رئيس التحرير
خالد مهران

عين حلوان.. فرصة إنقاذ وشفاء أهدرها الإهمال

عين حلوان
عين حلوان

في جنوب القاهرة، حيث تمتد حلوان بتاريخها العريق كمدينة للهواء النقي والعيون الكبريتية والقصور القديمة، تقف “عين حلوان” اليوم كواحدة من أكثر الأماكن إثارة للأسئلة.

ليست مجرد حديقة مهملة أو موقع طبيعي فقد بريقه، بل قصة كاملة تختلط فيها الذاكرة الشعبية، والقيمة العلاجية، والتراجع الإداري، مع أحلام مؤجلة بإعادة الإحياء.

هذا التحقيق لا يرصد فقط ما كانت عليه عين حلوان، بل يحاول تفكيك ما حدث، وقراءة مطالب الناس، واستشراف ما يمكن أن تكون عليه.

حين كانت “العين” حياة… ذاكرة الفسحة والعيلة والجمعة

“كنا كل يوم جمعة نروح”… جملة تتكرر على ألسنة عشرات من أبناء حلوان، ولم تكن الزيارة حدثًا استثنائيًا، بل طقسًا أسبوعيًا ثابتًا، يشبه العادة الاجتماعية التي لا تنقطع.

الأب يحمل أطفاله، الأم تُجهّز ما تيسر من طعام بسيط، والرحلة تبدأ نحو مكان لا يحتاج إلى تذكرة دخول ولا تكاليف مرتفعة.

هناك، على السلالم الحجرية، كانت العائلات تجلس، يضع الأطفال أقدامهم في المياه، وتنساب الضحكات بلا تكلف.

حولهم، عربات الترمس والفول والقصب، وأصوات الباعة، ومشهد إنساني بسيط لكنه مكتمل.

كانت “عين حلوان” أكثر من فسحة… كانت حياة يوم كامل.

مياه كبريتية… بين الطب الشعبي والواقع العلمي

ارتبطت عين حلوان لعقود طويلة بفكرة “الشفاء”.
المياه التي تخرج من باطن الأرض، بطبيعتها الكبريتية، كانت في نظر كثيرين علاجًا لأمراض جلدية ومشاكل صحية مختلفة.

قصص الناس لا تزال حاضرة

أم تقول إن قدمها تحسّنت، وأب يروي كيف كان يأخذ أبناءه للعلاج، وآخرون يتحدثون عن شرب المياه من الحنفيات المنتشرة حول العين.

لكن رغم قوة هذه الشهادات، يظل التقييم العلمي الحديث للمياه غائبًا عن المشهد العام، وهو ما يجعل أي حديث عن إعادة استخدامها يحتاج إلى دراسات دقيقة توازن بين الفائدة والأمان.

متحف الشمع… حين كان المكان يجمع بين الترفيه والمعرفة

لم تكن عين حلوان منفصلة عن محيطها، بل كانت جزءًا من تجربة أوسع، متحف الشمع القريب شكّل مع العين وجهة متكاملة للرحلات المدرسية.

أتوبيسات المدارس كانت تتوافد، والطلاب يتنقلون بين الطبيعة والمجسمات التاريخية، في تجربة تجمع بين التعليم والترفيه.

هذا التكامل منح المنطقة قيمة مزدوجة، جعلتها ليست فقط متنزهًا، بل محطة تعليمية وثقافية أيضًا.

التحول البطيء… كيف بدأ الانحدار؟

لم تختفِ عين حلوان فجأة، بل تراجعت تدريجيًا، ومع نهاية التسعينيات، بدأت مظاهر التغيير تظهر من خلال ضعف الصيانة، وتراجع النظافة، وغياب الإدارة المستمرة، وتغير طبيعة الاستخدامات حول المكان.

لم يكن هناك قرار واحد أنهى دور العين، بل سلسلة من الإهمال المتراكم، جعلت المكان يفقد شيئًا فشيئًا وظيفته الأساسية، وبمرور الوقت، تحول من مقصد مزدحم إلى مساحة أقل حضورًا، ثم إلى ملف مثير للجدل.

بين الغضب والاتهام… خطاب شعبي يحتاج إلى توثيق

في تعليقات الأهالي، يظهر الغضب واضحًا، اتهامات بالإهمال، وأحيانًا بوجود مصالح أو ضياع فرص، لكن من منظور صحفي، يبقى من الضروري الفصل بين الشعور والواقعة.
فأي اتهام يحتاج إلى مستندات، وأي حديث عن فساد أو إهدار مال عام يحتاج إلى تحقيق رسمي.

ما يمكن تأكيده هو وجود تراجع، لكن تفسير هذا التراجع يظل مفتوحًا للبحث.

مطالب الأهالي… واضحة لكنها غير منظمة

رغم غياب خطاب رسمي موحد، فإن مطالب أهالي حلوان تتكرر بوضوح في سياق الحديث عن عين حلوان، ويريدون مكانًا نظيفًا ومفتوحًا وآمنًا، ويريدون عودة “الفسحة البسيطة” التي لا تحتاج إلى تكلفة، ويريدون استغلال المياه بشكل علمي يحقق فائدة حقيقية، ويريدون رقابة تمنع أي تدهور أو استخدام غير منظم.

البعض يذهب أبعد من ذلك، مطالبًا بتحويل المكان إلى مقصد سياحي علاجي عالمي، يمكن أن يدر عائدًا اقتصاديًا كبيرًا.

لكن كل هذه المطالب تظل حتى الآن “صوتًا شعبيًا” لم يتحول إلى ملف تنفيذي متكامل.

فرصة استثمارية أم مخاطرة بيئية؟

طرح تحويل عين حلوان إلى مشروع استثماري، سواء عبر فندق أو منتجع علاجي، يبدو جذابًا للبعض.

لكن هذا الطرح يحمل تحديات حقيقية، حيث طبيعة الموقع الجيولوجية الحساسة، والحاجة إلى دراسات بيئية دقيقة، وضرورة الحفاظ على الهوية التاريخية، وضمان عدم تحويل المكان إلى مشروع مغلق يفقد طابعه الشعبي، وأي استثمار غير مدروس قد يضر بالمورد نفسه، بدل أن يطوره.

الحل بين الدولة والمجتمع… وليس طرفًا واحدًا

إحياء عين حلوان لا يمكن أن يكون مسؤولية جهة واحدة فقط، فالدولة مطالبة بوضع رؤية واضحة وخطة تطوير، والجهات البحثية مطالبة بدراسة المياه والبيئة، والمجتمع مطالب بالحفاظ على المكان بعد تطويره، والقطاع الخاص يمكن أن يكون شريكًا، لكن بشروط واضحة، وبدون هذا التكامل، ستظل كل الحلول جزئية وغير مستدامة.

هل تعود “العين” للحياة؟

عين حلوان اليوم ليست مجرد مكان مهمل، بل اختبار لقدرتنا على التعامل مع التراث الطبيعي والاجتماعي، فهي قصة مدينة، وذاكرة عائلات، وفرصة اقتصادية محتملة، لكنها أيضًا نموذج لما يحدث عندما يغيب التخطيط طويل المدى، والحنين وحده لا يكفي، والغضب وحده لا يغير الواقع، وما تحتاجه عين حلوان هو قرار مبني على العلم، والإدارة، واحترام الذاكرة، وحتى يحدث ذلك، ستظل “العين” معلقة بين زمنين: زمن كانت فيه حياة… وزمن ينتظر أن تعود.

1000010804
1000010807
1000010805
1000010806
1000010802
1000010811
1000010809
1000010810
1000010803