جدلية الأنبياء في مصر
الدكتور محمد حمزة يكتب: مراجعة نقدية لكتاب "تاريخ الدولة الفرعونية" للدكتور السيد محفوظ
نستعرض في هذا المقال الجزء الأول من المراجعة Review وسلسلة الرد العلمي علي ماورد في كتاب تاريخ الدولة الفرعونية لـ د السيد محفوظ الكويت 2025م حول الأنبياء في مصر(الجزء الأول مراجعة ونقد مقدمة المبحث ص 585 والمنشور صورة لها بنهاية المقال ؟
يشغل هذا الكتاب في طبعته الثانية المزيدة والمنقحة مايقرب من 900 صفحة تتناول تاريخ مصر القديمة حتي دخول الاسكندر الاكبر332ًق م ولا يعنينا مدي صحة عنوان الكتاب ومنهج المؤلف في تناول مفرداته وهو ماسنعود اليه لاحقا ان شاء الله غير أن مايعنينا في هذا المقال هو ما تناوله المؤلف عقب نهاية الدولة الحديثة الأسرات18-20 عن أنبياء الله وعلاقتهم بالدولة الفرعونية صص 585-608 أي نحو23صفحة فهل يعقل هذا الحشر.
وليته لم يفعل ؟ وهو ماسوف يتضح لنا من الريفيو والرد العلمي علي ما قاله؟ ولتكن البداية في هذا الجزء الأول مع ماذكره في مقدمته لهذا المبحث ص585وهذا هو مادعانا أن ننتهز هذه المناسبة لنضع خريطة الطريق العلمية لكل من يحاول أن يتصدي لكتابة تاريخ الأنبياء في مصر والشرق الادني القديم وفقا للمنهج العلمي السليم بدلا مما نراه الان في العديد من الدراسات المنشورة والتي بدأ يكثر تناولها من كافة علماء الدين والباحثين فيه والمثقفين والمفكرين والعقلانيين والتنويريين الجدد والملحدين واللادينيين والهواة وإنضم اليهم المتخصصين وهذا هو الفارق فتناول المتخصص في التاريخ والآثار يجب أن يكون أقوي لإنه يعتمد علي الادلة التاريخية والأثرية المادية الموثقة وفقا للمنهج العلمي السليم وهو المنهج الذي إصطلحنا علي تسميته بالمنهج التكاملي النقدي التحليلي المقارن للمصادر المباشرة وغير المباشرة، ولكن إذا جاء تناول المتخصص عكس هذا المنهج، وقالنا دي مجرد خواطر من وحي قصص الأنبياء في الكتب المقدسة، أو دي مجرد مقاربات تاريخية،إذن لماذا نلوم غير المتخصص.
نعود إلى مقدمة المبحث في كتاب تاريخ الدولة الفرعونية ص585 فنجد المؤلف يذكر أن ما سيتناوله عن الأنبياء في مصر هو ( الإشارة إلى بعض الاستدلالات التاريخية من وحي قصص الأنبياء الواردة في الكتب المقدسة وعلي وجه الخصوص أسفار العهد القديم والقرآن الكريم فقد ارتبط تاريخ مصر القديم في التراث الديني بزيارات عديدة لأنبياء الله إلى مصر)ويضيف قائلا(هذا الارتباط التاريخي لا يوجد له في المصادر التاريخية والأثرية أسانيد سواء في مصادر الدولة الفرعونيّة أو الكيانات السياسية الاخري التي عاش وتنقل فيها هؤلاء الأنبياء)
ويختم حديثه قائلا (ولنا عدة خواطر ربما لاتستند إلى منهج تاريخي واضح أو ادلة اثرية مادية ولكنها مجرد إستدلالات من الكتب المقدسة)
أيها المؤلف مع احترامي لك إذا كانت خواطرك لاتستند إلى منهج تاريخي واضح ولا إلى ادلة اثرية مادية ؟ فلماذا تناولت الموضوع أصلا وحشرته حشرا في كتابك علي هذه الصورة غير الملائمة والتي لاتتسق مع المنهج العلمي السليم أصلا،ثم إذا كانت خواطرك مجرد إستدلالات من الكتب المقدسة؟ فما هو الجديد الذي خرجت به؟؟؟
فالموجود والمتداول في الكتب المقدسة معروف لجميع المؤمنين بتلك الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام، بل هناك علماء وباحثين مهمتهم التأكيد علي كل ما ورد في تلك الكتب، وبالنسبة للعهد القديم بخاصة والكتاب المقدس بعهديه بعامة فقد نشأت حوله وإرتبطت به عدة علوم ومؤسسات وأكاديميات وجامعات ومنها علم دراسات الكتاب المقدس وعلم الساميات وعلم دراسات الشرق الادني وعلم الاستشراق وعلم المصريات وعلم الآشوريات وعلم الآثار التوراتي وعلم المصريات التوراتي وما ارتبط بذلك من حفائر واكتشافات اثرية ودراسات عديدة وندوات ومؤتمرات،فضلا عن السينما والتليفزيون والمنصات الإعلامية، والغرض من كل ذلك واضح وجلي ولا يختلف عليه اثنان منذ القرن الثامن عشر وحتي الان وهو التأكد من صحة النص التوراتي والمرويات التوراتية بخصوص جغرافية التوراة ومسرح أحداثها وتاريخ بني اسرائيل وهو ما يعرف اصطلاحا بإسم اسرائيل التوراتية، وبالتالي فخواطرك اللي مجرد استدلالات تاريخية من وحي الكتاب المقدس لم تضف جديدا بل هي مجرد تحصيل حاصل وحشو زائد.
أما القرأن الكريم فقد أشار ضمن قصصه وهو احسن القصص إلى 25نبي ورسول ولكن دون تحديد إطار زمني لتاريخهم ولاحداثهم كماهو الحال بالنسبة لإدريس وابراهيم ويوسف ويعقوب والأسباط وموسي عليهم السلام اجمعين فالغرض من ذلك القصص هو العظة والعبرة وتثبيت فؤاد النبي عليه الصلاة والسلام فقط وليس التاريخ، وبالنسبة لابراهيم خليل الرحمن عليه السلام فإن القرآن الكريم لم يشر أصلا إلى إنه قد زار مصر من قريب أو من بعيد.
وأخر مايذكر المؤلف في مقدمة هذا المبحث قوله( وهناك دويلة اسرائيل التي نشأت في القرن الأول من الألف الأول قبل الميلاد علي يد نبي الله داوود وخليفته وابنه سليمان عليهما السلام ثم انقسام هذه الدويلة بعدذلك) وهو يقصد بمقولته تلك الإشارة إلى عصر المملكة الموحدة1025-931 ق م ثم إنقسام هذه المملكة بعد وفاة سليمان عليه السلام إلى مملكتين وهما مملكة الشمال في السامرة ومملكة الجنوب في أورشليم ؟
وقد فات علي المؤلف ما إنتهت اليه الدراسات العلمية الحديثة حول اسرائيل التوراتية واسرائيل التاريخية عن المملكة الموحدة بأن المسح الأثري للمناطق الهضبية التي كانت نواة هذه المملكة ينفي وجود قاعدة سكانية واقتصادية في هذه المناطق خلال القرن10ق م تسمح بقيام مثل هذه المملكة فمملكة داوود وسليمان ليست مستبعدة تاريخية فقط بل إنها مستحيلة الوجود، ناهيك عن أن موقع أورشليم نفسها فقد اثبت المسح الأثري والتنقيب أنها لم تكن في القرن10ق م سوي بلدة صغيرةجدا ومن غير المعقول ان تكون هذه البلدة قد استطاعت بناء هيكل ديني يربوا علي مساحتها وبناء قصور ملكية لسليمان وزوجاته وصروحا مدنية وإدارية ضخمة علي النحو الوارد في الأسفار.
كذلك فإن نتائج علم الاثار تقدم صورة مخيبة للامال في العثور علي اسرائيل التوراتية فجميع المواقع الفلسطينية في منطقتي الهضاب المركزية ومرتفعات يهوذا وخارجها تظهر استمرارية ثقافية محلية كنعانية فيما بين عصر البرونز الأخير وعصر الحديد الثاني ولايوجد اي دليل أثري علي حلول اقوام جديدة في هذه المنطقة جلبت اليها تقاليد ثقافية جديدة مغايرة.
ويضاف إلى ذلك ايضا فإن النقد النصي والتاريخي والأثري لروايات الآباء والخروج قد أوصلنا إلى القول بكل ثقة علمية بأن جميع الوقائع تنفي نفيا قاطعا وجود كيان اثني اسمه اسرائيل خلال أية فترة من فترات عصر البرونز الوسيط والأخير وصولا إلى مطلع عصر الحديد الأول حوالي عام1200ق م.
كما أن الشواهد الأثرية من الفترة الانتقالية من عصر البرونز الأخير إلى عصر الحديد تنفي نفيا قاطعا رواية سفر يشوع عن الاقتحام العسكري لارض كنعان.،كما سقط عصر القضاة تاريخيا وفقا للأدلة الأثرية.
وبالتالي فإن دراسة الأسفار الخمسة( التكوين والخروج والتثنية والعدد واللاويين) وسفر يشوع وربطها بالأدلة الأثرية المادية تقودنا إلى نتيجة أساسية واحدة وهي ان نهاية عصر البرونز وبشكل خاص العقود الأخيرة من القرن13ق م لم تشهد وصول جماعة موحدة اسمها اسرائيل إلى أرض كنعان ولا إلى أرض شرق الأردن.
ولعل هذا هو مايفسر السر الخفي وراء مايردده ويتمسك به غالبية العلماء والباحثين من اصحاب التيار الديني والصهيوني التوراتي التقليدي والمحافظ ومن يجري مجراهم من المصريين والعرب
بصحة قراءة بتري عام 1896م لكلمة اسرائيل في لوحة أو نقش مرنبتاح لإنه ا هي الدليل الوحيد من خارج النص التوراتي علي وجود اسرائيل في القرن13ق م، مع أنه ثبت عدم صحة القراءة وان انتشارها وتداولها هو امر مقصود لذاته ولا علاقة له بالعلم ومنهجه السليم من جهة،ولا علاقة له بما إنتهت اليه الدراسات العلمية الحديثة الموثقة بالأدلة الأثرية من عدم وجود كيان سياسي اثني اسمه اسرائيل في أرض كنعان في ذلك الوقت.
أما أقدم ذكر لوجود اسم اسرائيل فقد ورد في النقوش الآشورية ونقش ميشع ملك مؤاب بمتحف اللوفر من القرن9ق م وتحديدا عام880ق م كما ثبت ان المملكتين الشمالية والجنوبية لم تكونا متعاصرتين إلا خلال فترة قصيرة من الزمن فقد سقطت المملكة الشمالية عام721ق م والمملكة الجنوبية عام587ق.
أيها السادة الافاضل يامن تريدون الكتابة في هذا الموضوع الصعب الشائك والشيق في ذات الوقت عليكم أن تتعلموا أولا المنهج العلمي السليم وأدواته ومن أولها وأبرزها حصر وجمع كل المصادر والمراجع والدراسات ونتائج الحفائر والاكتشافات الأثرية ثم فحصها وتحليلها ومقارنتها وموازنتها حتي يمكن الخروج بنتائج علمية موضوعية واقرب ماتكون إلى الحق والواقع وليس وفق ايديولوجيات ونتائج مسبقة تخدم أغراضا دينية وسياسية معينة؟ أو من اجل الشووالتريند والظهور. الإعلامي المتكرر.
وكذلك يجب الإلمام بكل الدراسات المتعلقة بنقد العهد القديم والكتاب المقدس. سواء النقد النصي أو النقد المصدري أو النقد الشكلي أو النقد الأدبي أو النقد التاريخي أو النقد الأثري أو الأركيولوجي، وهناك دراسات العلماء الرواد ومنهم كارل جراف وأبراهام لينن وأرنست رينان ويوليوس فلهاوزن ووليم البرايت ومن بعدهم. ديفو وماير وغربيني ودونالد ريد فورد وكاثلين كينيون وسارنا ومنديهول وجانو ولد ومايكل بريور وناداف نعمان واميهاي مزار وجورج شتاينر. وإيغال شيلوه
و ونيلز بيتر ليمكه وأفي أوفير وغوتفالد ومن اصحاب التيار الجديد أو المؤرخون الجدد نيل اشر سيلبرمان وتوماس طومسون وكيت وايتلام واسرائيل فنكلشتاين صاحب نظرية يجب تحرير علم الاثار من سطوة النص التوراتي وغيرهم،ويكفي ان نشير إلى عناوين بعض الكتب ومنها اختلاق الماضي أو الماضي الخرافي لتوماس طومسون.
واختراع شعب اسرائيل،واختراع ارض اسرائيل لشلومو ساند، واختلاق اسرائيل القديمة لكيت وايتلام، وبحثا عن شعب اسرائيل القديم لفيليب ديفز
وهناك دراسات اخري لا بد من الإحاطة بها ونقدها والرد العلمي عليها وهي تلك الدراسات التي تكتب تاريخا بديلا لمسرح جغرافية واحداث التوراة والتي لم يكن العراق والشام وفلسطين ومصر مسرحها المعروف، وإنما الجزيرة العربية الحجاز وعسير واليمن، وقد بدأ هذا الاتجاه عام 1985م علي يد كمال الصليبي ثم طوره فاضل الربيعي
ونهج نهجهم محمد منصور وأشرف عزت وأحمد الدبش قبل تراجعه وغيرهم مما يطول المقام لذكرهم.
وهناك ايضا اتجاه ثالث يجب دراسته ونقده وهو الذي يري أن الأنبياء ماهم إلا بعض ملوك الأسرة 18المصرية، وأن إدريس هو أوزير، وان موسي هو خعمواس؟ وان يوسف هو الشريف يويا؟ وان اخناتون هو الخليل ابو الأنبياء، وان فرعون الخروج هو من بين 13نظرية أحد ملوك الأسرتين18-19 ومن بينهم قيل حتشبسوت؟ بل قيل آخر ملوك الهكسوس.
أيها السادة يجب دراسة ونقد كل ماصدر وكتب ونشر عن هذا الموضوع أولا في ضوء المنهج العلمي السليم والأدلة اليقينية؟ وليس للخواطر أو المقاربات.
وهناك من نسب أحداث عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين من آدم إلى نوح عليهم السلام فعنون كتابه أنبياء سومريين كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟وزي مابيقال ياما في الجراب يا حاوي، ربما تظهر لنا غرائب وعجائب اخري.
وهناك ملاحظة مهمة للغاية وهي التركيز علي الربط مع الدول المعاصرة للدولة المصرية في الأناضول والعراق والشام وفلسطين وشرق الأردن ومنهم الحيثيين والكنعانيين والآراميين وآرام دمشق واليبوسيين والأموريين والمؤابيين وهؤلاء ورد ذكر بعضهم في التوراة ولكن هناك اقوام اخري ورد ذكرها ولم يتم معرفة اصولها وتاريخها واين كانوا وما علاقتهم بالأحداث ومنهم القينيين والفرزيين والرفائيين والجرجاشيين والحويين ( هل يقصد بهم الحورييين).
وهل كان إبراهيم الخليل عليه السلام من اور كلدان ؟ أم من أور كسديم؟
كل هذا وغيره من تفاصيل لم نشر اليها خشية الاطالة لم يرد لها ذكر أو ادني إشارة في هذا الكتاب، فهل يعقل هذا؟ وهل يستحق ان يكون هذا الكتاب مرجعا علميا حديثا لتاريخ الأنبياء بعامة وفي مصر بخاصة؟
وهذا هو موضوع الجزء الثاني من مراجعتنا ونقدنا وردنا العلمي عن نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام.
فتابعونا ان شاء الله.