رئيس التحرير
خالد مهران

وزارة المالية تراهن على الشفافية لجذب المستثمرين

لقاء مع مستثمرين
لقاء مع مستثمرين دوليين

في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية العالمية، وتفرض المتغيرات الإقليمية والدولية واقعًا ماليًا شديد التعقيد على مختلف الدول، تواصل وزارة المالية المصرية تحركاتها المكثفة مع المستثمرين والمؤسسات الدولية، في محاولة لتقديم صورة أكثر وضوحًا عن السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الدولة، ورسائل طمأنة تؤكد أن الاقتصاد المصري ما زال قادرًا على الصمود والتحرك نحو الاستقرار رغم التحديات المتلاحقة.

وخلال سلسلة من اللقاءات المباشرة والافتراضية مع مستثمرين دوليين ومؤسسات مالية عالمية، حرصت وزارة المالية على شرح الرؤية المصرية في التعامل مع التحديات الاقتصادية الراهنة، مع التأكيد على أن الدولة تسير وفق خطة متوازنة تستهدف حماية المواطن، والحفاظ على الاستقرار المالي، وتهيئة مناخ أكثر جذبًا للاستثمار المحلي والأجنبي.

الحكومة تتحرك سريعًا في مواجهة التحديات

أكد أحمد كجوك وزير المالية، أن الحكومة المصرية تعاملت مع التطورات الاقتصادية الأخيرة بمنهج استباقي سريع، ساعد على امتصاص جانب كبير من تداعيات الأزمات الخارجية التي انعكست على اقتصادات المنطقة والعالم، مشيرًا إلى أن هذا التحرك المبكر لاقى ردود أفعال إيجابية من جانب المستثمرين الدوليين الذين تابعوا عن قرب خطوات الدولة خلال الفترة الماضية.

وأوضح الوزير أن الرسائل التي تنقلها الحكومة للمستثمرين تقوم على المكاشفة الكاملة، لأن الصراحة في عرض التحديات قبل الإنجازات تمنح المؤسسات الدولية ثقة أكبر في السياسات الاقتصادية، وتؤكد جدية الدولة في التعامل مع الملفات المالية دون تجميل أو مبالغة.

وأضاف أن الحكومة تدرك أن المستثمر لا يبحث فقط عن الأرقام، وإنما يهتم أيضًا بمدى وضوح الرؤية، وصدق الرسائل الرسمية، وقدرة الدولة على الالتزام بما تعلنه من خطط وإجراءات على أرض الواقع.

إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية

وأشار وزير المالية إلى أن الدولة المصرية أعادت ترتيب أولويات الإنفاق العام بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الحالية، بحيث تم توجيه الموارد المتاحة إلى القطاعات الأكثر أهمية وتأثيرًا على حياة المواطنين وعلى استقرار الاقتصاد في الوقت نفسه.

وأوضح أن الحكومة ركزت على توفير الاحتياجات الأساسية وفي مقدمتها تأمين قطاع الطاقة، وضمان استدامة الإمدادات اللازمة لتشغيل المصانع والمنشآت الإنتاجية، إلى جانب الحفاظ على الأمن الغذائي وتأمين السلع الاستراتيجية، باعتبارها من الملفات التي لا تحتمل التأجيل في ظل الأوضاع العالمية المتقلبة.

وأكد أن هذا التوجه يعكس حرص الدولة على تحقيق التوازن بين حماية الفئات الأكثر احتياجًا، والحفاظ على النشاط الاقتصادي، وخلق بيئة مناسبة للمستثمرين تمكنهم من اتخاذ قرارات طويلة الأجل داخل السوق المصرية.

رسائل طمأنة للمستثمرين الدوليين

وخلال اللقاءات التي عقدتها وزارة المالية مع عدد من المؤسسات الاستثمارية العالمية، شددت الحكومة على أن الاقتصاد المصري ما زال يمتلك عناصر القوة التي تؤهله للعبور من المرحلة الحالية، رغم التحديات التي فرضتها الأزمات العالمية.

وأكد الوزير أن الاقتصاد المصري يسير في مسار متوازن نحو الاستقرار، مدعومًا بحزمة من الإصلاحات المالية والهيكلية التي تستهدف تعزيز الإنتاج والتصنيع وزيادة الصادرات، بما يقلل من الضغوط على العملة الأجنبية ويرفع من قدرة الاقتصاد على النمو المستدام.

وأشار إلى أن مصر ما زالت تمتلك فرصًا استثمارية كبيرة في قطاعات متعددة، تشمل الصناعة والطاقة والسياحة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، بالإضافة إلى حوافز ضريبية وجمركية تستهدف دعم مجتمع الأعمال وتشجيع المستثمرين على التوسع داخل السوق المحلية.

تواصل مستمر مع المؤسسات الاقتصادية

من جانبها، أكدت نيفين منصور مستشار وزير المالية لعلاقات المؤسسات الاقتصادية، أن الوزارة تتبنى نهجًا جديدًا في التواصل مع المستثمرين يقوم على الاستمرارية والشفافية، عبر لقاءات دورية وتقارير منتظمة توضح التطورات الاقتصادية بصورة متوازنة.

وأوضحت أن الوزارة أجرت خلال الفترة الأخيرة عدة لقاءات مع مؤسسات مالية دولية، من بينها مجموعة "جيفريز" المالية، إضافة إلى اجتماعات أخرى مع مستثمرين إيطاليين وأوروبيين ومستثمري أسواق المال، وذلك بالتعاون مع بنك "إنتيزا سان باولو"، من خلال تقنية الفيديو كونفرانس.

وقالت إن هذه اللقاءات لا تقتصر على عرض المؤشرات الاقتصادية فقط، بل تتضمن أيضًا شرحًا تفصيليًا للإجراءات الحكومية، وخطط إدارة الدين، ومستهدفات الموازنة، والتطورات المتعلقة ببيئة الاستثمار، وهو ما يساعد على بناء صورة أكثر واقعية لدى المستثمر الأجنبي.

مؤشرات مالية قوية خلال 9 أشهر

وكشفت وزارة المالية خلال هذه اللقاءات عن تحقيق أداء مالي قوي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي الجاري، مدعومًا بتحسن النشاط الاقتصادي وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النمو.

وأشارت البيانات إلى أن مصر سجلت فائضًا أوليًا بلغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من يوليو حتى مارس الماضيين، وهو ما يعكس نجاح جهود ضبط الإنفاق العام وتحسين كفاءة إدارة الموارد.

كما بلغ العجز الكلي للموازنة نحو 5.2% خلال نفس الفترة، وهو مستوى يعكس استمرار الحكومة في السيطرة على المؤشرات المالية رغم استمرار التحديات الخارجية والضغوط التي تواجه الاقتصاد العالمي.

ويرى مراقبون أن الحفاظ على فائض أولي بهذا الحجم يمثل رسالة إيجابية للأسواق الدولية، لأنه يعكس قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، ويعزز من فرص خفض مستويات الدين على المدى المتوسط.

نمو الإيرادات دون فرض أعباء جديدة

وفي ملف الضرائب، أوضحت الوزارة أن سياسة التسهيلات الضريبية التي تم تطبيقها خلال الفترة الماضية ساهمت في رفع معدلات الالتزام الطوعي بين الممولين، ما انعكس بصورة مباشرة على زيادة الإيرادات العامة للدولة.

وأكدت الوزارة أن الإيرادات الضريبية سجلت نموًا بنحو 29% دون فرض أي أعباء ضريبية جديدة على المواطنين أو المستثمرين، وهو ما اعتبرته مؤشرًا على نجاح سياسة الشراكة مع مجتمع الأعمال بدلًا من الاعتماد على أدوات الجباية التقليدية.

وترى الحكومة أن هذا النهج الجديد في إدارة الملف الضريبي يمكن أن يشكل نقطة تحول في العلاقة بين الدولة والممولين، خاصة مع التركيز على بناء الثقة وتبسيط الإجراءات وتقديم حوافز تشجع على الانضمام للاقتصاد الرسمي.

تراجع الدين الخارجي لأجهزة الموازنة

وفي خطوة وصفت بأنها إيجابية، أعلنت وزارة المالية انخفاض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة العامة بنحو 4 مليارات دولار في يونيو 2025 مقارنة بمستوياته في عام 2023.

ويعكس هذا التراجع نجاح جهود الحكومة في إدارة الالتزامات الخارجية بشكل أكثر كفاءة، وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي تدريجيًا، في إطار خطة أوسع لإعادة هيكلة الدين العام وتحسين مؤشرات الاستدامة المالية.

وأكدت الوزارة أن خفض الدين الخارجي يمثل أحد الأهداف الرئيسية للسياسات الاقتصادية الحالية، لما له من تأثير مباشر على استقرار السوق، وتحسين التصنيف الائتماني، وتعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.

الاستثمار رهان المرحلة المقبلة

وتسعى الحكومة من خلال هذه التحركات إلى التأكيد على أن المرحلة المقبلة ستكون قائمة على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، باعتبارها أحد أهم مصادر دعم الاقتصاد الوطني وتوفير العملة الأجنبية وخلق فرص العمل.

وترى وزارة المالية أن تحسين مناخ الاستثمار لا يرتبط فقط بالحوافز، وإنما يتطلب أيضًا وضوح السياسات، واستقرار التشريعات، وسرعة اتخاذ القرار، وهي الملفات التي تعمل الحكومة على تطويرها ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الجاري.

ومع استمرار التحديات الاقتصادية العالمية، يبدو أن الحكومة المصرية تراهن على الشفافية والمصارحة كأداة رئيسية لبناء جسور الثقة مع المستثمرين الدوليين، في محاولة لتحويل التحديات الحالية إلى فرصة لإعادة تقديم الاقتصاد المصري بصورة أكثر قوة وقدرة على المنافسة في السنوات المقبلة.