رئيس التحرير
خالد مهران

لا للاقتراض..

سيناريوهات الحكومة لمواجهة تداعيات حرب إيران على الاقتصاد المصرى

اجتماع الحكومة
اجتماع الحكومة

دخل الاقتصاد المصري عام 2026 وهو في وضع أفضل نسبيًا مقارنة بالسنوات الماضية، مدعومًا بتحسن عدد من المؤشرات الكلية وبدء انعكاس آثار برنامج الإصلاح الاقتصادي، ورغم هذا التحسن إلا أن الاقتصاد يواجه مخاطر ويظل هشًا في مواجهة التطورات الجيوسياسية المتسارعة، خاصة مع تصاعد الحرب في إيران، وفقًا لتقارير دولية صادرة عن «صندوق النقد الدولي، ومعهد التمويل الدولي وفيتش سوليوشنز ومورجان ستانلي».

وجاءت التقاير في الوقت نفسه الذى يعاني فيه الاقتصاد المصري، من أزمات في الطاقة وارتفاع في الدولار ليتخطى حاجز الـ53 جنيهًا لأول مرة، مما دفع الحكومة لإصدار عدد من القرارات التى تخفف الآثار السلبية للحرب، حيث أجلت تنفيذ بعض المشروعات الكبرى لمدة شهرين على الأقل لتقليل استهلاك الوقود، كما قررت تقليل تخصيصات الوقود للمركبات الحكومية بنسبة 30% وتطبيق العمل عن بُعد يوم الأحد في إبريل للمؤسسات الحكومية والخاصة (باستثناء الخدمات الأساسية).

كما طالب وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في اتصال مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو، دعمًا اقتصاديًا عاجلًا وسيولة نقدية، لمواجهة نقص العملة الأجنبية وتداعيات الأزمات الإقليمية، وخاصة مع تراجع إيرادات قناة السويس والسياحة، واضطراب أسعار الطاقة والغذاء نتيجة الحروب الدائرة في المنطقة.

4 مؤسسات دولية

وكان أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي، أفاد بأن آفاق الاقتصاد المصري للعام المالي 2025/2026 ما زالت تواجه مخاطر كبيرة بالرغم من توقعات بتحسن النمو، في ظل تعرض البلاد لصدمات خارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرات الحرب، مما يعني ضرورة استمرار الحذر في السياسات الاقتصادية.

ومن ناحيته، قال معهد التمويل الدولي، إن الاقتصاد المصري دخل عام 2026 في وضع أفضل نسبيًا مقارنة بالسنوات الماضية، مدعومًا بتحسن مؤشرات النمو وتراجع تدريجي في معدلات التضخم، إلى جانب بدء ظهور نتائج برنامج الإصلاح الاقتصادي، خاصة على صعيد المالية العامة وزيادة الإيرادات، إلا أن هذا التحسن يظل هشًا ومعتمدًا بدرجة كبيرة على العوامل الخارجية، ما يجعله عرضة للصدمات، وفي مقدمتها تصاعد الحرب في إيران التي تمثل، حسب وصفه، عاملًا مباشرًا يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية الداخلية.

وأوضح المعهد، أن أبرز نقاط الضعف تكمن في قطاع الطاقة، في ظل التراجع المستمر في إنتاج الغاز الطبيعي منذ عام 2021، ما أدى إلى تحول مصر تدريجيًا من مصدر صافٍ إلى مستورد، وزيادة اعتمادها على واردات الغاز، سواء من إسرائيل أو من الأسواق العالمية، لافتًا إلى أن توقف الإمدادات الإسرائيلية وارتفاع أسعار الغاز المسال إلى نحو ثلاثة أضعاف يضعان ضغوطًا مباشرة على فاتورة الاستيراد.

كما أشار إلى أن الاقتصاد يواجه موجة خروج سريعة للأموال الساخنة، قدرت بنحو 4 مليارات دولار خلال فترة قصيرة، وهو ما انعكس على تراجع الجنيه وارتفاع الضغوط على سوق الدين المحلي.

وأضاف معهد التمويل الدولي، أن تراجع العملة وارتفاع تكاليف الطاقة سيؤديان إلى عودة الضغوط التضخمية، متوقعًا أن تسهم زيادات أسعار الوقود في رفع معدل التضخم، في ظل انتقال نسبة تتراوح بين 20% و40% من تحركات سعر الصرف إلى الأسعار المحلية، وهو ما يضع البنك المركزي أمام معادلة صعبة بين دعم النمو والسيطرة على التضخم، حيث من المتوقع وقف دورة التيسير النقدي مؤقتًا إذا استمرت هذه الضغوط.

كما لفت إلى تزايد الأعباء على الموازنة، خاصة مع ارتفاع مدفوعات الفائدة وحساسية دعم الطاقة لتحركات أسعار النفط، في وقت قد تتراجع فيه شهية المستثمرين الأجانب، ما يزيد من احتمالات الاعتماد على التمويل الخارجي، مع الإشارة إلى أن استقرار قناة السويس يظل نقطة دعم نسبية حتى الآن.

بينما رأت فيتش سوليوشنز، أن مصر تُعد من بين أكثر الأسواق الناشئة عرضة للتأثر بتداعيات الصراع، حيث سجلت درجة مخاطر مرتفعة تضعها ضمن الاقتصادات الأكثر هشاشة خارج آسيا، موضحة أن هذا التعرض يرتبط بعوامل هيكلية تشمل ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، وضعف المركز الخارجي، واستمرار التضخم عند مستويات غير مستقرة.

وأشارت إلى أن نحو 10% من واردات مصر تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل التجارة عرضة لأي اضطرابات في هذا الممر الحيوي، كما أن كون مصر مستوردًا صافيًا للطاقة يجعلها أكثر تأثرًا بارتفاع أسعار النفط والغاز، في ظل عجز ملحوظ في تجارة الطاقة.

وأضافت «فيتش»، أن المؤشرات الخارجية تعكس ضغوطًا مستمرة، مع تسجيل عجز في الحساب الجاري وتغطية محدودة للاحتياطيات من الواردات، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، بجانب أن المالية العامة تواجه تحديات كبيرة في ظل ارتفاع دعم الطاقة وعجز الموازنة، ما يزيد من حساسية الوضع المالي لأي ارتفاع إضافي في أسعار النفط.

وعلى صعيد السياسة النقدية، أشارت إلى أن ارتفاع سعر الفائدة الحقيقي يوفر بعض الحماية، إلا أن استمرار التضخم أعلى من المستهدف قد يدفع البنك المركزي إلى إنهاء التيسير النقدي مبكرًا.

فيما تبنت مورجان ستانلى، نهج السيناريوهات في تقييم تأثير الحرب، موضحة أن المسار المستقبلي للاقتصاد المصري سيعتمد بشكل كبير على تطورات الصراع.

وأشارت إلى أن سيناريو التهدئة ووقف الحرب سريعًا قد يدعم استقرار التصنيف الائتماني وتحسن سعر الصرف وتراجع الضغوط على السندات والحساب الجاري، بينما يؤدي سيناريو التصعيد المحدود إلى تأثيرات مؤقتة على الأسواق، مع تحركات محدودة في سعر الصرف وعوائد السندات.

في المقابل، حذرت المؤسسة من أن اتساع نطاق العمليات العسكرية قد يؤدي إلى ضغوط أكبر على الجنيه وتعثر تعافي إيرادات قناة السويس، مع اتساع فروق العائد على السندات السيادية، بينما يشير السيناريو الأكثر تشاؤمًا إلى احتمال حدوث تراجع حاد في العملة وخروج استثمارات المحافظ الأجنبية، بما يزيد الضغط على الاحتياطيات ويرفع تكلفة التمويل بشكل كبير.

وتعكس هذه التقارير السابقة، رغم اختلاف منهجياتها، اتفاقًا ضمنيًا على أن الاقتصاد المصري يقف حاليًا عند نقطة توازن دقيقة، حيث تتقاطع مؤشرات التعافي مع مخاطر خارجية متصاعدة، بينما يظل الخلاف الرئيسي بين المؤسسات الدولية حول مدى استمرارية هذه الضغوط، وما إذا كانت ستظل في إطار صدمة مؤقتة يمكن احتواؤها، أم تتحول إلى موجة ممتدة تعيد فرض تحديات حادة على استقرار الاقتصاد خلال الفترة المقبلة.

عدم نجاح الاقتصاد على امتصاص الصدمات

وفي هذا السياق، قال الدكتور وائل النحاس، المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، إن الحرب على إيران أثرت على جميع مصادر مصر الدولارية بالسلب، بجانب وجود فجوة كبيرة جدًا في احتياجات مصر للطاقة وهو ما يحتاج إلى موارد من العملة.

وأضاف «النحاس» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن ثبات مصر على الوضع السيئ الحالي دون تدهور أكثر يعد «إنجار»، وخاصة مع وجود هذا الخلل في الاقتصاد قبل الحرب، وخاصة أن التقارير التي تصدر من المؤسسات الدولية ما هي إلا قراءة متابعة لصندوق النقد الدولي سواء بالسلب أو بالإيجاب.

وأشار «النحاس»، إلى أن صندوق النقد لا يزال يعترض على عدم تنفيذ مصر للإصلاحات الاقتصادية المتفق عليها وهو ما يعوق المراجعات السابعة والثامنة، لافتًا إلى أن الصندوق يعترض على الاخطاء في الاقتصاد المصري، حيث لم يتم صرف الشريحتين الخامسة والسادسة كاملة، والتي كانت تقدر بـ2.7 مليار دولار، في المقابل تم صرف فقط 2.3 مليار دولار، وهو ما يدل على وجود ثغرات في الاقتصاد المصري قبل الحرب على إيران ولكن الوضع بدأ في السوء عقب اشتعال الصراعات.

وحول طلب مصر من أمريكا دعم اقتصادي عاجل، أكد أن ذلك الأمر طبيعي حيث جميع الدول تحاول الاستفادة من الأزمات الحالية، لسد الديون لصندوق النقد أو صرف شريحة جديدة لمواجهة نقص العملة وهو أمر سياسي أكثر منه اقتصادي، وحدث ذلك في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بعد حرب الخليج.

وأوضح خبير أسواق المال، أن الحلول أمام الدولة تكمن في الابتكار والابتعاد عن القروض، ولكن رغم ذلك ما تفعله الحكومة هو اللجوء إلى المؤسسات الدولية، والدول الكبري، للاستفادة عن طريق أخذ قروض دون التفكير في العواقب المستقبلية.

وشدد على أن الأزمة الاقتصادية الحالية «كبيرة»، وتسببت في وقوع عدد من الدول، ولكن دايما ما نري شعارات من المسئولين وخاصة بداية العام الجاري تؤكد على صلابة الاقتصاد المصري، متابعًا: «والحرب ظهرت مدي هشاشة الاقتصاد وعدم نجاحه على امتصاص الصدمات».

وبالنسبة للتوقعات في حال استمرار الحرب، لفت إلى أنه بعد مرور شهر على الحرب ضد إيران أصبح الـ7 أيام المقبلة هي الأهم في التصعيد إذا لم يتم التعامل والوصول إلى هدنة لوقف إطلاق النار خلال تلك الفترة، ستستمر الحرب وتصل إلى 100 يوم أو عامين تقريبًا وستتسع الصراع لجميع دول الخليج، وهو ما يعني كارثة اقتصادية سواء لمصر أو للعالم، وسيكون هناك ركود تضخمي يضرب جميع الأسواق.

وواصل أن سعر الدولار تخطي في مصر الـ53 جنيهًا هو مؤشر غير جيد بالنسبة للتضخم، لذلك مع اتساع الحرب أتمني عدم وصوله إلى 56 جنيهًا وهي منطقة خطر، وخاصة مع توقعات تخطي أسعار النقط المعدلات الطبيعية ويصل إلى 250 أو 350 دولار، رغم أعلى مستوي وصل إليه في 2008، كان سجل 150 دولار.

وختم: «في هذا السيناريو ستكون الأسواق الناشئة على رأسهم مصر، طاردة لأدوات الدين والاستثمار، بالإضافة إلى ضرب جميع مصادر الدولة من الدولار من إغلاق لقناة السويس، وانخفاض تحويلات المصريين في الخارج نتييجة لتسريح عمالة في دول الخليج، وتأثير الصادرات، وأزمة عالمية في سلاسل التوريد، وخاصة بعد نفاذ احتياطى الصين من النفط».