رئيس التحرير
خالد مهران

تفاصيل أخطر قضايا فساد في قطاع البترول.. الاستيلاء على 2.3 مليون دولار عبر عقود بحرية مزورة

الاستيلاء على 2.3
الاستيلاء على 2.3 مليون دولار

كشفت تحقيقات نيابة الأموال العامة العليا وتحريات هيئة الرقابة الإدارية تفاصيل واحدة من أخطر قضايا الفساد المالي المرتبطة بقطاع النقل البحري والبترول، بعد اتهام مسؤولين سابقين داخل الشركة المصرية لناقلات البترول بالتورط في تسهيل الاستيلاء على أكثر من 2 مليون و300 ألف دولار أمريكي لصالح سمسار بحري بريطاني الجنسية، عبر اصطناع عقود وفواتير ومستندات بحرية مزورة بالمخالفة للقانون والأعراف البحرية الدولية.

وأسندت التحقيقات إلى المتهم الأول، مدير الإدارة التجارية السابق بالشركة، والمتهم الثاني أخصائي أول بالإدارة التجارية، استغلال طبيعة عملهما واختصاصاتهما الوظيفية في إعداد عقود استئجار ناقلات بحرية مزورة على غرار العقود الأصلية المبرمة بين الشركة وملاك الناقلات البحرية، بهدف تمرير عمولات ومبالغ مالية غير مستحقة لصالح المتهم الثالث، وهو سمسار بحري بريطاني الجنسية.

القانون والأعراف البحرية تحددان مسؤولية عمولات السمسرة

وكشفت تحريات هيئة الرقابة الإدارية أن القانون رقم 8 لسنة 1990 بشأن التجارة البحرية والأعراف المستقرة في سوق النقل الملاحي حددت ضوابط واضحة لعقود إيجار السفن بنظام “المشارطة بالرحلة”، وأكدت أن الوسيط البحري أو السمسار يتقاضى عمولته من مالك الناقلة البحرية المؤجر وليس من الشركة المستأجرة.

كما أوضحت التحريات أن السمسار البحري لا يعد طرفًا في العقد البحري ولا يتحمل مسؤولية تنفيذه، حيث تنتهي مهمته بمجرد التوفيق بين طرفي التعاقد، مؤكدة أن تلك القواعد مستقرة في سوق النقل البحري العالمي.

وأكدت التحريات صحة تلك القواعد من خلال تعاقد سابق أبرمته الشركة مع شركة “روساريو العالمية” لاستئجار الناقلة “أولمبيك ليجند”، حيث تم سداد أجرة النقل كاملة للشركة المالكة دون تحمل الشركة المستأجرة أي عمولات سمسرة أو إدراج وسيط بالعقد.

اصطناع عقود مزورة للاستيلاء على الأموال

وبحسب التحقيقات، قام المتهمان الأول والثاني باصطناع عقود استئجار ناقلات بحرية بنظام الرحلة الواحدة على غرار العقود الصحيحة الخاصة بنقل شحنات خام بترول كويتية وعراقية وسعودية لصالح الهيئة المصرية العامة للبترول، وأثبتا بها منح عمولات ومبالغ مالية لصالح المتهم الثالث بالمخالفة للحقيقة والأعراف البحرية التي تلزم ملاك الناقلات بتحمل تلك العمولات.

كما تضمنت العقود المزورة تحميل الشركة غرامات تأخير ومبالغ إضافية غير مستحقة، فضلًا عن إثبات تنازل الشركة عن خصومات مالية لصالح السمسار البحري بالمخالفة للحقيقة.

وكشفت التحقيقات أن الأموال محل الاتهام تم تحويلها من الحساب البنكي الخاص بالشركة الشاكية إلى حسابات بنكية أجنبية تخص شركات مرتبطة بالمتهم الثالث، وهي “وورلد تانكرز” و”شارتمير إنفستمنت” و”وسترن ”، عبر بنوك في اسكتلندا وقبرص وسويسرا.

رسائل بريد إلكتروني وعقود مزورة ضمن الأحراز

وأرفقت جهات التحقيق ضمن أوراق القضية رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين المتهمين الأول والثاني والمتهم الثالث، إلى جانب ترجمتها الرسمية، فضلًا عن العقود الأصلية والعقود المزورة ومذكرات التعاقد التي تضمنت المبالغ المالية المستولى عليها.

كما تضمنت الأحراز نماذج التحويلات البنكية الصادرة من حساب الشركة الشاكية لدى بنك مصر إلى الحسابات البنكية الخارجية الخاصة بالشركات التابعة للمتهم الثالث، بالإضافة إلى كشوف الحسابات البنكية التي أثبتت خروج المبالغ محل الاتهام.

وأكدت التحقيقات أن قيمة الأموال المستولى عليها بلغت أكثر من 2.3 مليون دولار أمريكي، جرى تمريرها عبر 12 عقد نقل بحري خاص بشحنات مواد بترولية.

بداية اكتشاف الواقعة داخل الشركة

وبدأت خيوط القضية في الظهور عقب تعرض الشركة لخسائر مالية دفعت إدارة المراجعة الداخلية إلى فحص المراسلات الإلكترونية الخاصة بعمولات السمسرة والعقود البحرية.

وشهد محمود عبد النبي عبد العال، محامي الشركة، أمام نيابة الأموال العامة العليا، بأن إدارة المراجعة طلبت مراجعة البريد الإلكتروني الخاص بالتعاملات التجارية، وعلى إثر ذلك أبلغ المتهم الثاني المتهم الأول بأنه قد يتعرض للمساءلة القانونية، قبل أن يقر له بتواطئهما مع المتهم الثالث في اصطناع عقود مزورة تتضمن عمولات غير حقيقية لصالح السمسار البحري البريطاني.

وأضاف الشاهد أن المتهم الثالث كان يمثل حلقة الوصل مع ممثل ملاك الناقلات البحرية “لوكاس سانجراتيه”، وأن الأموال المستولى عليها جرى تحويلها إلى حسابات ببنوك أجنبية.

مفاجأة داخل مقر الشركة بعد انتهاء ساعات العمل

كما كشف يحيى محمد صلاح الدين، القائم بأعمال مدير الإدارة التجارية بالشركة، تفاصيل مثيرة خلال شهادته، موضحًا أنه أثناء وجوده بمقر الشركة عقب انتهاء ساعات العمل فوجئ بعودة المتهم الثاني إلى مكتبه رغم مغادرته سابقًا.

وأضاف أنه بسؤاله عن سبب عودته أخبره بأنه “سيُعاقب ويغيب عن العمل” إذا قدم المستندات المطلوبة، قبل أن يقوم بتشغيل جهاز الحاسب الآلي وإرشاده إلى المراسلات الإلكترونية المتبادلة بينه وبين المتهم الثالث.

وأوضح أن الفحص كشف وجود عقدين لكل عملية نقل بحري؛ أحدهما صحيح تم إخفاؤه عن الشركة، والثاني مزور جرى اصطناعه لاحقًا وتم تداوله داخل الإدارات المختلفة لصرف المبالغ المالية محل الاتهام.

لجنة داخلية تكشف تزوير 12 عقدًا بحريًا

وأكدت لجنة الفحص الداخلية التي شكلتها الشركة أن المتهمين سهلوا استيلاء السمسار البحري البريطاني على أكثر من 2.3 مليون دولار أمريكي، عبر تزوير 12 عقد استئجار ناقلات بحرية والفواتير المرتبطة بها واستعمالها داخل الإدارات التجارية والمالية بالشركة.

وأوضحت اللجنة أن المتهم الثالث كان يرسل العقود الأصلية الصحيحة إلى البريد الإلكتروني للمتهمين الأول والثاني، ليقوما بعد ذلك بإعداد نسخ مزورة تتضمن عمولات وغرامات وإيرادات إضافية بالمخالفة للأعراف البحرية، ثم يعيدان إرسالها إلى الإدارة التجارية بالشركة لاستكمال إجراءات اعتمادها وصرفها.

تسجيلات صوتية ورسائل إلكترونية تدين المتهمين

وشهد محمد عادل، المحاسب بالإدارة المالية وعضو اللجنة الداخلية المشكلة لفحص الواقعة، بأن المتهم الثاني أقر خلال التحقيق الإداري بارتكاب الوقائع محل الاتهام، كما قدم تسجيلات صوتية ورسائل بريد إلكتروني متبادلة بينه وبين المتهم الأول والمتهم الثالث، وتم ضمها إلى التحقيقات باعتبارها أدلة على التلاعب والتزوير.

الهيئة المصرية للبترول: لا نتعامل مع السماسرة

وأكد أحمد سعيد عبد الحليم، مدير عام إدارة النولون بالتجارة الخارجية في الهيئة المصرية العامة للبترول، أن الهيئة لا تتعامل مع السماسرة البحريين كطرف في التعاقدات، ولا تتحمل أي عمولات تخصهم.

وأوضح أن إجراءات التعاقد تتم من خلال مناقصات تطرح على الشركات المسجلة لدى الهيئة وفق الأسعار العالمية الاسترشادية، وأن أي عمولات تخص السماسرة يتحملها مالك الناقلة البحرية أو طالب الخدمة، ولا يجوز إدراجها كبند داخل عقود الإيجار.

خبير بحري يكشف المخالفات الفنية بالعقود المزورة

ومن جانبه، أكد رضا فاروق الشامي، الخبير البحري المقيد بجدول خبراء النقل البحري بالمحكمة الاقتصادية وعضو اللجنة المنتدبة من النيابة العامة، أن مقارنة العقود الأصلية بالنسخ الأخرى أثبتت أن العقود المزورة صدرت من غير ذي صفة وتضمنت مخالفات فنية جسيمة تخالف الأعراف المستقرة في سوق النقل الملاحي.

وأوضح أن العقود المزورة تضمنت تحميل الشركة المستأجرة عمولات السمسرة بدلًا من ملاك الناقلات البحرية، فضلًا عن إدخال طرف ثالث في العلاقة التعاقدية دون وجود صفة قانونية واضحة له.

وأشار إلى أن فحص أحد العقود الخاصة بالناقلة “أنتينيس إنجلكوتاي” كشف اختلافه عن العقد الأصلي، حيث تضمن منح عمولة بنسبة 6% للسمسار البحري بالمخالفة للعقد الأصلي الذي نص صراحة على أن السمسار يتقاضى عمولته من مالك الناقلة المؤجر.

وأضاف الخبير أن المراسلات الإلكترونية الخاصة بالعقود المزورة تمت مباشرة بين المتهمين الأول والثاني والمتهم الثالث دون التواصل مع ملاك الناقلات البحرية، وهو ما تسبب في تحميل الشركة مبالغ إضافية تجاوزت 2.3 مليون دولار أمريكي دون وجه حق.

اتهامات بالاستيلاء والتزوير واستعمال المحررات المزورة

وأسندت جهات التحقيق للمتهمين جرائم تسهيل الاستيلاء على المال العام، والتزوير في محررات لإحدى الشركات المساهمة التي تساهم الدولة في أموالها، واستعمال محررات مزورة، إلى جانب اشتراك المتهم الثالث بطريقي الاتفاق والمساعدة في ارتكاب الجرائم محل الاتهام.

وتواصل جهات التحقيق استكمال الإجراءات القانونية في القضية، وسط ترقب لإحالة المتهمين إلى المحاكمة الجنائية في واحدة من أكبر قضايا التلاعب بعقود النقل البحري داخل قطاع البترول المصري.