رئيس التحرير
خالد مهران

المهندس محمد الفيشاوى يكتب: عرفة.. خيرُ يومٍ طلعت فيه شمس

المهندس محمد الفيشاوى
المهندس محمد الفيشاوى

ليس في أيام الدنيا يومٌ اجتمعت له أسباب الرحمة والفضل كما اجتمعت ليوم عرفة، حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ عَرَفَةَ".

ولم يكن هذا الوصف النبوي العظيم من فراغ، بل لأن يوم عرفة يحمل من المعاني الربانية ما يجعله يومًا استثنائيًا في حياة الأمة والإنسانية معًا.

فهو أكثر الأيام عتقًا من النار، إذ أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله ما من يوم أكثر من أن يعتق فيه عبادًا من النار من يوم عرفة. 
وكأن أبواب الرحمة تُفتح فيه على مصراعيها، لتمنح المذنبين فرصة النجاة، ولتؤكد أن رحمة الله أكبر من كل ذنوب البشر.

وهو يوم المباهاة الإلهية، حين يباهي الله سبحانه وتعالى ملائكته بعباده الواقفين بعرفة، فيقول: "انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا، أشهدكم أنى قد غفرت لهم ".

مشهدٌ تهتز له القلوب ؛ بشرٌ تركوا الدنيا خلف ظهورهم، وأنفقوا فى سبيل ذلك الغالى والنفيس، وجاؤوا بقلوب منكسة وأيدٍ مرفوعة،  يرجون رحمة ربهم، فيغفر الله لهم.

جعل الله صيام يوم عرفه  لغير الحاج تكفيرًا لذنوب سنة ماضية وسنة قادمة، في دلالة عظيمة على سعة الفضل الإلهي في هذا اليوم المبارك.

هو يوم الدعاء الأعظم، فقد قال النبي صلي الله عليه وسلم "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ماقلته أنا والنبيين من قبلى لا إلهإلاالله وحده لا شريك له،  له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "    لأن القلوب فيه تكون أكثر صدقًا، وأكثر انكسارًا وتذللا لله سبحانه وتعالى، وأكثر قربًا من الله. 
ورُبّ دعوة خرجت من قلب صادق يوم عرفة غيّرت حياة إنسان كاملة.

إن من أعظم ما يميز هذا اليوم، أنه يوم اكتمال الدين وإتمام النعمة، فحين نزل قول الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ". فصار يوم عرفة شاهدًا على كمال الرسالة وتمام الهداية الإلهية للبشرية.

إن عظمة يوم عرفة لا تتوقف عند النصوص فقط، بل تمتد إلى ما يزرعه هذا اليوم في النفس من معانٍ عظيمة: 
فهو يوم اجتماع أعظم العبادات ؛ ففيه الحج، والصيام، والذكر، والدعاء، والتوبة، والصدقة، والانكسار لله، وكأن الله جمع فيه أبواب القرب كلها.

وهو: يوم سقوط الفوارق البشرية، حيث يقف الملايين بلباس واحد، وهيئة واحدة، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، فيتجلى المعنى الحقيقي للعبودية والمساواة الإنسانية فى أرقى وأصدق صورها.

وهو مشهد يذكّر بيوم القيامة، اجتماعٌ في صعيد واحد، تحت الشمس، والقلوب بين الخوف والرجاء، وكأن الله يوقظ الإنسان من غفلته ليعيد ترتيب علاقته بربه ونفسه وآخرته.

وفي عرفة يراجع الإنسان نفسه بصدق ويقيم ذاته وسلوكه وأفعال ويراجع نفسه، ما الذي يجب أن يتغير،  لذلك لم يكن يوم عرفة يوم عبادة فقط، بل يوم مراجعة وإنقاذ وتجديد العهد مع الله سبحانه وتعالى.

إن فضل يوم عرفة  ليس للحجيج وحدهم، بل فتح الله أبواب رحمته فيه لكل مسلم أينما كان ؛ بالصيام، والدعاء، والذكر، والأعمال الصالحة، وحضور القلب.
إن الرحمة في يوم عرفة لا تنتظر أن يبحث عنها  الناس،  بل هي من تبحث عن القلوب الصادقة لتحتضنها.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر،  لا إله إلا الله،  الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.