم، بل تتكرر بصورة مستمرة منذ فترة طويلة، مشيرين إلى أن حملات رفع المخلفات ـ إن وجدت ـ تكون مؤقتة وسرعان ما تعود التراكمات مرة أخرى بسبب غياب الرقابة وعدم اتخاذ إجراءات رادعة ضد المخالفين.
ويقول الأهالي إن المنطقة تحتاج إلى خطة متكاملة تشمل التطهير الكامل للموقع ورفع الردش والقمامة بشكل دوري، مع منع سيارات النقل من استخدام الأراضي الفضاء كمقالب عشوائية لمخلفات البناء.
كما طالب المواطنون بزيادة عدد صناديق القمامة وتكثيف حملات النظافة اليومية وتفعيل الرقابة الميدانية لمنع تكرار المشكلة، مؤكدين أن استمرار الوضع الحالي يسيء إلى صورة حلوان ويضر بسمعة أحد أهم المشروعات الصحية الموجودة بالمنطقة.
أهمية الحفاظ على محيط المراكز الصحية
تشدد المعايير البيئية والصحية الحديثة على ضرورة الحفاظ على نطاق نظيف وآمن حول المنشآت الطبية والمستشفيات والمراكز العلاجية، باعتبار أن البيئة المحيطة تمثل جزءًا من منظومة الرعاية الصحية الشاملة.
فالمظهر الخارجي للمنشآت الصحية لا يرتبط فقط بالجانب الجمالي، بل يعكس أيضًا مستوى الاهتمام بالصحة العامة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، كما يسهم في توفير بيئة آمنة ومطمئنة للمرضى والمترددين.
ومن ثم فإن استمرار وجود هذه التراكمات الضخمة من المخلفات بجوار مركز التبرع بالبلازما يفرض ضرورة مراجعة آليات المتابعة والنظافة بالمنطقة لضمان توافق المحيط الخارجي مع طبيعة وأهمية الدور الذي تؤديه المنشأة.
استغاثة إلى المسؤولين لإنقاذ المنطقة
وفي ظل تصاعد شكاوى المواطنين، يطالب أهالي منطقة صلاح سالم بصفة خاصة وحلوان بصفة عامة بسرعة تدخل محافظة القاهرة وحي حلوان وهيئة نظافة وتجميل القاهرة لإطلاق حملة موسعة لرفع جميع تراكمات القمامة والردش من محيط مركز التبرع بالبلازما وشارع الشهيد أحمد فراج.
كما يطالبون بالدفع باللوادر والمعدات الثقيلة لإزالة الأنقاض المتراكمة، وإعادة تأهيل الطريق، وتكثيف أعمال النظافة الدورية، إلى جانب تركيب كاميرات مراقبة وتشديد الرقابة على سيارات النقل التي تلقي مخلفات البناء بصورة غير قانونية.
ويبقى الأمل معقودًا على تحرك سريع يعيد للمنطقة وجهها الحضاري ويضع حدًا لمعاناة السكان، خاصة أن الحديث هنا لا يدور عن شارع جانبي أو منطقة مهجورة، بل عن محيط منشأة طبية استراتيجية تمثل أحد المشروعات القومية المهمة التي يفترض أن تعكس صورة حضارية تليق بما تبذله الدولة من جهود لتطوير القطاع الصحي وخدمة المواطنين.







