رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب من بكين: لماذا تدير الصين "ظهرا باردا" لترامب في أزمة مضيق هرمز؟

محمد مازن
محمد مازن

في الوقت الذي يشتعل فيه مضيق هرمز بنيران المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، تجاهلت بكين دعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمساهمة في إعادة فتح المضيق، وفضلت الدعوة إلى التهدئة وتجنب التصعيد دون الانخراط المباشر في ترتيبات أمنية معقدة.

وأكدت وزارة الخارجية الصينية أن بكين تدعو "الأطراف المعنية إلى وقف العمليات العسكرية فورا، وتجنب اتخاذ خطوات من شأنها تصعيد التوترات"، مشددة على أهمية الحفاظ على أمن الملاحة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي.

من يقرأ هذا الموقف، يدرك أن الصين تظل متحفظة حيال أي التزام عملي، ما يعكس رغبتها كالعادة في إدارة الأزمة، كغيرها من الأزمات، عبر الأدوات الدبلوماسية بدلا من التورط الميداني.

وجاء التحفظ الصيني في وقت تتصاعد فيه الضغوط على ترامب مع دخول العمليات العسكرية أسبوعها الثالث، فضلا عن تأجيل زيارة كانت مرتقبة له إلى بكين، في مؤشر يعكس تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي.

وفي معرض تفسير موقف الصين، يرى محللون أن هذا الموقف يقف خلفه اعتبارات عدة، على رأسها أنه يأتي ضمن إطار أوسع يعكس سياسة الصين التقليدية القائمة على "عدم التدخل المباشر في النزاعات" سواء إقليمية أو دولية، ما يمنحها هامشا من المرونة في إدارة مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية دون تحمل كلفة النزاعات.

وفي الشرق الأوسط تحديدا، تعتمد بكين عامة نهجا محسوبا يوازن بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية؛ فهي تسعى من جهة إلى تجنب كلفة التورط في نزاع إقليمي مفتوح، ومن جهة أخرى إلى الحفاظ على موقعها كقوة داعمة للاستقرار.

وتكشف التطورات الراهنة في الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وما تبعها من تداعيات على منطقة الخليج العربى وما وراءها، عن التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في إدارة أزمات معقدة بمفردها، وهو ما يعزز توجه الصين نحو عدم التسرع والمضي قدما في استراتيجية “ الامتناع العمدي” عن الانخراط الميداني المباشر، الذي لا يخدم مصالحها سواء على المدى القصير أو الطويل.

فعلى صعيد أوسع، ترتبط الحسابات الصينية باعتبارات استراتيجية طويلة المدى. وتشير تقديرات عدد من الباحثين إلى أن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد يؤثر على أولوياتها في آسيا فيما يعرف باستراتيجية "محور اسيا"، خاصة مع تحويل موارد عسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو موقف تتابعه الصين لإنه قد يؤثر كثيرا في توازنات القوى بالمنطقة.

كما يذهب بعض الخبراء إلى أن الصين تنظر إلى تورط الولايات المتحدة في هرمز باعتباره "فرصة جيوسياسية"، إذ إن انشغال واشنطن في الخليج يمنح بكين مساحة أوسع للتحرك في محيطها الإقليمي، لا سيما في قضايا حساسة مثل بحر الصين الجنوبي وتايوان.

ولا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي كعامل مهم في تفسير الموقف الصيني، فبرغم الاضطرابات في أسواق الطاقة، تبدو الصين في وضع يسمح لها بامتصاص الصدمات على المدى القصير، مستفيدة من تنوع مصادر الإمدادات. ومن ثم، فإن غياب تأثير مباشر وفوري على احتياجاتها الأساسية يقلل من دوافعها للاستجابة للطلب الأمريكي، ويعزز منطق التريث الذي تتبناه.

وفي سياق الأسباب أيضا، لا يمكن فصل هذا الموقف عن سياق العلاقات الثنائية بين بكين وواشنطن، إذ يأتي تأجيل زيارة  ترامب في ظل تباينات قائمة في ملفات التجارة والتكنولوجيا والأمن.

وينظر إلى بعض القضايا المرتبطة بالأزمة قد لا تمثل أولوية عاجلة بالنسبة للصين، ما يعكس رغبتها في إدارة العلاقة ضمن إطار أشمل وأكثر تدرجا، متجنبة تقديم هدية لترامب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

ورغم هذا التحفظ، لم تغب الصين عن المشهد الإقليمي، إذ ارسلت مبعوثا وكثفت اتصالاتها مع عدد من دول الشرق الأوسط، مؤكدة استعدادها للقيام بدور إيجابي في دعم جهود التهدئة، إلى جانب تقديم مساعدات إنسانية، في إطار سعيها للحفاظ على حضور دبلوماسي فاعل دون الانخراط في مسارات تصعيدية.

لقد حاول ترامب استخدام زيارته إلى بكين كورقة ضغط للحصول على تعاون صيني، كما تجلى في تصريحاته لصحيفة فاينينشال تايمز قبل أيام، غير أن بكين رفضت هذا النهج، مؤكدة على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها أنها لا تقبل ربط الملفات الدبلوماسية بضغوط عسكرية. ويعكس هذا الموقف تمسك الصين برؤية تقوم على تعددية الأقطاب ورفض الانخراط ضمن أطر تقودها واشنطن.

وعليه، تبدو بكين وكأنها تتبنى سياسة "الصبر الاستراتيجي"، إذ تدرك أن تقديم دعم لواشنطن لن يخدم مصالحها، بينما قد يتيح لها التريث تحقيق مكاسب أكبر في مرحلة لاحقة، سواء على صعيد التوازنات الدولية أو في ملفات الخلاف الثنائية.

ورغم تحذيرات مؤسسات مالية من تداعيات استمرار إغلاق المضيق على الاقتصاد العالمي، تراهن الصين على قدرتها على الصمود لفترة أطول، مستفيدة من أدواتها الاقتصادية واللوجستية.

وبذلك، فإن المحللون لا يرون موقفها  يعكس عجزا عن الاستجابة، بقدر ما يجسد امتناعا مدروسا. ولا يعبر عن حياد سلبي، بل عن استراتيجية محسوبة تقوم على الحذر، والتدرج، واستثمار الزمن، بما يتيح لبكين متابعة تطورات الأزمة دون تحمل تكاليفها المباشرة، مع إبقاء خياراتها مفتوحة في بيئة دولية شديدة التعقيد.