محمد مازن يكتب من بكين: المول في مواجهة الهاتف!
تعلمت أن المدن تتغير عندما تتغير احتياجات الناس.
وقد شهدت هنا في الصين تحولا هائلا في طريقة التسوق. المدن التي كانت قبل سنوات قليلة تتنافس في بناء المولات العملاقة، أصبحت اليوم تتنافس في بناء مراكز لوجستية ذكية ومستودعات توزيع ومرافق رقمية تخدم التجارة الإلكترونية.
في البداية لم أفهم ما الذي يحدث.
كنت أرى مولات ضخمة افتتحت حديثا، ثم ألاحظ أن كثيرا من المتاجر داخلها بدأت تقلص مساحاتها. بعض العلامات التجارية الكبرى التي كانت تتسابق للحصول على أفضل المواقع داخل المراكز التجارية أصبحت تركز أكثر على البيع عبر الإنترنت.
ومع الوقت بدأت الصورة تتضح.
لم تعد المتاجر تنتظر الزبون ليأتي إليها.
بل أصبحت هي التي تذهب إليه.
ضغطة زر واحدة على الهاتف تكفي ليصل الطعام أو الملابس أو الدواء أو الأجهزة الإلكترونية أو أي شيء آخر إلى باب المنزل خلال دقائق داخل المدينة، أو خلال أيام قليلة إذا كانت قادمة من مدينة تبعد أكثر من ألف كيلومتر.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليسرع هذا التحول أكثر. لم يعد المستهلك بحاجة إلى التجول بين عشرات المحال بحثا عن منتج مناسب. أصبحت الخوارزميات تعرف ما يحتاجه قبل أن يبحث عنه أحيانا، وتقترح عليه المنتجات، وتقارن الأسعار، وتقرأ تقييمات المستخدمين، وتعرض البدائل الأقرب إلى ذوقه واحتياجاته.
ببساطة، أصبحت السلع تنتقل إلى الناس بدلا من انتقال الناس إلى السلع.
وأنا جالس في المنزل، أصبح كل شيء هو الذي يأتي إلي.
أفتح التطبيق فأجد كل شيء مرتبا بصورة تكاد تكون مدهشة. المنتجات مصنفة، والاقتراحات جاهزة، والعروض تظهر في الوقت المناسب، وكأن أحدا يجلس في الخلفية يرتب احتياجات ملايين الناس.
في الوقت نفسه، لم تعد المنصات الإلكترونية مجرد متاجر على الإنترنت، بل أصبحت منظومات متكاملة لإدارة حركة السلع من المزرعة والمصنع إلى باب المنزل. وفي الخلفية تعمل مستودعات ذكية وأنظمة فرز آلية وروبوتات تتحرك بدقة تكاد تقترب من الكمال.
وفي بعض المدن أصبحت مركبات التوصيل الذاتية الحركة جزءا عاديا من المشهد اليومي. تتحرك بهدوء على الأرصفة، وتعرف طريقها، وتتوقف أمام المبنى الصحيح، ثم ترسل إشعارا على الهاتف بأن الطلب وصل.
الأمر لم يعد يتعلق بالتسوق فقط.
بل بطريقة جديدة لتنظيم الحياة نفسها. في أحد الأيام وقفت أتأمل شاشة صغيرة في هاتفي كانت تقترح علي منتجات قد أحتاجها خلال الأيام القادمة. لم أكن قد بحثت عنها بعد، لكنها كانت هناك. إذا تحدثت مع صديق عن رغبتي في شراء منتج معين، وفتحت الهاتف بعدها فكان أول ما رأيت.
في تلك اللحظة أدركت أن العالم يتحرك بسرعة أكبر مما نتصور.
فالخدمات والسلع لم تعد تنتظر الناس، بل أصبحت تبحث عنهم وتصل إليهم أينما كانوا.
فالتجارة الإلكترونية تنمو عاما بعد عام.
والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سلوك المستهلكين. وخدمات التوصيل أصبحت جزءا من الحياة اليومية.
والعمل والتعليم والترفيه والتسوق ينتقل تدريجيا إلى الفضاء الرقمي.
وأصبحت كثير من المولات حول العالم تعاني من انخفاض الإقبال أو تغير طبيعة استخدامها.
لم يعد نجاح المركز التجاري مرتبطا بعدد المتاجر الموجودة بداخله، بل بقدرته على تقديم تجربة لا يستطيع الهاتف المحمول أن يوفرها.
فالمنافسة لم تعد بين مول وآخر.
بل بين المول والهاتف الموجود في جيبك، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في أنماط الاستهلاك والتجارة.
أشاهد هذا بوضوح، بينما توجد أشبه بموجة مولات ومراكز تجارية الجديدة تتسارع في مدننا الجديدة.
ربما لا تكون المشكلة في افتتاحها اليوم، بل في قدرتها على البقاء ممتلئة بالمستأجرين والزوار بعد خمس أو عشر سنوات.
ستظل المدن بحاجة إلى المكاتب والعيادات والخدمات المختلفة، بل إن الطلب عليها قد يزداد مستقبلا. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع أنواع المساحات التجارية ستنمو بالوتيرة نفسها أو بالقدر نفسه من الطلب.
الأمر يستحق التفكير، خصوصا بالنسبة لآلاف الأفراد الذين يشترون وحدات ومحلات تجارية باعتبارها استثمارا طويل الأجل. فنجاح الاستثمار لا يقاس فقط بامتلاك العقار، بل بقدرته على توليد عائد مستمر وإمكانية تأجيره أو إعادة بيعه مستقبلا.
ونجاح أي توسع تجاري واسع النطاق يفترض أن يستند إلى دراسات دقيقة لا تكتفي بقراءة احتياجات السوق الحالية، بل تحاول استشراف أثر التجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وخدمات التوصيل على الطلب المستقبلي.
فالتاريخ مليء باستثمارات بدت واعدة في لحظة معينة، ثم فقدت جزءا كبيرا من قيمتها عندما تغيرت التكنولوجيا أو تبدلت أنماط الاستهلاك.
التخطيط الناجح لا يبدأ من السؤال: ماذا نستطيع أن نبني؟ بل من السؤال: ماذا سيحتاج الناس بعد عشر سنوات؟
هذا هو الفارق بين بناء مدينة للمستقبل وبناء مدينة للماضي.
فالتحدي الحقيقي ليس كيف نبني المزيد من المولات.
بل كيف نبني مدنا أكثر ذكاء.
مدنا تدرك أن الاقتصاد الرقمي لا يحتاج دائما إلى مزيد من واجهات العرض الزجاجية، بل إلى بنية تحتية حديثة وخدمات لوجستية ذكية ومرافق تتوافق مع أنماط الحياة الجديدة.
الدرس ليس درسا في التجارة الإلكترونية فقط.
بل درسا في كيفية قراءة المستقبل.
فالمستقبل لا يعلن عن وصوله بضجيج.
أحيانا يمر بهدوء...
ثم نكتشف لاحقا أنه كان هنا بالفعل.



