رئيس التحرير
خالد مهران

رسالة «خدمة الناس».. كيف تعيد وزارة المالية رسم العلاقة مع المجتمع الضريبي؟

الإفطار السنوي للنقابة
الإفطار السنوي للنقابة العامة للعاملين بالمالية والضرائب

في مشهد يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، وجّه أحمد كجوك، وزير المالية، رسالة مفتوحة إلى العاملين في منظومة المالية والضرائب والجمارك، وضع فيها ملامح مرحلة جديدة تقوم على «خدمة المواطن» و«بناء الثقة» مع مجتمع الأعمال، باعتبارهما حجر الزاوية في أي إصلاح اقتصادي مستدام. الرسالة، التي جاءت خلال الإفطار السنوي للنقابة العامة للعاملين بالمالية والضرائب والجمارك، لم تكن مجرد كلمات تحفيزية، بل عكست توجهًا حكوميًا يسعى لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والممولين، على أسس من التيسير والشراكة بدلًا من التعقيد والجباية.

«نحن نعمل عند الناس».. فلسفة جديدة للإدارة المالية

العبارة الأكثر لفتًا في رسالة الوزير كانت: «خليكم فاكرين دايمًا.. إننا شغالين عند الناس ومهمتنا خدمتهم والتسهيل عليهم». هذه الجملة، على بساطتها، تحمل تحولًا في فلسفة الإدارة المالية، من كونها جهة رقابية أو جابية، إلى جهة خدمية تضع المواطن والممول في قلب أولوياتها.

هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الحكومة بأن نجاح السياسات المالية لا يقاس فقط بحجم الحصيلة، بل بمدى رضا المتعاملين مع المنظومة، وهو ما يتسق مع الاتجاهات العالمية الحديثة في الإدارة الضريبية، التي تعتمد على بناء الثقة والامتثال الطوعي بدلًا من الإجراءات العقابية.

دعم مؤسسي لتلبية احتياجات المواطنين

لم تقتصر رسالة كجوك على العاملين داخل وزارته، بل امتدت لتشمل دورهم في دعم باقي الوزارات والهيئات، مؤكدًا أهمية التكامل الحكومي في تحسين جودة الخدمات العامة. إذ شدد على ضرورة استمرار العاملين في مساندة الجهات المختلفة حتى تصبح أكثر قدرة على تلبية احتياجات المواطنين.

هذا الطرح يعكس رؤية أوسع لدور وزارة المالية، باعتبارها ليست مجرد جهة لإدارة الإيرادات، بل شريكًا رئيسيًا في تحسين كفاءة الإنفاق العام، وضمان وصول الموارد إلى القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

تحريك الاقتصاد.. من التحصيل إلى التحفيز

أبرز ما تضمنته الرسالة هو التأكيد على الدور المحوري للعاملين في المالية والضرائب والجمارك في «تحريك الاقتصاد وتحفيز الإنتاج والتصدير». وهو ما يشير إلى تحول في النظرة إلى هذه الجهات من أدوات تحصيل إلى أدوات تحفيز اقتصادي.

فالسياسات الضريبية والجمركية لم تعد مجرد وسائل لزيادة الإيرادات، بل أصبحت أدوات لتشجيع الاستثمار، ودعم الصناعة المحلية، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الخارجية. وهنا يظهر بوضوح أن الدولة تسعى لاستخدام أدواتها المالية كرافعة للنمو الاقتصادي، وليس فقط كوسيلة لضبط العجز.

«رضا الناس» هدف استراتيجي

أكد وزير المالية أن الهدف الاستراتيجي للوزارة هو «رضا الناس» عن الخدمات الضريبية والجمركية، وهو ما يمثل تحولًا نوعيًا في معايير تقييم الأداء الحكومي. فبدلًا من التركيز على المؤشرات التقليدية، مثل حجم الحصيلة، يتم إدخال مؤشرات نوعية تتعلق بتجربة المواطن ومدى رضاه.

هذا التوجه يرتبط بشكل مباشر بمحاولة توسيع القاعدة الضريبية من خلال جذب ممولين جدد طواعية، وهو ما يتطلب بناء بيئة قائمة على الثقة والشفافية، حيث يشعر الممول بأن التزامه الضريبي يقابله خدمات حقيقية وتيسيرات ملموسة.

التسهيلات الضريبية.. بداية مسار الثقة

أشار كجوك إلى أن تجربة الحزمة الأولى من التسهيلات الضريبية تمثل نقطة انطلاق مهمة في بناء شراكة الثقة مع مجتمع الأعمال. هذه الحزمة، التي تضمنت إجراءات لتبسيط التعاملات وتقليل النزاعات، جاءت في إطار توجه أوسع لإصلاح المنظومة الضريبية.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعكس تحولًا من منطق «المحاسبة» إلى منطق «الشراكة»، حيث تسعى الدولة إلى تشجيع الامتثال الطوعي عبر تقليل التعقيدات، وتقديم حوافز حقيقية للممولين، بدلًا من الاعتماد فقط على أدوات الرقابة والعقوبات.

النقابات.. شريك في الاستقرار المؤسسي

من جانبه، أكد عادل عبد الفضيل، نقيب العاملين بالمالية والضرائب والجمارك، دعم النقابة الكامل للسياسات المالية الناجحة، خاصة تلك التي تستهدف التيسير على الممولين وتعزيز الشراكة مع مجتمع الأعمال.

وأشار إلى أن التسهيلات الضريبية تسهم في تبسيط الإجراءات وتخفيف الأعباء، بما ينعكس إيجابيًا على جميع الأطراف، سواء الدولة أو المستثمرين أو العاملين داخل المنظومة. كما شدد على أهمية دور النقابة في تعزيز الاستقرار داخل مواقع العمل، والحفاظ على حقوق العاملين، بما يدعم رفع معدلات الأداء.

هذا الدور يعكس أهمية النقابات كحلقة وصل بين الحكومة والعاملين، حيث تسهم في تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح وحقوق الموظفين، وهو ما يعد عنصرًا أساسيًا لنجاح أي عملية تطوير مؤسسي.

ثقة الممولين.. رهان الإصلاح

أحد أبرز المحاور التي تم التأكيد عليها خلال اللقاء هو تنامي ثقة الممولين في وزارة المالية، نتيجة ما يتم تبنيه من إصلاحات محفزة للاستثمار. هذه الثقة تمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح السياسات الاقتصادية، إذ لا يمكن تحقيق نمو مستدام دون بيئة أعمال مستقرة وجاذبة.

وتعتمد هذه الثقة بشكل كبير على وضوح السياسات، واستقرارها، وسهولة تطبيقها، إضافة إلى وجود قنوات تواصل فعالة بين الدولة والمستثمرين، وهو ما تسعى الوزارة إلى تعزيزه خلال الفترة الحالية.

«لغة يفهمها الجميع».. مفتاح التواصل الاقتصادي

في السياق ذاته، أشار الدكتور يسري الشرقاوي، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، إلى أن وزير المالية يتحدث بلغة يفهمها كل من المواطن والمستثمر، وهو ما يعكس أهمية التواصل الواضح في بناء الثقة.

فالتحديات الاقتصادية لا يمكن مواجهتها فقط عبر القرارات، بل تتطلب أيضًا خطابًا قادرًا على شرح هذه القرارات وتبريرها، وإقناع مختلف الأطراف بجدواها. وهنا يظهر دور الخطاب الحكومي كأداة مكملة للسياسات الاقتصادية.

شراكة ثلاثية.. حكومة وقطاع خاص ومواطنون

أكد الشرقاوي على ضرورة العمل المشترك بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين لصالح الاقتصاد الوطني، وهو ما يتماشى مع التوجه العام نحو تعزيز الشراكة بين مختلف الأطراف.

هذه الشراكة تمثل الأساس لأي إصلاح اقتصادي حقيقي، حيث لا يمكن للحكومة وحدها تحقيق التنمية، بل تحتاج إلى دور فعال من القطاع الخاص، وكذلك إلى التزام المواطنين، خاصة في ما يتعلق بالامتثال الضريبي.

التحدي الحقيقي.. من التصريحات إلى التطبيق

رغم أهمية الرسائل التي حملها اللقاء، يبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه التوجهات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن والممول. فالكثير من المبادرات الحكومية السابقة اصطدمت بعقبات تنفيذية، سواء بسبب البيروقراطية أو ضعف التدريب أو غياب المتابعة.

ومن هنا، فإن نجاح هذه الرؤية يتطلب الاستثمار في تدريب العاملين، وتطوير البنية التكنولوجية، وتبسيط الإجراءات بشكل فعلي، إضافة إلى وجود آليات واضحة للمساءلة والتقييم.

223789
223786
223783
223780
223777
223774
223771
223768
223765
223762
223759
223754