رئيس التحرير
خالد مهران

هدم المعبد على رأس الحكومة..

نائب رئيس الوزراء يفجر مفاجأة خطيرة حول أوضاع الاقتصاد والديون

الدكتور حسين عيسي
الدكتور حسين عيسي نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية

في لحظة تحاول فيها مصر تسويق نفسها باعتبارها «بيئة جاذبة للاستثمار» ووجهة مستقرة لرؤوس الأموال الأجنبية، جاءت تصريحات الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول حقيقة المشهد الاقتصادي في مصر، بعدما وصف وضع الدين العام بـ«المأساوي»، ومنح مناخ الاستثمار تقييمًا 4 من 10، وسط تأييد من عدد من كبار المستثمرين المشاركين في ندوة غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة.

وأيد شريف الخولي، المدير الإقليمي لشركة أكتيس، هذا التقييم واتفق مع نسبة 4 من 10، وكان وائل زيادة رئيس زيلا كابيتال، أكثر تفاؤلًا بقليل، حيث منح مناخ الاستثمار 5 من 10، بينما كان علاء السبع، الشريك المؤسس لـ«بي بي آي بارتنرز»، الأقل تقديرًا والأكثر تشاؤمًا، حيث منح البيئة الاستثمارية 2 من 10.

لم تكن تصريحات نائب رئيس مجلس الوزراء، مجرد تقييم أكاديمي عابر، بل بدت صادمة مقارنة بالخطابات المتكرر، والتي تؤكد استمرار أن الاقتصاد المصري «حقق صلابة كبيرة»، وأن الدولة أصبحت «قبلة للاستثمارات الأجنبية»، وأن أزمة الديون «تحت السيطرة» ولا تمثل تهديدًا للاستقرار الاقتصادي.

وخلال الفترة الماضية، كرر الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الدولة تسير في مسار إصلاح اقتصادي مستقر، مؤكدًا أن الاستقرار السياسي والاقتصادي كان عاملًا رئيسيًا في جذب الاستثمارات الأجنبية، وأن الحكومة مستمرة في تهيئة مناخ الأعمال وتمكين القطاع الخاص.

كما أشار رئيس مجلس الوزراء، إلى أن الديون مستقرة وخلال سنوات قليلة سنصل لأدنى معدلات تاريخية للديون لم تشهدها مصر منذ 50 سنة.

وفي المقابل، ارتفع الدين الخارجي بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريبًا التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، وفق تقديرات «البنك المركزي المصري».

التحديات الحالية والمصارحة أمام المستثمرين

وتعكس تصريحات حسين عيسى، وما تبعها من تقييمات رجال الأعمال حالة مختلفة تمامًا؛ حالة تشير إلى أن المستثمرين ما زالوا يرون فجوة بين الوعود الحكومية والواقع التنفيذي، سواء فيما يتعلق بتكلفة التمويل، أو استقرار السياسات الاقتصادية، أو حجم الدين العام، أو قدرة السوق على توفير بيئة تنافسية مستقرة.

وهذا التناقض بين خطاب رسمي متفائل، وتقييمات صادرة من مسؤول اقتصادي رفيع ومستثمرين في السوق، يطرح جدلًا بين الأوساط المختلفة، حول التحديات الحالية، وأهمية المصارحة أمام المستثمرين، حتى يطمئن إلى حملات الترويج الحكومية.

فيما لاقت تصريحات نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، إشادات واسعة من قبل أبرز خبراء الاقتصاد، حيث اعتبر هاني توفيق، تقييمه لمناخ الاستثمار ووضع الدين العام في مصر، يعكس قدرًا من المصارحة المطلوبة في التعامل مع التحديات الاقتصادية.

وقال توفيق: «أنحني احترامًا لهذا التصريح من الدكتور نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية».

وأضاف الخبير الاقتصادي: «أؤكد أن أول خطوة في طريق العلاج، أن تعترف بأنك مريض»، في إشارة إلى أهمية الاعتراف بحجم التحديات الاقتصادية باعتباره مدخلًا ضروريًا لوضع حلول فعالة ومعالجة الاختلالات القائمة.

كما قال ناجي الشهابي، عضو مجلس الشيوخ، إن تصريحات الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بشأن حصول مناخ الاستثمار في مصر على تقييم لا يتجاوز 4 من 10، تمثل «اعترافًا رسميًا بوجود أزمة حقيقية في بيئة الاستثمار المصرية»، مؤكدًا أن الأمر يتطلب مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية الحالية.

وأضاف «الشهابي»، أن ما تحقق من تطوير في البنية الأساسية والطرق والمدن الجديدة لا يكفي وحده لجذب المستثمرين، مشيرًا إلى أن المستثمر يبحث بالأساس عن استقرار السياسات النقدية، وثبات سعر الصرف، ووضوح الرؤية الاقتصادية، وسهولة الإجراءات، وتكافؤ الفرص، باعتبارها عناصر رئيسية لجذب الاستثمارات طويلة الأجل.

وأشار إلى أن التراجع المستمر في قيمة الجنيه المصري أضر بثقة المستثمرين، وأدى إلى موجات تضخم متتالية أثقلت كاهل المواطنين وأضعفت القوة الشرائية.

وحذر عضو مجلس الشيوخ، من خطورة استمرار الاعتماد على الاقتراض، موضحًا أن تخصيص نحو 60% من الموازنة العامة لسداد فوائد وأقساط الديون يمثل تهديدًا لقدرة الدولة على الإنفاق على قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

بناء اقتصاد أكثر قوة 

بدوره، قال الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر والمستشار الأكاديمي لمعهد الجزيرة للحاسب الآلي ونظم المعلومات الإدارية، إن تصريحات الدكتور حسين عيسى بشأن مناخ الاستثمار والديون صحيحة وحقيقة تحدي كبير أمام الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن خبرته السابقة كرئيس لجامعة عين شمس ورئيس للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب على مدار دورتين، تمنحه رؤية واضحة لطبيعة التحديات الاقتصادية الحالية.

وأضاف «فهمي«، في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن الهدف الأساسي من وجود حسين عيسى في الحكومة يتمثل في تحسين الوضع الاقتصادي، وتطوير مناخ الاستثمار، خاصة فيما يتعلق بتعديل آليات وثيقة ملكية الدولة وفتح المجال بصورة أكبر أمام القطاع الخاص.

وأوضح أن الفترة منذ عام 2022 شهدت حالة من «الزحام» بين القطاعين العام والخاص، في ظل غياب شراكة حقيقية بينهما، مشيرًا إلى أن تعزيز التعاون بين القطاعين من شأنه جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار.

وأشار إلى أن من أبرز الملفات التي يعمل عليها نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، تقييم برنامج الطروحات الحكومية في البورصة بشكل أكثر جدية، بما يضمن التزام الدولة بتنفيذه، إلى جانب وضع رؤية اقتصادية جديدة تُعرض على مجلس الوزراء ثم مجلس النواب، وهو ما قد يسهم في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

وأكد أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن الدكتور حسين عيسى يحتاج إلى فترة تتراوح بين عام وعامين لإحداث تغيير ملموس في الاقتصاد المصري وتحسين مناخ الاستثمار بصورة عامة، بعد هذه الفترة ستأتي الاستثمارات الأجنبية بشكل أفضل عن الأعوام السابقة.

وحول اختلاف التصريحات بين رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي والدكتور حسين عيسى، أوضح صلاح الدين فهمي، أن مدبولي ينظر إلى الوضع الاقتصادي من زاوية الأجل القصير والظروف الحالية، بينما يتحدث نائب رئيس الوزراء عن المستقبل وما يتطلبه من إصلاحات بعيدة المدى لتحسين المشهد الاقتصادي.

ولفت إلى أن وضع الديون بالفعل لا يزال غير مستقر، كما أن مناخ الاستثمار لم يشهد التحسن الكافي، خاصة في ظل الصدمات الخارجية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن المستثمر لا يعتمد فقط على التصريحات الرسمية، وإنما ينظر بالأساس إلى الواقع الفعلي للسوق.

وشدد «فهمي» على أهمية الدور الذي يقوم به الدكتور حسين عيسى في بناء اقتصاد أكثر قوة وقدرة على مواجهة الأزمات الداخلية، خاصة أن خلفيته الأكاديمية في مجالات الاقتصاد والمحاسبة والتسويق تمثل عناصر داعمة لتحسين ملفي الاستثمار والديون.