الموازنة الجديدة 2026/2027.. طموحات الحكومة على محك الواقع الاقتصادي
في ظل تحديات اقتصادية متراكمة وضغوط معيشية متزايدة، تأتي الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 لتضع الحكومة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على تحقيق معادلة شديدة التعقيد وتلبية احتياجات المواطنين الأساسية، وفي الوقت نفسه تحفيز الاقتصاد وجذب الاستثمارات، دون الإخلال بمؤشرات الاستقرار المالي. تصريحات وزير المالية أحمد كجوك، التي وصف فيها الموازنة بأنها «طموحة ومتوازنة»، تعكس محاولة واضحة لتقديم رؤية مطمئنة، لكنها في الوقت ذاته تفتح باب التساؤلات حول مدى واقعية هذه الطموحات في ظل الظروف الراهنة.
مسار الإصلاح المالي.. استكمال أم إعادة ضبط؟
تسعى الحكومة من خلال هذه الموازنة إلى تأكيد التزامها بالمسار الإصلاحي الذي بدأته خلال السنوات الماضية، والذي يرتكز على ضبط الإنفاق العام، وزيادة الإيرادات، وخفض عجز الموازنة، مع الحفاظ على برامج الحماية الاجتماعية. غير أن هذا المسار يواجه تحديات حقيقية، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو ما يجعل أي حديث عن “التوازن” مرهونًا بمدى قدرة الدولة على تخفيف الأعباء عن المواطنين دون التأثير سلبًا على النشاط الاقتصادي.
المواطن أولًا.. هل تكفي مخصصات الحماية الاجتماعية؟
في قلب هذه الموازنة، يظهر المواطن كعنصر أساسي في معادلة الإنفاق، حيث تؤكد الحكومة أنها تستهدف تلبية الاحتياجات الأساسية، وهو ما يشمل دعم السلع التموينية، وزيادة مخصصات برامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة”، وتحسين الأجور والمعاشات. هذه الإجراءات تمثل ضرورة ملحة في ظل التراجع النسبي في القوة الشرائية، لكنها تفرض في المقابل ضغوطًا إضافية على الموازنة، خاصة مع محدودية الموارد وارتفاع تكلفة خدمة الدين.
رسائل طمأنة للمستثمرين.. الحوافز وحدها لا تكفي
وعلى الجانب الآخر، تحاول الحكومة إرسال رسائل طمأنة للمستثمرين، عبر التأكيد على دعم النشاط الاقتصادي وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار. ويتوقع أن تتضمن الموازنة حوافز ضريبية وتسهيلات مالية تستهدف القطاعات الإنتاجية، إلى جانب جهود لتبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية. إلا أن جذب الاستثمارات لا يعتمد فقط على الحوافز، بل يرتبط أيضًا بعوامل أكثر تعقيدًا، مثل استقرار السياسات الاقتصادية، وتوافر العملة الأجنبية، وقدرة السوق على تحقيق عوائد مجزية.
الاستقرار الاقتصادي.. هدف يصطدم بالتحديات
الحديث عن “الاستقرار الاقتصادي” يظل محورًا رئيسيًا في هذه الموازنة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتضخم وسعر الصرف والدين العام. فالحكومة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الإنفاق الاجتماعي والانضباط المالي، وهو ما يتطلب إدارة دقيقة للموارد، وتنسيقًا مستمرًا مع السياسة النقدية. وفي هذا السياق، يصبح خفض عجز الموازنة والسيطرة على الدين العام من الأهداف الأساسية، لكنها أهداف قد تتعارض أحيانًا مع الحاجة إلى زيادة الإنفاق لدعم المواطنين.
النمو المستدام.. بين الشعارات ومتطلبات التنفيذ
كما تبرز قضية النمو الاقتصادي المستدام كأحد الأهداف المعلنة، حيث تسعى الحكومة إلى تحقيق معدلات نمو قادرة على خلق فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد تخصيصات مالية، إذ يرتبط بإصلاحات هيكلية في قطاعات الإنتاج، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص. وبالتالي، فإن الموازنة تمثل جزءًا من منظومة أوسع يجب أن تعمل بتناغم لتحقيق النتائج المرجوة.
تحديات قائمة.. أرقام تضغط على الموازنة
ورغم الطابع الإيجابي للتصريحات الرسمية، فإن التحديات التي تواجه الموازنة تظل قائمة، وعلى رأسها ارتفاع تكلفة خدمة الدين، والتي تستحوذ على جزء كبير من الإنفاق العام، ما يحد من قدرة الدولة على التوسع في الإنفاق التنموي. كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية يضيف عنصرًا من عدم اليقين، خاصة فيما يتعلق بأسعار السلع والطاقة وتكلفة التمويل.
من التصريحات إلى التنفيذ.. الاختبار الحقيقي
يبقى العامل الحاسم في تقييم هذه الموازنة هو قدرتها على الانتقال من مرحلة “التصريحات” إلى “التنفيذ”. فالمواطن لم يعد يكتفي بالوعود، بل ينتظر تحسنًا ملموسًا في حياته اليومية، سواء من حيث استقرار الأسعار أو تحسين الخدمات أو توفير فرص العمل. وفي المقابل، ينتظر المستثمر بيئة اقتصادية مستقرة وقابلة للتنبؤ، تتيح له التخطيط والتوسع بثقة.
بين الطموح والواقع
في النهاية، تعكس الموازنة الجديدة محاولة جادة لتحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر وتحديات المستقبل، لكنها تظل مرهونة بقدرة الحكومة على إدارة هذا التوازن بكفاءة. فبين طموحات الأرقام وضغوط الواقع، ستتحدد ملامح العام المالي الجديد، وسيكون الحكم النهائي لما ستسفر عنه السياسات على الأرض، لا لما يُعلن في المؤتمرات.







