بعد عرضه على المنصات.. سر اتهام فيلم «برشامة» بازدراء الأديان والاستخفاف بالفقهاء والأئمة
عاد فيلم «برشامة» إلى صدارة محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي -خلال الأيام الماضية- عقب طرحه على إحدى المنصات الرقمية، وذلك بعد نحو 3 أشهر من عرضه في دور السينما ضمن موسم عيد الفطر 2026.
وجاءت حالة الجدل بعد إعادة تداول عدد من مشاهد الفيلم على نطاق واسع، حيث اعتبرها البعض مسيئة وتتناول بشكل غير لائق بعض المفاهيم الدينية الأمر الذي دفعهم للمطالبة بوقف عرض الفيلم.
في المقابل رأى آخرون، أن هذه المشاهد تحمل طابعا كوميديا وتم تفسيرها خارج سياقها، مؤكدين أن الفيلم لا يتضمن ازدراء أو إساءة للأديان.
ينتمي فيلم برشامة إلى نوعية الأعمال الكوميدية الاجتماعية، إذ تدور أحداثه داخل إحدى لجان الثانوية العامة (منازل) خلال امتحان اللغة العربية حيث تتصاعد المواقف الساخرة مع انتشار الغش وتداخل مصائر عدد من الشخصيات في أجواء تجمع بين الكوميديا والنقد الاجتماعي.
وتمكن الفيلم من تحقيق أصداء جماهيرية واسعة منذ بدء عرضة محققا إيرادات تجاوزت 200 مليون جنيه ليحجز مكانه بين أكثر الأفلام نجاحا على مستوى شباك التذاكر في السينما المصرية.
ويشارك في بطولة الفيلم هشام ماجد وريهام عبد الغفور ومصطفى غريب وباسم سمرة وحاتم صلاح ومن تأليف أحمد الزغبي وشيرين دياب وإخراج خالد دياب.
مشاهد أثارت الجدل
وكان من أبرز أسباب الهجوم على الفيلم عقب عرضه على منصة «بانجو بلاي»، إعادة انتشار عدد من مشاهده ما فجر موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتضمنت تلك المشاهد حوار للبطل يقول: «خلينا نعمل الصح عشان ربنا يسترها معانا»، ليرد الآخر: «منا بعمل الغلط وربنا بيسترها معايا وهو ده التحدي».
كما تضمنت بعض المشاهد عبارات مثل: «الغش آخرته النار هتتحرقوا»، فيرد الآخر: «منا غشيت قبل كده وما اتحرقتش» إلى جانب جملة: «مش عارف إيه الإصرار إننا ندخل النار.. هيدوك بونص؟»، واعتبر كثيرون أن هذه العبارات مثيرة للجدل في طرحها وتحمل سخرية من ثوابت دينية.
كما أثير جدل حول مشهد دار فيه نقاش بشأن الحكم الشرعي للغش إذ أشار أحد الشخصيات إلى رأي فقهي منسوب للإمام أحمد بن حنبل قبل أن يرد آخر بجملة ساخرة: «للأمانة مش ابن حنبل اللي قال.. ابن عمي»، وهو ما اعتبره البعض استخفافا بالفقهاء وإقحاما للمفاهيم الدينية في سياق كوميدي مثير للجدل.
ولفت متابعون -أيضا- إلى مشهد جمع بين شخصيتي هشام ماجد وعارفة عبد الرسول تضمن تعليقا ساخرا يقول: «إنتي لو موجودة في عصر الرسول كان زمان نزل سورة في القرآن باسمك».
ورأى عدد من رواد السوشيال ميديا أن المشهد يوحي بأن النصوص والقرآن يمكن أن تتغير تبعا للأحداث وأن النص القرآني أصبح مادة للسخرية.
انتقادات فنية
إلى جانب الجدل الديني، واجه الفيلم انتقادات فنية من بعض المشاهدين والمتابعين الذين رأوا أنه يعاني من ضعف في الإيقاع الكوميدي والاعتماد بشكل كبير على الإفيهات المتكررة والمواقف التقليدية وتحول الفيلم لاسكيتش.
كما أشار منتقدون، إلى أن تصوير عدد كبير من المشاهد داخل أماكن محدودة منح العمل طابعا أقرب إلى التكرار والمال
حزب النور يدخل على خط الأزمة
وفي هذا الصدد، تقدم النائب الدكتور أحمد خليل خير الله، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور، ببيان عاجل إلى المستشار هشام بدوي رئيس مجلس النواب، مطالبا بإيقاف عرض فيلم «برشامة».
وجاء البيان موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة الثقافة ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشأن ما وصفه بالتجاوز والجرأة الآثمة على المقدسات والثوابت الشرعية، معتبرا أن فيلم «برشامة» يمثل نموذجا لذلك ومطالبا ببحث محتواه واتخاذ ما يلزم من إجراءات رقابية حياله.
وقال سامح بسيوني، رئيس الهيئة العليا لحزب النور، إن الحزب يقوم بدوره البرلماني المنوط به، مطالبا الجهات المختصة باتخاذ موقف حازم تجاه ما وصفه بـ«التجاوزات» التي تضمنها الفيلم.
وأضاف أن الحزب راجع السيناريو الكامل للفيلم وليس المقاطع المتداولة فقط، معتبرًا أنه «يسلك مسارا خطيرا» ويحتوي على سخرية من بعض الجوانب الدينية، مؤكدًا أن الهدف هو الحفاظ على الهوية الأخلاقية والدينية للمجتمع وصيانة وعي الأجيال الجديدة.
أصوات مدافعة عن الفيلم
في المقابل، دافع عدد من المتابعين عن الفيلم، مؤكدين أن المقاطع المتداولة لا تعكس السياق الكامل للعمل وأنه يعتمد على كوميديا اجتماعية تسخر من سلوكيات خاطئة داخل المجتمع وليس من الدين ذاته.
من جانبه، يرى الناقد الفني حسين شمعة، أن فيلم «برشامة» تضمن مشاهد وأفكارا كان من الممكن الاستغناء عنها، مشيرا إلى أن البعض يرى أنه يكشف أفكار الجماعات المتطرفة لكنه لا يتفق مع هذا الطرح.

وأوضح «شمعة» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن الغش أمر معروف ومجمع على تحريمه، متسائلا عن سبب إدخال مفاهيم دينية تتعلق بالجنة والنار والثواب والعقاب داخل سياق الفيلم رغم أن القضية الأساسية تدور حول الغش.
وأضاف أن العمل لم يحقق التأثير أو الإيرادات المتوقعة خلال فترة عرضه السينمائي، لافتًا إلى أن بعض المشاهد والإفيهات أثارت استياء شريحة من الجمهور.
وأكد أن الجدل المثار حول الفيلم يرتبط جزئيا بطبيعة الأعمال المثيرة للنقاش لكنه استغرب توظيف مفاهيم دينية داخل الأحداث، معتبرًا أن تبرير ذلك تحت شعار «نقل الواقع» ليس مقنعا دائما لأن الفن يلعب دورا في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
وشدد على ضرورة أن تكون السينما والمنصات الرقمية أكثر حرصا في اختيار الموضوعات التي تطرحها نظرا لتأثيرها المباشر في الرأي العام، مؤكدا أن تضمين إشارات تتعلق بالدين والجنة والنار داخل فيلم مثل «برشامة» كان خطأ، خاصة مع اتساع جمهور المنصات الرقمية وتأثيرها المتزايد.
هجوم غير منطقي
وفي هذا السياق، قال الناقد الفني ونائب رئيس رابطة نقاد وكتاب الفن أمين خيرالله، إنه لا يمكن القول إن المنصات الرقمية ستختزل دور السينما أو تنتزع مكانتها، موضحا أن السينما وسيط فني متفرد له طبيعته الخاصة مثل المسرح ولذلك لن ينتظر جمهور السينما عرض الفيلم على المنصات بعد أشهر من طرحه بدور العرض.

وعن الانتقادات التي تصاعدت بعد عرض الفيلم على المنصات، أوضح أن طبيعة المشاهدة تختلف بين السينما والمنصات الرقمية، فالمشاهد داخل قاعة السينما لا يملك إعادة المشاهد والحوارات أكثر من مرة، بينما تتيح المنصات مشاهدة العمل مرات عديدة ما يدفع الجمهور إلى التركيز على تفاصيل بعينها وإعادة تداولها ومناقشتها.
وأضاف أن كثيرا من المقاطع المنتقدة جرى تداولها عبر «الريلز» ومواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع الحملة الترويجية التي سبقت عرض الفيلم على منصة «يانجو بلاي» وهو ما ساهم في لفت الانتباه إلى بعض المشاهد وإثارة الجدل حولها.
وأشار إلى أن من العجيب تصاعد الهجوم على الفيلم بعد شهور طويلة من انتهاء عرضه السينمائي رغم أنه حقق إيرادات ضخمة ونجاحا جماهيريا كبيرا، متسائلا عن سبب غياب هذه الاعتراضات خلال فترة عرضه في السينمات.
وانتقد «خير الله» موقف حزب النور من الفيلم قائلا: «هل لم يكن هناك خلال السنوات الماضية أي قرارات أو قضايا مجتمعية أو سلوكيات تستحق الاهتمام والنقد أكثر من فيلم برشامة؟»، معتبرا أن الحزب بوصفه حزبا سياسيا كان الأولى به أن يوجه اهتمامه إلى قضايا أكثر أهمية وتأثيرا في المجتمع.
وأكد أنه لا يرى في الفيلم أي مشاهد يمكن اعتبارها ازدراء للأديان أو إساءة للدين الإسلامي، موضحا أن بعض المنتقدين اعتبروا التلاعب بالألفاظ أو ظهور هشام ماجد في شخصية شيخ ملتحي نوعا من الإساءة لكنه لا يتفق مع هذا التفسير.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن هناك قضايا أكثر أهمية تستحق الاهتمام من الهجوم على فيلم كوميدي بعد أشهر من عرضه.