مصر تدخل مرحلة جديدة في العمل الضريبي عن طريق «الإدارة الشريكة»
في خطوة تعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة العمل الضريبي داخل مصر، أعلنت مصلحة الضرائب المصرية انتقالها إلى نموذج «الإدارة الضريبية الشريكة»، في إطار تعاون دولي متقدم ضمن برنامج «مأموري فحص بلا حدود» (TIWB)، وهو ما اعتُبر إنجازًا جديدًا يُضاف إلى مسار التطوير المؤسسي الذي تشهده المنظومة الضريبية خلال السنوات الأخيرة.
وجاء الإعلان ليؤكد أن مصر لم تعد فقط متلقية للدعم الفني والخبرات الدولية، بل أصبحت طرفًا فاعلًا وشريكًا يقدم المعرفة والخبرة للدول الأخرى، في تحول يعكس ثقة المؤسسات الدولية في الكوادر الضريبية المصرية وقدرتها على نقل التجربة تصديرها.
انتقال نوعي من الدعم الفني إلى الشراكة الدولية
أكدت رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، أن هذا التحول يمثل نقطة فارقة في تاريخ العمل الضريبي، موضحة أن مصر انتقلت من مرحلة تلقي الدعم وبناء القدرات إلى مرحلة تقديم الدعم الفني ونقل الخبرات للدول الشريكة.
وأشارت إلى أن هذا التطور جاء بدعم وتوجيهات مستمرة من وزير المالية أحمد كجوك، الذي يضع على رأس أولوياته بناء إدارة ضريبية حديثة تقوم على الشراكة مع المجتمع الضريبي وتعزيز التعاون الدولي، بما يسهم في رفع كفاءة المنظومة وتوسيع نطاق تأثيرها الإقليمي والدولي.
وأضافت أن اعتماد مصر كـ«شريك» في البرنامج الدولي يعكس مستوى التقدم المؤسسي الذي وصلت إليه المصلحة، خاصة في مجالات دقيقة مثل تسعير المعاملات، والتي تُعد من أكثر الملفات الضريبية تعقيدًا على مستوى العالم.
برنامج «TIWB» ودور مصر فيه
ويأتي هذا الإنجاز في إطار مشاركة مصر في برنامج «مأموري فحص بلا حدود» (TIWB)، وهو برنامج مشترك بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ويهدف إلى تعزيز قدرات الإدارات الضريبية في الدول النامية عبر تبادل الخبرات الفنية والتدريب العملي.
وفي هذا السياق، تم الاتفاق بين مصلحة الضرائب المصرية ومصلحة الضرائب بدولة سيشل على قيام خبراء مصريين بتقديم ورش عمل تدريبية متخصصة في مجال تسعير المعاملات، حيث تم بالفعل تنفيذ أولى هذه الورش خلال الفترة من 7 إلى 10 أبريل 2026.
ويُعد هذا التعاون أحد أبرز المؤشرات على الثقة الدولية المتزايدة في الخبرة المصرية، خاصة في الملفات المرتبطة بالحوكمة الضريبية والتعامل مع الأنشطة الاقتصادية العابرة للحدود.
تسعير المعاملات.. خبرة مصرية تتصدر المشهد
برزت مصر خلال السنوات الأخيرة كأحد الدول التي طورت خبرة متقدمة في ملف تسعير المعاملات، وهو أحد أكثر الملفات تعقيدًا في النظم الضريبية الحديثة، نظرًا لارتباطه بالشركات متعددة الجنسيات وآليات توزيع الأرباح بين الفروع الدولية.
وأوضحت رئيس المصلحة أن مشاركة الخبراء المصريين في تقديم التدريب للدول الأخرى يعكس مستوى النضج الفني الذي وصلت إليه المصلحة، ويؤكد أن الكفاءات الوطنية باتت قادرة على المنافسة والتأثير في الساحة الدولية.
كما أشادت بالدور الذي قام به عدد من الخبراء داخل المصلحة، من بينهم نسرين صلاح الدين، مدير إدارة تسعير المعاملات، ومحمد إبراهيم، مراجع بإدارة تسعير المعاملات، مؤكدة أن ما تحقق هو نتاج عمل جماعي يعكس كفاءة العنصر البشري داخل المنظومة.
إشادة دولية وتوثيق عالمي للتجربة المصرية
ولم يقتصر صدى هذا الإنجاز على الداخل المصري فقط، بل امتد إلى المنصات الدولية، حيث تم نشر تفاصيل إطلاق البرنامج عبر الحساب الرسمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لموريشيوس وسيشل على منصة «لينكد إن».
ويُعد هذا التوثيق الدولي مؤشرًا مهمًا على الاهتمام العالمي بالتجربة المصرية في تطوير الإدارة الضريبية، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها مصر نحو نموذج أكثر انفتاحًا وتعاونًا مع المؤسسات الدولية.
الإدارة الضريبية الشريكة.. فلسفة جديدة في العمل المؤسسي
يمثل نموذج «الإدارة الضريبية الشريكة» تحولًا في فلسفة العمل، حيث يقوم على فكرة الانتقال من العلاقة التقليدية بين الإدارة الضريبية والممولين إلى علاقة قائمة على الثقة والتعاون وتبادل المعلومات.
ويستهدف هذا النموذج تعزيز الامتثال الطوعي، وتقليل النزاعات الضريبية، ورفع كفاءة التحصيل، إلى جانب دعم بيئة الأعمال وتشجيع الاستثمار من خلال نظام ضريبي أكثر شفافية واستقرارًا.
ويرى خبراء أن هذا التوجه يضع مصر في مسار متقدم مقارنة بعدد من الدول في المنطقة، خاصة مع توسعها في بناء شراكات دولية وتصدير الخبرة الفنية في مجالات متخصصة.
كفاءات بشرية تقود التحول
شددت رشا عبد العال على أن العنصر البشري يظل الركيزة الأساسية في هذا التحول، مؤكدة أن ما تحقق لم يكن ليتحقق دون الجهد المتواصل للعاملين بالمصلحة.
وأشادت بروح العمل الجماعي داخل مصلحة الضرائب المصرية، معتبرة أن هذا الإنجاز يعكس تراكم خبرات طويلة وتطويرًا مستمرًا في الأداء المهني والتقني للعاملين.
وأضافت أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من الجهد للحفاظ على هذا الزخم، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي في مجال الإدارة الضريبية الحديثة.
نحو حضور إقليمي ودولي أقوى
يأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه مصر إلى تعزيز حضورها في المحافل الاقتصادية والمالية الدولية، من خلال تطوير أدواتها المؤسسية وتوسيع نطاق تعاونها مع المنظمات العالمية.
ويرى مراقبون أن نجاح مصلحة الضرائب المصرية في التحول إلى «شريك دولي» في البرامج الفنية المتخصصة، يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ صورة مصر كدولة تمتلك خبرة مؤسسية قابلة للتصدير، وليس فقط متلقية للخبرات.
يعكس هذا الإنجاز تحولًا أعمق من مجرد تعاون فني إلى إعادة صياغة دور مصر في منظومة الضرائب الدولية، حيث باتت مصلحة الضرائب المصرية لاعبًا فاعلًا في نقل المعرفة وتطوير النظم الضريبية في دول أخرى.
ومع استمرار هذا المسار، تبدو مصر أمام مرحلة جديدة من تعزيز موقعها كمرجعية إقليمية في الإدارة الضريبية الحديثة، في ظل توجه واضح نحو بناء منظومة أكثر كفاءة وشفافية وتكاملًا مع المعايير الدولية.







