آخرهم الاكتفاء الذاتي من المواد البترولية..
7 وعود وردية فشل «مدبولي» في تحقيقها على مدار 8 سنوات
على مدار سنوات الماضية، أطلق الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، سلسلة من الوعود الاقتصادية التي حملت طابع الطمأنة المتكرر للمواطنين، على رأسها الاكتفاء الذاتي من المواد البترولية، والدين العام، التضخم، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، لكن السنوات التالية كشفت عن فجوة كبيرة بين هذه التعهدات وما تحقق فعليًا على أرض الواقع.
وترصد جريدة «النبأ»، في السطور التالي أبرز 7 وعود لرئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي على مدار السنوات الماضية، والتي لم تتحقق بالشكل المعلن أو في التوقيت المحدد، لتسهم في اتساع فجوة الثقة بين الحكومة والمواطن المصري، في ظل استمرار الضغوط المعيشية وتراجع الإحساس بثمار الإصلاح الاقتصادي.
منذ 2018 حتى بداية عام 2026
في ملف الطاقة، جاء وعد الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية كأحد أبرز التعهدات، إذ أعلن «مدبولي» خلال عرضه لبرنامج الحكومة أمام مجلس النواب في يوليو 2021، أن مصر ستتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2023، بهدف تقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، لكن الهدف لم يتحقق في موعده، واستمرت الدولة في استيراد كميات كبيرة من الوقود خلال 2024 و2025، قبل أن تشير الحكومة في 2026 إلى تأجيل تحقيق الاكتفاء الذاتي إلى سنوات لاحقة، ما يحوّل الوعد من هدف قريب إلى خطة مؤجلة.
ولم يقتصر الأمر على تأجيل الإنتاج، بل شمل سياسات التسعير نفسها، ففي أكتوبر 2025، أعلنت الحكومة أنها لن تُزيد أسعار الوقود لمدة عام كامل، في محاولة لطمأنة المواطنين، غير أن هذا التعهد لم يصمد طويلًا، حيث تم تحريك الأسعار نهاية شهر مارس الماضي، وأوضح رئيس الوزراء أن ذلك جاء نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالميًا من نحو 61.3 دولارًا للبرميل وقت الإعلان إلى نحو 93 دولارًا، بزيادة تقارب 50%، مع تأكيده أن الدولة لا تزال تتحمل جزءًا كبيرًا من تكلفة الوقود، وأن القرار يُعد إجراءً استثنائيًا فرضته الظروف العالمية.
أما على صعيد الدين العام، أكدت الحكومة في أكثر من مناسبة، خاصة خلال بيانات 2019 و2020، أنها تستهدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي تدريجيًا، باعتبار ذلك مؤشرًا رئيسيًا لنجاح الإصلاح الاقتصادي.
وكرر «مدبولي» في مارس 2022 أن الدولة تسير في مسار هبوطي للدين، وآخرهم خرج بتصريحات في 2026، حول استهداف الحكومة خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى نحو 80% خلال العام المالي 2025/2026، إلا أن الواقع أظهر استمرار ارتفاع إجمالي الدين الخارجية لمصر لتصل إلى نحو 163.7 مليار دولار، مما يزيد، أعباء خدمة الدين، ما قلل من قدرة الدولة على توجيه موارد أكبر لتحسين الخدمات أو دعم الفئات الأكثر احتياجًا.
وبالنسبة للتضخم، شددت الحكومة مرارًا خلال 2022 و2023 على أن موجات ارتفاع الأسعار «مؤقتة» وأنها تعمل على احتوائها وتتوعد بوصول معدلات التضخم إلى رقم «أحادي»، لكن الواقع جاء أكثر تعقيدًا، إذ سجلت معدلات التضخم مستويات قياسية في 2023، واستمرت الضغوط السعرية خاصة في السلع الغذائية والخدمات الأساسية، خلال 2024، أما في 2025 سجل التضخم 11.8%، وفي فبراير 2026، سجل 13.4%، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، وتحول هدف «السيطرة على التضخم» إلى تحدٍ ممتد لم تنجح السياسات في مواجهته بالكامل.
كما ظل التعهد الأكثر حضورًا في خطاب الحكومة هو أن يشعر المواطن بثمار الإصلاح الاقتصادي، وهو ما شدد عليه «مدبولي» في أكثر من تصريح منذ 2018، حتى بداية عام 2026، باعتباره الهدف النهائي للسياسات الاقتصادية، غير أن هذا «الإحساس بالإصلاح»، ظل محدودًا لدى قطاعات واسعة من المواطنين، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم مواكبة الدخول لمعدلات التضخم، إلى جانب زيادات متتالية في أسعار الوقود والخدمات، ما زاد الضغوط على الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.
وفي سياق السيطرة على الأسعار، أكد «مدبولي» في كثير من الاجتماعات الحكومية، أن الدولة تعمل على ضبط الأسواق وكبح جماح الزيادات، مع التعهد بأن تشهد أسعار السلع الأساسية حالة من الاستقرار التدريجي، غير أن الواقع جاء مغايرًا، إذ استمرت موجات ارتفاع الأسعار في قطاعات متعددة وخاصة في السلع الأساسية مثل: الألبان والزيوت والطماطم التي وصلت إلى 55 جنيهًا وآخرهم الدواجن التى ارتفعت قبل رمضان 2026، وكان لتحريك أسعار الوقود تأثير مباشر على تكلفة النقل والإنتاج، بالإضافة إلى غياب الرقابة أدى إلى عشوائية في تسعير السلع الغذائية، ما ساهم في زيادة موجات تضخمية جديدة وأضعف أثر أي محاولات للسيطرة على الأسواق.
أما في قطاع الإسكان، فقد تعهدت الحكومة بإحداث طفرة لتوفير وحدات سكنية «لكل المصريين» بأسعار مناسبة ومخفضة لمحدودي ومتوسطي الدخل. ومع ذلك، لا تزال شكاوى المواطنين تتكرر بشأن وارتفاع مبالغ فيه لشقق الإسكان الاجتماعي والتي تصل سعر الوحدة إلى 850 ألف جنيه دون الفوائد، بالإضافة إلى تأخر تسليم وحدات الإسكان عن المواعيد المعلنة حيث تصل المدة إلى 5 سنوات «للشقق المقررة في الطرح بأنها تسليم فوري»، ما جعل هدف «السكن الملائم» بعيدًا عن متناول شرائح واسعة من المواطنين.
سوء توزيع أو نقص موارد
ويرى خبراء الاقتصاد، أن النمط متكرر في إدارة السياسات الاقتصادية، يقوم على طرح أهداف طموحة مصحوبة بجداول زمنية محددة، قبل أن تواجه تحديات في التنفيذ تؤدي إلى تأجيلها أو عدم تحقيقها بالكامل، مما يؤدي إلى استمرار الفجوة بين المؤشرات الرسمية والواقع المعيشي، وهو ما يمتد ليؤثر بشكل مباشر على مستوى الثقة بين الحكومة والمواطنين، ويصبح أكثر تشككًا في أي وعود جديدة، وليس فقط في تحسين الأداء الاقتصادي، بل في استعادة الثقة التي تُعد ركيزة أساسية لنجاح أي برنامج إصلاحي.
وفي هذا السياق، قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي ومدير عام مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، إنه عند وضع أي خطط لحكومة سواء من إصلاحات أو مشروعات قومية تواجه عدد من التحديات لدي التنفيذ؛ نتيجة سوء توزيع أو نقص موارد تقف أمام التطبيق.
وأضاف «عامر» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن الأزمة ليست في الوعود التي لا يتم تنفيذ بل في الظروف القهرية التي تحكم إرادة الحكومة مثل ما حدث في عام 2020 من كورونا جاء بعدها الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب غزة، لتختتم المشكلات بالحرب على إيران والشرق الأوسط.
وأشار «عامر»، إلى أن الحرب الأخيرة رفعت أسعار الوقود العالمي 125% عن الطبيعي خلال 21 يومًا فقط، مما يزيد أعباء الموازنة العامة للدولة، وهو ما يقابله رفع أسعار المحروقات والكهرباء لتتأثر جميع أسعار السلع بشكل مباشر بالزيادات، متابعًا: «وبالتالي تتراجع مستويات المعيشة للأسرة وترتفع معدلات التضخم ومع زيادة سعر الدولار ترتفع الديون الخارجية وأسعار الوحدات السكنية أيضًا».
وشدد الخبير الاقتصادي، على ضرورة اتجاه الحكومة إلى تنويع مصادر الطاقة وتجديدها بشكل مستمر بوتيرة أسرع من الحالية؛ لمواجهة أي تحديات الفترة المقبلة، ومواكبة أي تغييرات في السوق العالمية.
اقتصاد حرب طوارئ مستمر
ومن ناحيته، قال الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر، إن تصريحات الحكومة ووعودها التي لا تنفذ أصبحت تثير بلبلة في الشارع المصري، لافتًا إلى أنه يجب أخذ ذلك على محمل الجد، حيث إن على المسئولين مراجعة كلامهم قبل الإدلاء به.
وأضاف «فهمي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن الفترة الحالية والظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد لا تتحمل التلاعب أو عدم الشفافية مع المواطنين، متسائلًا: «لماذا تقول الحكومة ما لا تفعله؟».
وأشار إلى أن المواطن فقد الثقة في الحكومة بشكل كبير، حيث مصر بعيدة كل البعد عن منطقة الحروب، ولكن في الوقت نفسه ترتفع الأسعار بشكل لا يتحمله المواطن، متابعًا: «في المقابل البلاد التي تشهد قصف لم ترفع أسعارها».
وطالب الحكومة بدراسة قراراتها الأخيرة من رفع أسعار الكهرباء والبنزين مرة أخرى، لأنها أثارها وتكلفتها الاقتصادية والاجتماعية ستكون عالية لأكثر من 120 مليون مواطن في مصر.
وتابع: «الزيادات في أسعار الكهرباء والبنزين والمترو أيضًا والتي أثرت بشكل مباشر على جميع السلع الغذائية، حدث خلال شهر مارس وأول أبريل، ولكن إذا نظرنا في رفع الأجور ورواتب العاملين في الدولة والمعاشات ستحدث في يوليو، وهذا ضغط لا يتحمله المواطن».
وأوضح الخبير الاقتصادي، أنه بالفعل الصدمات الاقتصادية الحالية، ليس للحكومة يد فيها، وهي معظمها خارجية، ولكن كان من المفترض على المسئولين والخبراء في الغرف المغلقة يتنبأوا بالأحداث وقراءة المشهد الحالي، وأخذ إجراءات استباقية لمواجهة أي أزمات خارجية.
وأكد أهمية إنشاء وحدة تحت اسم «اقتصاد حرب طوارئ مستمر»، لمواجهة أي تغييرات في الداخل نتيجة الحروب والصدمات الخارجية، وأيضًا الداخلية.

